النساء أكثر احتمالََا من الرجال للإصابة باضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) (1) بمعدل يقارب الضعف، وقد تكشف دراسة جديدة عن سبب بيولوجي قد يفسر هذا الفرق في نسبة احتمال الاصابة بين الجنسين.
دراسة (2) أجراها باحثون في معهد فرجينيا للتكنولوجيا، أن دماغ المرأة يُكوّن ويُخزّن ذكريات الأحداث المخيفة أو الصادمة بطريقة بيولوجية معينة، بحيث تبقى هذه الذكريات مرتبطة بمشاعر الخوف ويمكن استرجاعها لاحقًا عند تذكّر الحدث أو المرور بما يذكّر به من خلال آلية جزيئية لم تُلحظ في أدمغة الذكور، ما يشير إلى وجود اختلافات بيولوجية في كيفية ترسيخ الذكريات المرتبطة بالصدمات بين الجنسين.
ويرى الباحث الرئيس في الدراسة، تيموثي جاروم Timothy Jarome، الأستاذ المشارك في علم الأحياء العصبي بكلية علوم الحيوان الواقعة في كلية الزراعة وعلوم الحياة في معهد فرجينيا للتكنولوجيا، أن هذه النتائج تشير إلى أن علاجات اضطراب الكرب التالي للصدمة قد تحتاج إلى أن تُصمَّم للنساء بصورة مختلفة عن تلك المصممة للرجال، بما يتناسب مع الاختلافات البيولوجية بينهما
قال تيموثي جاروم رغم أن النساء أكثر احتمالََا للإصابة باضطراب الكرب التالي للصدمة مقارنة بالرجال، فإنهن لا يبلغن عن تعرضهن لعدد أكثر من الأحداث الصادمة نفسيََا. أي أن الدراسة لم تجد أن النساء يمررن بتجارب صادمة نفسيََا أكثر، ومع ذلك فإنهن يُصبن باضطراب الكرب التالي الصدمة بمعدل أعلى مقارنةََ بالرجال.
وهذا يعني أن ارتفاع معدل الإصابة لا يعود إلى كثرة عدد التعرض للصدمات النفسية، بل قد يكون ذلك بسبب اختلافات بيولوجية في طريقة استجابة دماغ المرأة للصدمات النفسية، وذلك لوجود آلية عصبية بيولوجية تنشط في دماغها أثناء تعرضها للصدمة النفسية، والتي قد تساعد في تفسير سبب ارتفاع معدلات الإصابة بهذا الاضطراب بين النساء.
وكشفت الدراسة (2)، المنشورة في مجلة Behavioural Brain Research، عن وجود علامة جزيئية في الدماغ لم تُتناول بالدراسة في السابق تُعرف باسم K27 polyubiquitination (عملية بيولوجية تُضاف فيها سلسلة من جزيئات اليوبيكويتين إلى بروتين معين عبر موقع K27 في اليوبيكويتين (3)). ويبدو أنها تؤدي دورًا مهمًا في الطريقة التي يخزّن بها دماغ المرأة ذكريات الخوف، ما قد يفتح المجال لفهم أفضل لاضطراب الكرب التالي للصدمة واكتشاف علاجات أكثر دقة.
تتبع عملية تكوِّن وتخزين ذاكرة الخوف
استخدم الباحثون فئران لدراسة منطقتين في الدماغ ترتبطان بالخوف والذاكرة، الحُصين، الذي يساعد على ربط الأحداث بالأماكن التي حدثت فيها، فهو لا يخزن الحدث فقط، بل أيضًا المكان الذي حدث فيه، لذلك بالامكان لاحقًا تذكر ذلك الموقف. أما المنطقة الثانية فهي منطقة اللوزة الدماغية المسؤولة عن معالجة الخوف والانفعالات، حيث تتولى التعرف على الانفعالات والاستجابة لها، ولا سيما انفعالات الخوف. فهي تساعد الدماغ على التعرف بسرعة على الحالات التي قد تشكل خطرًا أو تثير استجابة عاطفية، ما يساهم في توليد المشاعر المناسبة وتكوين الذكريات المرتبطة به التي قد تكون مهدِّدة أو مخيفة، كما تلعب دورًا في تخزين الذكريات المرتبطة بها.
وبينت النتائج أن مستويات K27 polyubiquitination ارتفعت في منطقة الحُصين لدى الإناث بعد تعرضهن لتجربة تعلّم مرتبطة بالخوف، أي حين مرت الفئران بتجربة جعلتها تتعلم ربط حدثٍ معين بشعور بالخوف. فمثلًا، قد يكون ذلك مكانًا أو صوتًا معينًا يرتبط بحدث مزعج، فتشعر حينئذ بالخوف كلما مرت بذلك المكان أو سمعت ذلك الصوت لاحقًا. وبعبارة أخرى، خاضت الإناث تجربة تعلمت من خلالها أن حدثًا أو مكانًا معينًا مرتبط بالخوف، فأصبحت تتذكره وتستجيب له بالخوف فيما بعد.
بينما لم يحدث هذا الارتفاع لدى الذكور. وعندما خفّض الباحثون مستويات K27 polyubiquitination باستخدام تقنية تحرير الجينات، وجدوا أن إناث الفئران أصبحت أقل قدرة على الاحتفاظ بذاكرة الخوف، في حين لم يتأثر ذكور الفئران بذلك، مما يشير إلى أن هذه الآلية تلعب دورًا مهمًا في ترسيخ ذكريات الخوف لدى الإناث على وجه الخصوص
قدرة الذكور والإناث على تذكر نفس التجربة أو الحدث المرتبط بالخوف لا تعني أن أدمغتهم تستخدم الآليات العصبية نفسها للوصول إلى هذه النتيجة، فقد تختلف هذه الآليات في الجنسين التي يستخدمها الدماغ لتحقيق ذلك، بحسب جاروم.
وأضاف: "لذلك، إذا كنا نعمل على تطوير علاجات لحالات مثل اضطراب الكرب التالي للصدمة، أو نسعى إلى تحسين الذاكرة، فقد نحتاج إلى اعتماد أساليب علاجية للذكور مختلفة عن تلك التي نستخدمها مع الإناث، لأن الاختلافات البيولوجية في الدماغ قد تجعل الاستجابة للعلاج تختلف بين الجنسين."
*كانت هذه النتيجة مفاجئة إلى حدٍّ ما، إذ كنا نتوقع عادةً أن تظهر هذه التغيرات في اللوزة الدماغية، نظرًا لدورها الأساس في معالجة انفعالات الخوف، لكننا وجدناها في منطقة أوسع مسؤولة عن الذاكرة وليس في اللوزة الدماغية كما كنا نتوقع، وكانت هذه الظاهرة مقتصرة على أحد الجنسين دون الآخر. *
وجد الباحثون أيضًا أن العملية البيولوجية، التي تُضاف فيها سلسلة من جزيئات اليوبيكويتين إلى بروتين معين عبر موقع K27 في اليوبيكويتين، ترتبط ببروتين يُعرف باسم ACAT1 داخل الحُصين أثناء تكوّن الذكريات لدى الإناث. وقد ارتبط هذا البروتين سابقًا بمرض ألزهايمر، الذي يصيب الحُصين ويؤدي إلى اضطراب الذاكرة (فقدان الذاكرة) (4)، مما يشير إلى احتمال أن يكون له دور في كلٍ من تكوين الذاكرة وفقدانها، وفقًا لـ جاروم.
يسعى مختبر جاروم إلى فهم الآليات الجزيئية الكامنة وراء اضطرابات الذاكرة، مثل مرض ألزهايمر والخرف (5) واضطراب الكرب التالي للصدمة (6)، بهدف تطوير أساليب علاجية أكثر فاعلية. وقد أُنجز هذا المشروع بمشاركة فريق من الطلاب الباحثين، وبتمويل من منحة مقدمة من المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية.
الخلاصة:
قد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب ارتفاع احتمالية إصابة النساء باضطراب الكرب التالي للصدمة مقارنة بالرجال، كما قد يمهّد الطريق لتطوير علاجات في المستقبل تستهدف الآليات البيولوجية المسؤولة عن هذا الاختلاف.
