2026/09/11 | 0 | 39
*هل الطبيعة كتاب؟*
*مقدمة:*
في كل مرة نمشي فيها بين أشجار النخيل، أو نجلس قرب عين ماء، أو نرفع رؤوسنا إلى السماء في ليلة صافية، نعتقد أننا نرى الأشياء كما هي؛ نخلةً واقفة في أرضها، وماءً يجري في مجراه، ونجومًا تتناثر في فضاء بعيد. لكننا في الحقيقة لا نرى إلا الطبقة الأولى من المشهد، تلك التي اعتادت عليها أعيننا حتى فقدت قدرتها على الدهشة. أما خلف هذا المشهد البسيط، فهناك عالم كامل من العلاقات والقوانين والعمليات التي تعمل بصمت، من حركة الماء داخل النبات إلى توازن التربة، إلى انتقال الحرارة، إلى دوران الأرض، إلى التفاعلات التي تجري في خلية لا تكاد تُرى بالعين.
ومع ذلك، فليست المشكلة في أن الأشياء تخفي أسرارها عنا، وإنما في أننا اعتدنا وجودها حتى لم نعد نسأل عنها. فالنخلة التي نمر بجانبها كل يوم لا تبدو لنا سؤالًا، والماء الذي نشربه لا يخطر لنا معه أن نتساءل عن رحلته الطويلة في الطبيعة، والسماء التي نرفع إليها أعيننا لا تبدو في كثير من الأحيان أكثر من خلفية واسعة لحياتنا اليومية.
لكن ماذا لو توقفنا قليلًا؟
ماذا لو نظرنا إلى هذه الأشياء لا باعتبارها مألوفة، بل باعتبارها جديرة بالسؤال؟ عندها قد نكتشف أن العالم الذي نظنه بسيطًا ليس كذلك، وأن وراء المشهد القريب عالمًا واسعًا لا يظهر من النظرة الأولى.
من هنا يبدأ السؤال: هل الطبيعة كتاب؟ وهل يمكن للإنسان أن يتعلم قراءة هذا الكتاب، لا بعينه وحدها، وإنما بعقله أيضًا؟
*حين تصبح الأرض آية*
يقول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾.
تستوقفنا هنا كلمة واحدة: "آيات".
فالآية ليست الشيء نفسه، وإنما هي الشيء الذي يدل على غيره. حين ترى أثرًا على الطريق، فأنت لا تتوقف عند الأثر بوصفه مجرد علامة على الأرض، بل يتجه ذهنك تلقائيًا إلى شيء غاب عن عينيك وترك هذا الأثر وراءه. ومن هذا المعنى يمكن أن نفهم جانبًا من وصف القرآن لما في الأرض بأنه آيات؛ فالأشياء لا تقف عند حدود وجودها، وإنما يمكن أن تقود الإنسان إلى النظر فيما وراءها.
الأرض بهذا المعنى ليست مجرد مكان نعيش فيه، ولا مخزنًا للموارد التي نأخذ منها حاجاتنا، وإنما عالم مفتوح للتأمل. الجبال والبحار والنبات والحيوان وتعاقب الليل والنهار، وحتى التفاصيل الصغيرة التي تمر بنا دون انتباه، كلها يمكن أن تصبح موضوعًا للنظر حين يتحول الإنسان من مجرد المشاهدة إلى محاولة الفهم.
ولذلك لا يبدو غريبًا أن يربط القرآن بين الآيات وبين اليقين؛ لأن الآية لا تؤدي وظيفتها بمجرد وجودها، وإنما تحتاج إلى عقل يلتفت إليها. قد يمر اثنان بالمشهد نفسه، فيرى أحدهما شيئًا مألوفًا وينصرف، بينما يتوقف الآخر عنده ويسأل: ما الذي يخبرني به هذا المشهد؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه منه؟
وهنا يظهر الفرق بين العين التي ترى، والعقل الذي يقرأ.
ليس المقصود أن كل ظاهرة طبيعية تحمل رسالة محددة يمكننا استخراجها بسهولة، ولا أن نحول كل حقيقة علمية إلى "إعجاز" نبحث عنه في النصوص. فهذا النوع من القراءة قد يجعلنا أسرى لفكرة مسبقة، بدل أن يجعلنا أكثر إنصافًا للقرآن والعلم معًا. وإنما المقصود أبسط وأعمق: أن القرآن يدعو الإنسان إلى ألا يمر بالعالم مرورًا عابرًا، وأن يرى في الخلق مجالًا للتفكر والاعتبار.
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وهنا تنتقل المسألة من الأشياء إلى الإنسان الذي ينظر إليها. فالآيات في العالم، لكن قراءتها تحتاج إلى أولي الألباب إلى عقل لا يكتفي بحضور الأشياء أمامه، بل يحاول أن يفهم ما بينها من علاقات ودلالات.
ولعل هذا هو السبب في أن الطبيعة تستطيع أن تكون في الوقت نفسه مجالًا للعلم ومجالًا للتأمل. فالعالِم يسأل عن الظاهرة لكي يفهم كيف تعمل، والمتأمل ينظر فيها ليتساءل عما يمكن أن تدل عليه. قد يلتقي الاثنان أمام النخلة نفسها، لكن كل واحد منهما يقرأ جانبًا مختلفًا منها.
ومن هنا لا تكون الطبيعة كتابًا؛ لأن فيها كلمات مكتوبة، وإنما لأنها قابلة للقراءة،فيها ظواهر نلاحظها، وعلاقات نكتشفها، وقوانين نهتدي إليها، وأسئلة تقودنا من المعلوم إلى المجهول.
وحين نبدأ بهذه القراءة، فإن أول ما يتغير ليس العالم من حولنا، بل طريقة نظرنا إليه. وعندها لا يعود السؤال: ماذا نرى؟ وإنما يبدأ سؤال آخر أكثر دقة: كيف يحدث ما نراه؟
ومن هذا السؤال يبدأ طريق العلم.
*من النظر إلى السؤال*
إذا كانت الطبيعة مجالًا للنظر، فإن العلم يبدأ حين يتحول النظر إلى سؤال. فالإنسان لا يكتفي بأن يرى الظاهرة، بل يسأل عن الكيفية التي تحدث بها، وعن العلاقات التي تحكمها، ثم يبحث عن تفسير يستطيع أن يختبره ويقارنه بما يراه.
ولعل هذا المعنى يلفت النظر في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾. فالسؤال هنا لا يتوقف عند وجود الإبل أو السماء أو الجبال أو الأرض، وإنما يتجه إلى الكيفية.
ولا يعني ذلك أن الآية تقدم لنا المنهج العلمي الحديث بصورته المعاصرة، فالعلم له مناهجه وأدواته التي تطورت عبر التاريخ. لكن بين السؤال عن "كيف" وبين روح البحث العلمي صلة واضحة: أن تتحول الظاهرة من شيء نراه إلى مسألة نريد فهمها.
ومن هنا تتشكل المعرفة العلمية في أبسط صورها: ملاحظة، ثم سؤال، ثم فرضية يمكن اختبارها، ثم مقارنة النتائج بما توقعناه. وقد تختلف طرق البحث باختلاف العلوم، فلا توجد وصفة واحدة تصلح لكل مجال، لكن الملاحظة المنظمة، والاختبار، وبناء النماذج، وتقييم الأدلة، كلها من السمات الأساسية للممارسة العلمية.
خذ الماء مثالًا قريبًا منا. قد نراه في النهر أو البئر أو المطر، لكن العلم لا يتعامل معه بوصفه شيئًا ساكنًا؛ بل يسأل عن حركته، وتغير حالاته، وتفاعله مع البيئة، وانتقاله بين الأرض والجو والكائنات الحية. وهكذا يتحول الشيء المألوف إلى موضوع للمعرفة.
لكن السؤال عن "كيف" لا يلغي الأسئلة الأخرى؛ فهو يجيب عن جانب من الحقيقة، ويترك للعقل مجالًا لأسئلة أوسع. كيف يعمل العالم؟ نعم. ولكن كيف نفهم القوانين التي نصف بها عمله؟ وكيف يستطيع العقل أن ينتقل من ملاحظات متفرقة إلى نماذج تفسر قدرًا واسعًا من الظواهر؟
وهنا ننتقل من العلم الذي يدرس الظواهر إلى العقل الذي يحاول أن يفهمها.
*العقل الذي يقرأ ما يرى*
قد يستطيع الإنسان أن يعرف كيف تسقط الأشياء، وكيف يتحرك الماء، وكيف ينمو النبات، وأن يصف كثيرًا من الظواهر بدقة كبيرة، لكن المعرفة لا تتوقف عند وصف ما يحدث. فكلما اتسعت معرفتنا بالعالم، ظهر سؤال آخر يتعلق بالعقل نفسه: ما الذي يجعل هذا العالم قابلًا للفهم؟ وكيف استطاع الإنسان أن ينتقل من مشاهدة الأشياء المتفرقة إلى اكتشاف العلاقات التي تجمع بينها، ثم صياغة هذه العلاقات في قوانين ونماذج؟
إننا لا نعيش وسط أشياء منفصلة تمامًا؛ فالماء يرتبط بالمناخ، والمناخ يرتبط بالطاقة، والنبات يرتبط بالماء والضوء والتربة، والكائن الحي يعيش داخل شبكة من العلاقات التي لا يمكن فهمه بعيدًا عنها. والعقل حين يكتشف هذه الروابط يحاول أن يفهمها، وأن يصوغ هذا الفهم بطريقة يمكن اختبارها ومراجعتها.
ولم يكن هذا النوع من التأمل في الخلق غريبًا عن تراث أهل البيت عليهم السلام. ففي نهج البلاغة، حين يتحدث أمير المؤمنين عليه السلام عن خلق الأشياء، يلفت النظر إلى خصائصها وحدودها وقرائنها، فيقول في خطبته الأولى: "وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها، عالمًا بها قبل ابتدائها، محيطًا بحدودها وانتهائها، عارفًا بقرائنها وأحنائها".
وليس المقصود من هذا النص أن نستخرج منه نظرية علمية بالمعنى الحديث، وإنما أن نلاحظ طريقة النظر نفسها؛ فالخلق هنا ليس مجموعة أشياء متجاورة، بل أشياء لها خصائص وحدود وقرائن، ويمكن للعقل أن يتأمل في هذا الترابط.
ويظهر هذا الاتجاه بصورة أكثر وضوحًا في النصوص المنسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام في توحيد المفضل، حيث يبدأ التأمل من جهل الإنسان بالأسباب والمعاني في الخلقة، ثم يُضرب له مثال بمن يدخل دارًا قد بُنيت بإتقان، ووُضع كل شيء فيها في موضعه، لكنه لا يستطيع أن يدرك نظامها؛ لأنه لا يبصرها. يقول النص: "فهم في ضلالهم وعماهم وتحيّرهم بمنزلة عميان دخلوا دارًا قد بُنيت أتقن بناء وأحسنه".
ثم ينتقل النص إلى دعوة صريحة إلى التأمل العقلي في العالم: "أول العبر والأدلة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبني".
وهنا تكمن قيمة هذا التصوير بالنسبة إلى سؤالنا. فالعالم في هذا النص ليس مجرد أشياء موجودة إلى جوار بعضها، وإنما أجزاء مؤتلفة، لكل منها موضع وعلاقة بغيره، ويمكن للإنسان أن يقترب من فهمها حين يتأمل العالم بفكره ويميّزه بعقله.
فالدار ليست جدرانًا وأبوابًا وأثاثًا متفرقًا، وإنما بناء تتصل أجزاؤه بوظائفه، ولكل شيء فيه موضع ضمن صورة أكبر. ومن هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد: ما هذا الشيء؟ أو كيف يعمل؟ بل: كيف يرتبط هذا الشيء بغيره داخل العالم الذي نعيش فيه؟
ومرة أخرى، ليست قيمة هذه النصوص في أن نضعها مكان علم الأحياء أو الفيزياء الحديثين، ولا في أن نبحث فيها عن اكتشافات علمية لم تكن مقصودة في سياقها، وإنما في أنها تقدم نموذجًا للتأمل في العلاقة بين الأشياء ووظائفها وترابطها. وهذا يفتح أمام العقل طريقًا آخر للمعرفة؛ فكلما فهم جزءًا من العالم، أصبح قادرًا على أن يسأل عن علاقته بالأجزاء الأخرى.
وهنا تلتقي هذه الروح التراثية مع سؤال العلم من غير أن تختلط به. فالعلم يريد أن يعرف كيف تعمل الأشياء، والفلسفة تسأل عن طبيعة المعرفة التي نصل بها إلى هذا الفهم، بينما يفتح لنا التأمل الإيماني سؤالًا آخر: ماذا يكشف لنا هذا العالم عن موقع الإنسان فيه؟
*حين يزيد العلم الدهشة*
ربما كنا نظن أن المعرفة ستأخذ شيئًا من سحر الأشياء. كلما عرفنا سرًا من أسرارها، انكشف الغموض الذي كان يحيط بها، وكأن تفسيرها سيجعلها أقل إثارة. لكن التجربة تقول شيئًا آخر، فهناك أشياء لا تصغر حين نفهمها، وإنما تكبر في أعيننا.
حين نعرف شيئًا عن حركة الماء في الأرض، أو عن الطريقة التي يستقبل بها النبات الضوء، أو عن العلاقات الدقيقة التي تربط الكائن ببيئته، فإننا لا نكتشف أن الطبيعة أبسط مما ظننا، بل نكتشف أنها أعمق. المعرفة تزيل بعض الغموض، لكنها تفتح في الوقت نفسه أبوابًا جديدة للسؤال.
وربما هنا تكمن إحدى أجمل علاقات الإنسان بالعلم: أنه لا يمنحه دائمًا نهاية الطريق، بل يعلمه كيف يمشي فيه.
فالطبيعة من حولنا لم تتغير. النخلة ما زالت نخلة، والماء ما زال ماء، والسماء ما زالت فوقنا. الذي تغير هو عين الناظر، فقد أصبح وراء المشهد سؤال، ووراء السؤال معرفة، ووراء المعرفة أسئلة أخرى.
ولهذا ربما لا يكون السؤال في النهاية: هل الطبيعة كتاب؟ بل: هل تعلمنا كيف نقرأه؟
وفي المقالة القادمة سنقترب من أحد أكثر الأشياء ألفةً في حياتنا، حتى إننا نكاد لا ننتبه إلى عظمته: قطرة الماء. سنحاول أن ننظر إليها لا بوصفها مادة نشربها فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من قصة طويلة تجعل الحياة نفسها ممكنة.
✍️ *أحمد باقر الطويل*
جديد الموقع
- 2026-09-11 ما أعمقها من طمأنينة!
- 2026-09-11 قراءة جزائرية في سرديات "من الجدير ذكره" العراقية
- 2026-09-11 هل القراءة المهنية ممتعة؟
- 2026-09-11 فوزية أبوخالد والقراءة
- 2026-09-11 كيف يحدد الدماغ ما إذا كانت نتائج قراراتنا بسببنا أم بسبب الظروف الخارجة عن ارادتنا؟
- 2026-09-11 النرجسية العدائية عند بعض النساء: بين مسامحة المسيء وتجنبه والانتقام منه
- 2026-09-11 نصُّكَ بينَ الانشغالِ والإشغال)
- 2026-09-10 أفراح العبداللطيف والناصر تهانينا
- 2026-09-10 «بر الفيصلية» يعزز ثقافة التطوع ويربط التجربة التطوعية بالتنمية المهنية
- 2026-09-09 *«سند» بالأحساء تعزّز حضور المسؤولية الاجتماعية في القطاع الخاص بلقاء «صُنّاع الأثر» في جادة30*