2025/03/10 | 0 | 1078
مسك الغزال..ديوان يفوح شذاه
" مسك الغزال"..ديوان أخذ من المسك رائحته وشذاه الفواح فملئ الأرجاء بزلاله، ومن الغزال نشاطه وحيتويته فتركت بصماته وقع أقدامها على القلوب، ليخرج لنا على شكل >مسك الغزال<.
ففي هذه الكلمات نحلق مع الشاعر جابر بن محمد الغزال، من خلال جولة في ديوانه وقفشات من شعره وزلاله، بارزين بذلك أحد ألمع الشعراء الأحسائيين بما تركه من رصيد كبير وزاخر من حيث الشكل والمضمون.
الشاعر:
o جابر بن مـحـمَّـد بن حجي الغزال (أبو طارق)، من مواليد الهفوف عام 1364هـ/1945م.
o عمِلَ موظّفًا حكوميًّا بداية حياته، ثم موظّفًا أهليَا في القطاع الخاص، حيث انتقل إلى مدينة الدمام واستقرَّ بها.
o بدأ الكتابة الشعريّة في سنٍّ مبكرة، حيث كتب في العديد من الأغراض الشعريّة كالمدح والرثاء والإخوانيات والغزل والحكمة، إلّا أنَّ جلّ شعره كان في مديح النبي الأعظم وآله عليهم السلام، ولذا لُقِّب بـ"الشاعر الولائي".
o لـمع نجمه كشاعر في الـمحافل والـمناسبات الدينيّة، حيث كانت له مشاركات شعريّة واستضافات أدبيّة كثيرة على مستوى المنطقة والخليج.
o توفي -رحمه الله- عام 1424هـ، عن عمرٍ ناهز الستين عامًا.
o تفتّقت موهبة نظم الشعر لدى شاعرنا أبي طارق منذ سنٍّ مبكرة، فكان يشارك في المواكب الحسينية التي تقام في حسينية الحرز بحي الكوت بالهفوف حيث ولادته ومكان نشأته ودرجه.
الديوان:
مسك الغزال.
الشاعر: جابر بن محمد الغزال (1364 - 1424هـ).
حققه وراجعه: صادق بن موسى السماعيل.
جمعه وأشرف عليه: م. مصطفى بن طاهر الغزال.
الناشر: الانتشار العربي: بيروت.
الطبعة الأولى: 1446هـ - 2025م.
عدد الصفحات: 488.
شاعريته:
شاعر بارع يجيد قيادة نصل القصيدة كفارس يخوض الغمرات بكل مكنة وأبداع، وكبحار قد عجنته تجربه كبيرة بلغت حدّ النضج، يغوص أعماق الشعر ليخرج بالزلال من بين اصدافه ليتجلى بريقها كدانة فريدة ونادرة.
فهو لا يبحث عن الكلمات، بل يشعرك إن الكلمات هي من تبحث عنه، فتخرج عفوية منحدرة على لسانه ومن بين أنامله بكل سلاسة ويسر، لتتفرع كالسيل من بين الشقوق والفروع لتزدهر حتى تمتلئ ربوع الأرض بالحياة.
وقد أجاد المحقق السماعيل في مصافحته الروحية حيث وصفه بعين الشاعر الخبير، فقال:
أبو طارق.. شاعر مطبوع، يقول الشعر وهو ممتلئ بالحياة، محتشدٌ بها، مُتكثّفٌ فيها، يبثُّ في كل قصيدة ينشدها شيئًا من روحه الشفيفة، لتكون بضعةً منه، لحمها لحمه ودمها دَمه، وهو شاعر لحظي بامتياز.. يكتب الشعر في لحظة مخاضه الأوّلى، حيث لا ينتظر الوقت لكي يستولده من قريحةٍ حبلى.. أو من مخيّلةٍ عطشى، لهذا تراه مرتهنًا للساعات والأيّام... وربّما الأعمار أيضًا.
لهذا فولادة أي قصيدة عنده يعتبر حدثًا مفصليًا له في ذلك اليوم، حيث لا يتكلّف إنتاجها ولا يتصنّع تـمثّلها -هكذا أرى- فقد تكتبه قصيدةٌ في جلسة عابرة.. وقد يكتب قصيدةً في لحظة تجلٍّ خاطفة..
يجيد السفر إلى المعنى السامي الذي يستحثّه مشاعريًّا ويهزّه وجدانيًّا بالرغم من وعورة تضاريس القصيدة، فهو لا يعدُّ ذلك من صعوبات السفر طالما أنَّ لديه الشعلة التي يطوف بها على الأقطار.. والأشعار.
خط إنتاج القصائد لديه ليس واحدًا، بل متعدّد الخطوط، كثيرًا ما يبتعد بالقصيدة حدّ التمايز، وكثيرًا ما يقرب منها حدّ التماهي، يعجن طين قصائده بروحه الخلّاقة حتى تصبح لدنةً قابلةً للتشكّل والتقولب.
قوالبه الشعرية:
أمتلك الشاعر قدرة كبيرة على التنوع والتقولب بحسب الحاجة للقصيدة والعطاء فيها، لذا لم يترك إرثاً مادياً ضخماً، ولكن ترك تراثاً أدبياً زاخراً بمئات القصائد المتنوعة والمتعددة الأجناس، وقد بذل المحقق البارع الأستاذ الأديب صادق بن موسى السماعيل جهداً لا يستهان به في تبويبه وتقسيمه، وهو أمام فنون شعرية متداخلة ومتنوعة يتنقل بينها الشاعر بحسب الحاجة والضرورة في الكتابة، وما يستدعيه الموقف الذي سيكتب فيه:
الباب الأوّل: ولائيّات:
وهو ما يختص بالقصائد المنظومة في شأن أهل البيت عليهم السلام، وتتفرّع من هذا الباب الفصول التالية:
· في شأن أهل البيت عليهم السلام: وهي القصائد التي لا تختص بأحدٍ منهم عليهم أفضل الصلاة والسلام، وإنّـما هي قصائد عامّة تشملهم جميعًا دون تحديد أو تـخصيص.
· في شأن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
· في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
· في شأن السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
· في شأن الإمام المجتبى الحسن بن علي عليه السلام.
· في شأن سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليه السلام.
· في شأن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
· في شأن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.
· في شأن الإمام الحجّة المنتظر عجّل الله فرجه الشريف.
الباب الثاني: تكريمات:
وهي القصائد التي قيلت في مناسبات الحفاوة والتكريم والامتداح لعدد من الشخصيات الدينيّة والوجهائيّة.
الباب الثالث: رثائيّات:
وهي القصائد المنظومة الـمنشدة في رثاء وأربعينيّة عدد من العلماء والمشائخ والوجهاء وأهل الفضل والسؤدد بالمنطقة.
الباب الرابع: وجدانيّات:
وهي القصائد التي تتضمّن النظر والتأمل وإعمال الفكر في هذه النفس البشريّة وهذا الكون، بالإضافة إلى وصفات إرشاديّة ونصائح للسير في هذه الحياة الكبيرة.
الباب الخامس: في التولّه والوجد والغزل:
وهي القصائد التي تُعنى بجانب الغزل والكَلَف والتعشّق، وبجانب الشجن والحنين والـتأوّه.
الباب السادس: إخوانيّات:
وهي عبارة عن الأشعار التي قيلت على سبيل التهاني والتبريكات بين مختلف أصدقاء الشاعر، أو قيلت إثر موقف ما مع صديق له.
الباب السابع: الأبوذيّات:
وهو تراث كبير تركه الشاعر في هذا الصنف من الشعر، مما يؤكد قدرته وإجادته ببراعة فائقة، وقد جمعها المحقق رغم تداخلها وتشابكها بما أسعفه الديوان لإنجاز المهمة بشكل جيد.
الأغراض الشعرية:
تنوعت الأغراض الشعرية لدى الشاعر جابر الغزال، بما ينعش بكلماته القلب ويسرع من نبضاته، فتجده مثل النحلة يتنقل بين مديح، ورثاء، فتجده تارة شاعر مناسبات، وأخرى أديب وجدانيات، وفينة يغوص في الإخوانيات، وحيناً شاعراً مؤرخاً للأحداث والمجريات، إلا أن الطابع العام في شعره هو شعر الولاء الذي هيمن على شخصيته حتى أعطاه قالبه، ووسمه بسمته فعرف بين أقرانه ومحبيه بـ (شاعر الولاء)، ففيه يجد الشاعر نفسه وكيانه، وهنا كي لا نحرق الأوراق نترك لمحققنا البارع أمير الكلمات الشاعر المتألق صادق بن موسى السماعيل وهو يوزع شعره بنمط جديد يسميه (الرايات العشر)، وهي:
1- شاعر الفطرة والتلقائيّة:
عند مطالعة الديوان وقطف ما يتدلّـى من شجرته من قصائد يانعة ننتهي إلى نتيجة حتميّة مفادها أنّ هذا الشاعر خُلِق ليكون شاعرًا، وأعني بذلك أنَّه شاعر متدفّق بكل ما للتدفّق من معنى، يكتب القصيدة بانسيابية دون أن يعود لها مرةً أخرى لإكمالها، بل يكتبها بشكلٍ آني وفي مرحلةٍ واحدة، خلافًا لكثيرٍ من الشعراء الذين يكتبون قصائدهم على عدة مراحل، وفي أوقات متباينة.
ولعلّ المدهش في الأمر أنَّ جلسة واحدة كفيلة بطبخ قصيدة تنوف على ثلاثين بيتًا في كثير من الأحيان، مما يُعزّز رأيي فيه بصفته شاعرًا متدفِّقًا -كما أسلفت-، وشاعرًا ذا نَـــفَسٍ طويل، وذا صلابة لا ينكسر، ينسج سجّادة شعره بأنامله بدقة متناهية ويزخرفها، حيث يتجمّد الوقت عنده.. ويتكثّف الضوء.. حينها تتحلّق الفراشات من حوله، مكوّنةً هالةً من الدهشة والانبهار، ومن هنا حقّ لي أن أنعت أبا طارق بـ(الشاعر الجَلِد)، فهو نعتٌ حقيقيُّ متقوِّم بمعتبراته ومعاييره، وهذا النعت ناظرٌ إلى ما لمسته في شعره من فطريّة ذاتية يمكن أن تراها بوضوح في سلوكه الاجتماعي كما يقول مجايلوه، شخص مبهر في كل شيء، حتى في صناعة الضحك والنكتة.. والحكمة أيضًا.
وأشير هنا إلى أنَّ تلك الكتابة الآنية للشعر ليست كتابة منزوعة الدسم، بل تخالها كتابةً واعية ومسؤولة، وراشدة أيضًا، فهو شاعرٌ متخمٌ بالشعريّة في كثير من الأغراض الشعريّة التي يكتب فيها ويُحلّق بها، ففي (ألفبائيّة الحب) التي أنشدها بمناسبة رجوع الشيخ علي آل شبيث (رحمه الله) بعد رحلة علاجيّة ناجحة نجده انتهج لنفسه شكلًا درج عليه بعض الشعراء الأقدمين، وهو ابتداء كل بيت شعري من الصدر والعجز بحرف من حروف المعجم، حيث قال:
إلى آخر الأبيات... وهي على غرار قصيدة ملا علي بن فايز رحمه الله والتي مطلعها:
أمّــا الألــف: آل الـنّـبي وخـيـر الـبريّة
والـبـا: بـعـرصَة كـربلا ذبـحوا سـويّه
هذا النهج الألفبائي لا يمكن بسطه بهذه القوّة والمتانة، ولا يمكن سبكه في بوتقة الجمال، وسكبه في قدح كل حرف إلّا إذا عرفنا أنَّ الشاعر ممتلئ.
2- شاعر الأبوذيات:
ينحدر شاعرنا الغزال من سلالة شعراء الأبوذيّة الأصلاء نظرًا لكثرة ما نظمه من هذا الفن الجميل الآخذ بالانتشار والتمدّد في جيلنا الحالي من الشعراء مـمن يكتب باللهجة الشعبيّة أو حتى مـمن يكتب بالفصحى، والذي يتقوّم على جناسٍ لفظي، أي كلمة واحدة نهاية كل الأشطر الثلاثة، مبناها الحرفي واحد ولكن معناها مختلف باختلاف السياق البنائي، وهناك الكثير من الكتب تحدّثت عن هذا الفنّ باعتباره جنسًا أدبيًّا قائمًـا له محبّوه وجمهوره. يقول شاعرنا في إحدى أبوذياته:
أنا لفّيت في الدنيا بلادين
شفت ناسٍ على اهواها بلا دين
لكن ما شِفَتْ واحد بلا دين
يمـانعها عن الشـرْ والأذيّـة
ويقول في أبوذية ضمّنها نصيحة:
صديقك لو جفاك اليوم مِلْ له
ترى الإخلاص بين الناس مِلّة
وترى الواحد إذا أجفاك من له
يجي مأمونْ غير الله ونبيّه
ولا أخال أن من يتقحّم الدخول في هذا الفن شاعر بسيط، بل أزعم أنه شاعر مقتدر محيط بقاموس اللهجة الشعبيّة المحكيّة وتـمثّلاتها من حكم وأمثال وأقوال، ومن يمسك بزمامها فهو أدرى بشعابها، مضافًا لذلك فهو يملك -أي الشاعر- رصيدًا كبيرًا من الحضور الجماهيري، ولا يتأتى ذلك كموهبة وتمكّن إلّا من خلال مخالطة الشاعر نفسه بالناس والالتصاق بهم، وهذا الأمر يغذّي معجمه الشعبي من الكلمات والعبارات.
3- شاعر الولاء الـمحض:
بعقيدتي وكرامتي وبمذهبي
قد صرتُ منهم بالفِخَارِ فخورا
أنا فاتحٌ مُدنَ الجمالِ بحُبِّهم
ولقد بنيتُ من الفتوحِ جسورَا
أمشـي وأبني للقلوبِ مهابطًا
تـحكيْ الكرامةَ والندى والنورا
بهذه الأبيات المحلّقة والمعاني المتأنّقة أجدني أمام شاعر دأبَ على أن يكون فاتـحًا لمدن الجمال في كل قصيدة، وأن يكون بانيًا لمهابط القلوب في كل قافية، حتى يكون مصداقًا للمودّة لأولي القربى عليهم السلام، لقد تشرّب الحب الصادق في عروقه، وتدلّت قلائد الولاء على جيده، مكوّنةً طوقًا من الروعة والبهاء، والفخر والزهو والخيلاء.
إنَّ شاعرنا الغزال في فتوحاته الكثيرة لتلك المدن يجعلنا نكبر فيه الولاء الأبيض الذي يرشح عن قريحته الـمحمّلة بالعشق الأحمر، فكما يطلق عليه بأنه (الشاعر الولائي) فأنا أطلق عليه أيضًا (الشاعر الـمـتـنـفّـل)، وأعني بذلك ممارسته التقوائية في نظم المشاعر الولائيّة شعرًا ولائيًّا باقتدار، بمعنى أنه يتنفّل لله تعالى بهذا الشعر ليكون ذا زلفى عنده وحسن مآب.
ولعلّ قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): <من قال فينا بيتَ شِعْرٍ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة>([1]) كان له البراق الذي يطير به إلى سدرة الرضا والقرب والقبول، حيث أحسن القول فيهم عليهم السلام، فكانت تلكم الأشعار تحفته من هذه الدنيا وبُلغته منها.
وما يسرح بخيالنا أكثر حيال عكوف الغزال على إنتاج هذا الجنس من الشعر الرسالي هو اعتقاده بأن الشعر له رسالة، هذه الرسالة هي باب حطّته ومنجى سفينته، وأنَّ الشعر الذي يتجرّد من الرساليّة والقيمة العليا هو شعر أجوف خاوٍ على عروشه وعروضه.
يقول من مقطوعة في مدح أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
أنختُ ببابِ الـمرتضـى الطُّهْرِ ناقتيْ
لعلّي أكنْ يوم القيامةِ ناجيَا
كفاني إذا ما جئتُ في الحشـرِ وجهُهُ
وقد يشعل القنديل ما كان داجيَا
رويتُ لكم بعضَ الحديثِ وكلُّهُ
يفوحُ على الأزمانِ فُلاً وكاديَا
هذه التراتيل القدسيّة التي يترنّم بها في حضرة القدس ما هي إلّا صراطه المستقيم الذي لا حيدة عنه، ومطمئن نفسه، ومناخ روحه وجسده... وناقته، وقبل كل ذلك هي وجوده الغائي في هذا العالم، ولهذا نجده في كل محفل يعقد رايته الشعريّة، ويجدّد العهد القديم بهم عليهم السلام.
كما أنَّ تلك الأبيات تشي بأنَّ جابر يريد أن يوكِّد بأنَّ هوّيته ومحل إقامته هي الشعر، الشعر فقط، لأنَّ الروح الشعريّة عند المرء حالة متقدّمة على الإنسانيّة، فمتى ما أنبتت الأرض شاعرًا فهذا مؤشِّر على أنَّ المطر كان كثيفًا، والأرض خصبة، والجوّ صحوًا.
4- شاعر السرديات الغزلية:
لا يمكن للورد أن يمسك عن نفحه العطري الأخّاذ، إنّها جبلة جينيّة، كذلك هو الشاعر لا يمكنه أن يشيح وجهه عن الربى الخميلة واللوحة الفاتنة، أو يصم أذنه عن خرير الماء، وتغاريد البلابل، لأنه ببساطة خميرة من المشاعر الشفيفة التي تتقصّى كل جميل، لهذا نرى شاعرنا الغزال قد أفاض -ولكن بقدر- من الجماليات التي تجعل من شعره قارورةً من الضوء.
كما لا يمكن للشاعر أن ينهض بشاعريته دون أن يغمس طرف شعره بماء الحب والتصابي ليكون بنفسجيًّا، ومن هنا انثال على الحرف بمجاميعه ليبتكر الحب كمادة خام يقول عنها: يجب أن تكون في جميع مناحي الحياة.
لقد جرّ قلمه وأسال قريحته ليبلور رؤيته الخاصّة في الحب، الحب العذري الطهوري الذي يتعالى على الأنا المنتفخة.
يقول في مقطوعة رقراقة:
كثيرةٌ هيَ الاعتبارات التي تطيل من عمر الفتيل لأيّ شاعر مضيء ومتوهّج، وأهم اعتبار هو ضخامة التجربة الحياتيّة التي يستقي منها موهبته الشعريّة، فجداول الضوء عديدة باتساع المعنى المقصود والـمُتعيّن، وصواع الشعر كبير يتسع لآمالنا وأحلامنا.
وجابرنا الشاعر من أولئك الشعراء المتحصّنين بالحياة الذين استطاعوا بجدارة أن يطوّعوا خبرتهم الشخصيّة في صوغ منتج أدبي فخم، يُعبّر عن مكامن النجاح والإخفاق في أي تجربة قائمة، أي أنَّه يملك فضاءً رَحِبًا يمكن من خلاله التحرّك عموديًّا وأفقيًّا في اصطياد أي مفردة لموقف عارض، أو حادثة واقعة وإسقاط الحكمة المناسبة.
كما يملك مجسّات دقيقة يقدر بواسطتها خلق تراكيب فريدة تناسب المقام والشاهد، ومعلوم عند أهل الصنعة أن شعر الحكمة والرقائق ليس من السهل نظمه وسبكه ما لم يكن ناظمه يمسك بعضادة باب الشعر ويعرف مساربه ومذاهبه، ويدرك موقعيته وأثره ومكانته.
قال فيما قال من مقطوعة شعريّة أراها ناجزة:
أنأى عن الماضي أميالًا وأبتعدُ
وأغمدُ السيفَ عن أمرٍ بهِ كَمَدُ
أروّضُ النفسَ بالـحُـسنـى أُعلّلها
كي لا يكون لها فـي الـمغرضينَ يَدُ
هذان البيتان الناضجان يضجّان بكل ما هو حيّ، من حيث تضمينهما منظومةً أخلاقيّة متعالية من التعفّف والأنفَة والشموخ، والدعوة لترويض النفس وتعليلها بحسن الأقوال وجـمـيل الأفعال، حتى لا يكون المرء شرعةً للمغرضين ونهبةً للحاقدين.
وهنا أسمعه يصرخ في داخله بكل شجىً، ويكأنّه ينفخ في رماد:
مالي أرى بينَ قومي يكثرُ الجَدَلُ
وكم ببلبلةٍ عن حقّهم شُغلوا
مشاحناتٌ وأقوالٌ وثرثرةٌ
وساعةُ الجِدِّ لا جِدٌّ ولا عَملُ
فإن أتيت إليهم ناصحًا وَرِعًا
قالوا: لك الويلُ.. دعنا أيُّها الرجلُ!!
إنَّ حالة اللامبالاة عند البعض تنطوي عليها –كما يرى الشاعر- تشوّهات خُلقيّة في النفس البشريّة، عبّر عنها في تلك الأبيات بالجدل العقيم والمشاحنات والثرثرة التي لا تنتج كتغذية عكسيّة أي فائدة مرجوّة أو منفعة مقصودة، وتتجاوز هذه الحالة الشنيعة إلى القدح في الناصح والطعن في النصيحة، يقول معاتبًا الدنيا:
تفرّقتِ الأحبابُ بعدَ التّجمُّعِ
ولم تبقَ إلّا ذكرياتٌ بأضلعي
ولو كانتِ الأقدارُ رهنَ أصابعي
لأرجعتها طُرًّا متى شاءَ أصبعي
فَلَنْ تُجديَ الآمالُ والنفسُ قد ذَوَتْ
ولا كلُّ أمرٍ واقعٌ في توقّعي
لقد ضاقتِ الدُّنيَا عليَّ بأسرِها
ودثّرني قبرٌ صغيرٌ بمضجعي
يالله.. ما أصدق هذه الأبيات، وما أشد لسعها، إنها تكتنز الكثير من التأمل والواقعيّة والرشد، لقد اختصر مراحل الحياة المختلفة وطواها في أربعة أبيات عظيمة، كما حقن حروفها بالشعريّة الجازلة، وأدلّ على ذلك من شواهد ما نراه ماثلًا أمامنا في كل التفاتة عين وخطوة قدم. وفي مقامٍ آخر ألتقط معكم هذه الدّرة الشعريّة إذ يقول:
فلا تسألوني فالمقاديرُ أقدرُ
ورزقيَ محتومٌ وأمريْ مُقدّرُ
أطوف على الأحداثِ نسـرًا مـُحلِّقًا
وفـي عمريَ الأيّامُ تـمشـي وتعثرُ
6- شاعر النعاة والحداة:
في مسحٍ ضوئي سريع وشامل على المجموع الشعري للشاعر الغزال نلاحظ ثمة عدد لا بأس منه من النواعي الحسينيّة الموجّهة للخطيب أو للرادود على حدٍّ سواء، والتي نظمها باللهجة الشعبيّة الدارجة، فهي تصلح كنعي للخطيب الحسيني، وتصلح كلطميّة للرادود.
وهذه النواعي تختلف في موضوعها وتفعيلاتها ومستهلاتها وقفلاتها، مما يجعلها تتشكّل في أكثر من شكل عروضي موحّد أو متعدّد، وتتقولب في أكثر من قالب سردي أو إنشادي، مما عزّز الرؤية لعزلها عن بقيّة الأصناف الشعريّة الأخرى وثبتها منفصلةً في آخر الديوان.
إنَّ وجود مثل هذه النواعي الشجيّة واحتلالها مساحةً من جغرافيا الشعر لدى الشاعر حقيقة بالتأمل والاطلاع، باعتبار أن النظم في هذا الصنف يتطلّب خميرة كربلائيّة خاصّة ليكون المنتج مؤثّرًا في الجماهير ومتأثرًا بهم على نحو التفجّع والألم. كل ذلك لـمسته فيما كتبه الشاعر الغزال عن واقعة كربلاء وأحداثها، حيث دخل بشعره للمخيّم الحسيني ورأى مشاهد اللوعة والظليمة، ومشى إلى مصرع الحسين وأخيه العباس عليهما السلام بكلّ تؤدّة وخشوع، وتجوّل في ساحة المعركة بكل شجاعة وإيمان والغبار يترصّده من كل ناحية وزاوية، والتقط الكثير من الصور التوثيقيّة بعدسته الاحترافيّة الجابريّة.
كما رافق الظعن والسبايا في مسيرهم إلى الكوفة ثم إلى الشام، إلى غير ذلك من المحطّات محل الوجع والفجع، فكان كل ذلك رافدًا قويًّا في إشباع الصورة الشعريّة بالألوان الحقيقية، وزيادة (بيكسلاتها) لتكون ذات جودة ودقّة عالية.
ففي مقطع من قصيدة مطوّلة يقف شاعرنا الغزال ليكتب بنفسٍ رميثي أصيل (نسبة إلى الرادود الكبير ياسين الرميثي) مشهدًا دراماتيكيًّا بين أوتاد الحدث الثلاثة (الحسين والعباس وزينب)، ويُخيّل لي أنَّ هذه القصيدة هي مجاراة لقصيدة (حيّرني الدهر بحسين... وعليّه ثقل همّه) لرادودها الرميثي الكبير، يقول الغزال:
زينب أقبلت تنخى
بخوها حسين مهتمّة
تقلّه روح للعبّاس
جيبه ما نريد الـمه
جاله بوعلي وشافه
طايح والعلَم يمّه
بجنب العلقمي مرمي
ما واحد عليه سمَّه
وعطفًا على ما تمَّ بيانه آنفًا نقرأ مشهدًا آخر من مشاهد القيامة في أرض المصرع والفداء كربلاء، حيث هول المطلع، واشتداد الفزع والهلع، على ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذ يقول موثِّقًا موقف الإمام الحسين مع ولده علي الأكبر عليهما السلام في أداء تقريري:
علي الأكبر إجا لحسين يطلبْ
رخصة والده للمعركة يطبّ
يقلّه والنعم يا وليدي
لكنْ ما أقدر آنا استغنى عنّك
وفراقك علي يا وليدي يصعبْ
كنّك ناوي تخلّيني كنّكْ
قال الولد للوالد دخلْني
وحالك عذّب لحالي وقتلني
ترى عزمي كبر والصبر ملني
ومرد قلبي بنيرات يتلهّب
وفي معرض المعاتبة والندبة يطلُّ علينا الشاعر بأبيات باكية وحزينة على لسان السيدة زينب عليها السلام وهي تنخى أخاها الحسين عليه السلام عبر استخدام الأسلوب التقريري المباشر، حيث يقول:
يا حسين يا عزِّيْ واسناديْ
دنهض لنا جوْنَا الأعاديْ
حرقوا لنا يا خوي لخيامْ
عدوان كلهم صاروا أزلام
هالحدث روّع كلِّ ليْتامْ
وظلّيت محتارة وأناديْ
***
قلِّي شسوّي بهالنساوين
لمَّا احرقوا هذي الصواوين
لطفال أروح أبهم أنا وين
وبرور چدّامي وبوادي
هذه المباشرة الصادمة البعيدة عن التكلّف والصناعة الأدبية التي استخدمها شاعرنا في هذه القطعة كان يرمي من ورائها – فيما أعتقد- أن يجعل المستمع منصتًا جيّدًا لحديثه لكي يسحبه بخفّة وبذكاءٍ بارع لمنطقته التي يريد أن يكون فيها حيث التأسي والاستعبار والاستفجاع، مصطحبًا معه أحاسيسه المرهفة، ومشاعره المتوقّدة، ومرافقًا لقافلة الحزن الطويلة. وهناك الكثير فيما لو أسهبنا القول من الشواهد التي تجعلنا نؤكّد أنَّ الشاعر جابر بن مـحـمَّـد الغزال هو فعلًا (شاعر النعاة والحداة).
7- شاعر الإخوانيّات الصادقة:
عادةً ما يتمايز الشعراء فيما بينهم بمقدار معرفة الناس بهم، وتمدّدهم في المجتمع بكافة أطيافه وطبقاته، وشاعرنا الغزال نلمس له هذه المكانة بكثرة ما كتب من شعر لإخوانه وأصدقائه. والشعر الإخواني من الفنون الأدبيّة الجميلة، وهو يتخذ من المناسبات منطلقًا للتعبير شعريًّا عن الكوامن النفسيّة بين الأطراف من حب واحترام وتقدير، ولا يـخلو من الظرف والملاحة في كثير من الأحيان، والغزال عبّر فيما عبّر عن كوامنه تلك بكثير من الأشعار الرائقة في مناسبات عديدة ما يضفي عليه صبغة الشاعر الوفي والمخلص، وخصيصة الوفاء والإخلاص عند كل شاعر هي قيمة شريفة لا تضاهي أي قيم أخرى، فمتى ما أحرز المرء صديقًا وفيًّا فقد أحرز كلّ شيء، نعم كل شيء، قال في مباركة لصديقه الحاج علي الفهيد بمناسبة تـخرّج أحد أبنائه من الجامعة:
ألا يا بن الفهيدِ أثرتَ فينا
بواعثَ غارِقٍ يرجو السفين
لقد حقّقَتَ ما أمّلْتَ فخرًا
وما خيّبت في السَّعْيِ الظنونَا
فسبحان الذي أعطاكَ ما
بهِ الإنسانُ يعلم أن يكونَا
تباركَ بيتُكَ المرفوعُ عِلمًا
ونِلْتَ مهابةً دنيا ودينَا
وقال في جلسةٍ عائليّة:
أبناءَ عمِّي واعتماديْ وعزوتيْ
أنتم شعارٌ للندى وسلامُ
وتكاتفوا إنّ التكاتفَ قوّةٌ
لذوي العقولِ وألفةٌ ووئامُ
يا مجلسًا فيهِ الصلاحُ يؤمّنا
وبه الفلاحُ وللغزالِ قَوامُ
سيروا على اسمِ اللهِ إنَّ مسيرَكُمْ
بالحبِّ قد شَهدت لهُ الأيّامُ
في تلك القطعتيْن نشعر بالحرارة والبرودة في آنٍ واحد، أي أنَّنا نواجه عاطفتيْن غير متساوقتيْن، عاطفة تأخذنا إلى الدفء والحبور، وعاطفة تنتهي بنا إلى حيث الحرّ والمكابدة، مع ما يخالط تلك العواطف من مشاعر مضطربة وغير مستقرّة، لكنها في الأخير عواطف معبّرة وصادقة.
8- شاعر المناسبات والمنصّات:
لم يكن هذا المجموع ليشعل مجامر الحنين لجابر الشاعر والإنسان فحسب، بل كان صورةً بانورامية لجمهور غفير جلس ينصت لقصيدةٍ جابريّة فخمة على منصّة حسينية الحرز بالكوت، أو العباسيّة بالفوارس، أو الرضويّة بالنسيج.
كان -رحمه الله- صديقًا لصيقًا للمنصّات، فأيّما مناسبة من مناسبات أهل البيت عليهم السلام تراه مشمّرًا ساعديه ومطلقًا ساقيه لأن يحظى بشرف الخدمة التي تستهويه وتغمره بالسعادة والفرح. ولا أعني هنا أنّ شاعرنا الجابر كان هدفه الرئيس امتطاء صهوة المنصّة فحسب، أو مزاحمة أهل الفضل والشعر والأدب، أو فرض نفسه كاسم لامع في حينه، بل كان هدفه مجرّدًا من أيّة متلازمات واعتبارات دنيويّة عارضة، وهذا ينبأ عن طويّة نقيّة وسلوكٍ راق.
يقول من قصيدة أُلقيت مساء الخميس ليلة الجمعة الموافق 13/09/1409هـ في الحفل المقام بالحسينيّة الرضويّة بالهفوف بمناسبة مولد الإمام الحسن عليه السلام:
خامِسُ الآلِ بالمعاليْ كسَانَا
وعلى دربِهِ رسمْنَا خُطانَا
زاهرٌ باهرٌ جميلُ المحيّا
رَفَعَ الله في الورى لهُ شانا
ذو وقارٍ وهيبةٍ من أبيهِ
وَرِثَ الجودَ والتُّقًى والبيانَا
لـمْ يَكُ الصلحُ إذْ تصالحَ
أو خنوعًا أو ذلّةً أو هوانَا
ضُعْـفًا أو قصورًا أو غفلةً أو فتورًا
إنَّها حكمةٌ من اللهِ بانتْ
حيث كان الوغَى يبزُّ المكانا
تَرَكَ الأمرَ للحسينِ ائتمانَا
9- شاعر الأحداث والتوثيقات:
ما يجعل الشاعر منقادًا بكل مشاعره لحدثٍ ما هو تـمـاهيه الـمفرط مع تفاصيله ودقائقه، وانغماسه فيه لعلاقة شخصيّة قد لا يعيها القارئ أو الـمتلقّي ولا يشعر بها، وهذا التماهي والانغماس يعطينا صورةً جليّة بأنَّ الشاعر ليس كائنًا جامد الشعور ومتخشّب الأحاسيس، بل أنَّ روحه سائلة ومتحرّكة. فبعيدًا عن الأحداث السنويّة والدوريّة من مناسبات دينيّة (وفيات ومواليد) يطل علينا الغزال كشاعر توثيقي لأحداث مختلفة ومتنوّعة، ولعلّ ما يستدعيه في هذا الشأن قوّة الرابطة لتي تربط بينه وبين صاحب الحدث.
قال في تكريم سماحة الحجّة الشيخ سعيد نجل الشيخ علي أبو المكارم بمناسبة تكريمه فـي "مهرجان العطاء والوفاء" المقام في بلدة العواميّة بالقطيف بتاريخ 26/08/1421هـ، إثر مرور خمسين عامًا على عطائه المتواصل في خدمة الدين والمؤمنين:
نذرتَ نفسَكَ للإسلامِ والدينِ
أبا المكارمِ كُرِّمتمْ بـ(ياسينِ)
جاهدتَ للهِ في إعلاءِ رايتهِ
بالوعظِ والنصْحِ في شتّى الميادينِ
قضيتَ خمسَ عقودٍ بالهـُدى سَطعتْ
على المنابر في عِلْمٍ وتبيينِ
قدّمتَ جُلَّ أحاديثٍ مُسلسلةٍ
من الرواياتِ في جهدٍ وتمكينِ
وكمْ وقفتَ معَ التفسيرِ مُنتهجًا
نهجَ المودّةِ في أقوى البراهينِ
هذا الحدث في تاريخ المنطقة وأعني بلدة (العوّامية) تحديدًا وعلى سبيل المثال يعطي مادّةً تاريخيّة للباحث المترصّد للوقائع والاستشهادات، فالكثير من البحّاثة يعتبر أرخنة الحدث شعريًّا يعطي مصداقيّةً وبرهانيّة عالية للوقوع والحدوث، وهذا ما قد يشار إليه في فنّ التأريخ بالشعر بحساب الجمل، ما يظهر أهميّة الشعر في مفصلية أي حدث عارض بمختلف العصور والحقب.
ولعل من المفيد التنويه من أنَّ الشاعر الذي يكتب ويؤرِّخ الحدث شعرًا وفقًا لـمـا يقتضيه الظرف والحال، ووفقًا لـمـا يقتنصه من أحداث معاصرة وراهنة في واقعه المحلي أو في دائرته الأوسع يبقى شاعرًا حيويًّا نابضًا، مطّلعًا على الجديد، مستمرًا في ملاحقته، مثقّفًا في اعتباريته، متابعًا لشؤونه أوّلًا بأوّل، غير غافل عمّا يجري في شارعه ومحيطه وعالمه الكبير المتخم بالأحداث اللحظيّة والسريعة، فهو بالنهاية شاعر تفاعلي نشط ويقظ لا يطفئ زر كاميرته.
وإتـمـامًا لفكرة تأريخ الأحداث والوقائع بالشعر –ولا أقصد به بالضرورة التأريخ بحساب الجمل- أقول: الحدث يكتسب قوّةً ومتانة فيما لو وُثِّقَ بالشعر، وقد يكون مصدرًا تأريخيًّا هامًّا في كشف بعض الغوامض والخفايَا، ورفع اللبس والاشتباه مـمـا لـم يستطع الباحث الجاد التحقّق منها من خلال السرديّات والمتون التاريخيّة، أو حتى التاريخ الشفاهي المحكي.
10- شاعر الرثاء والوفاء:
لا يتوقف الشاعر جابر الغزال عن الانهمار كالمطر على قلوب محبّيه ومريديه، يحوطهم بوفائه، ويصلهم بإخلاصه، لهذا نرى – كما تقدّم سابقًا- أنّ حصّة الشعر الموجّه لأصدقائه ومعارفه كثيرةٌ جدًّا، وهذا يشي بأنَّه متمدّد مجتمعيًّا.
ولديه قائمة طويلة بأسماء الأصدقاء المخلصين الذين التصقوا به والتصق بهم، حتى إذا غادر أحدهم هذه الدنيا أطلّ شاعرنا من نافذة الوفاء الواسعة مؤبِّنًا هذا المغادر بقصيدةٍ رثائيّة ملتهبة، وكأنّه يرثي أباه أو أمّه.
وقائمة أصدقائه ليست صنفًا واحدًا بل متكوّنةً من شرائح اجتماعيّة ودينيّة عديدة، فشعر الرثاء لدى جابر لا يمكن اعتباره مجرّد واجب اجتماعي مقدّس، يمارسه كأي شاعر دون أن يكون مفجوعًا هو الآخر بنفس درجة افتجاع ذوي الفقيد، بل قد يذهب بقصيدته الرثائيّة بعيدًا ليجعلها تميمةً على عضد الذكريات.
من هذه الإلماحة نجد أنَّ جانب الرثاء وهو موضوع هذا المحور أخذ اهتمامًا بالغًا من لدن هذا الشاعر، حيث رثى الكثير من الشخصيات الدينيّة والعلمائيّة والاجتماعية في أكثر من قصيدة وأكثر من مناسبة، بالإضافة إلى رثاء عدد من الأصدقاء والأصحاب والأرحام، ممن أخلص لهم الصحبة وأوفى لهم الكيل.
فمن رثائيّة كلها أسىً وحزن ومجالدة أسماها (نكبة الدهر) في رثاء آية الله المعظّم المولى الميرزا حسن الحائري (قدّس الله سرّه) المتوفى فجر يوم الثلاثاء الموافق 16 رمضان 1421هـ:
صبرًا على جورِ الزمانِ الأرقمِ
من مأتمٍ غـضٍّ تـجلّـى لـمـأتـمِ
زَفَّتْ لنا الأيّامُ أخبارًا عَلى
مَضَضٍ من الأحزانِ مثل العلقمِ
نَعِبَ الغُرَابُ على الديارِ كأنَّهُ
يستصـرخُ الدنيا تعالـيْ والطمـيْ
وَهَفَا السكونُ على الجميعِ فَلا ترى
من ناطقٍ في القومِ أوْ مُتكلّمِ
وإذَا تواجدَ فيهمُ متمنطِقٌ
سيلٌ عرمرمُ فوق سيلِ عرمرمِ
من فرطِ إجهاشِ البكاءِ فمدمعٌ
مـجرى اللسان عن التحـرّكِ بالفمِ
والصوتُ بُحَّ من النديبِ فأوقفتْ
فلسانه في عثرةٍ وتلعثمِ
وقال في أربعينية قاضي الأوقاف والمواريث سماحة الشيخ باقر بن الشيخ موسى بوخمسين رحمه الله تعالى:
عليكَ سلامُ الله يا شيخ باقرٍ
قتلتَ افتجاعًا يا حبيبي فؤاديَا
ألا قُمْ فإنَّ الموتَ فارقَ بيننا
وجدّد في عين الـمُحبِّ البواكيَا
فإن كنتَ قد غُيّبتَ في قبرِكَ الذي
تنوّر قرآنًا.. شموسًا.. معاليَا
فإنَّا اصطبارًا سوف نرثيكَ شمعةً
تذوب من الشمعِ الحروقِ معانيَا
لكم من أيادي الفضلِ بابٌ إلى
يمير إلى الناسِ الهدايةَ داعيَا
الندى فإنْ غِبْتَ عن عينٍ تشظّت مدامعًا
ستبقى مدى الأيّامِ للركبِ حاديَا
شربتم زلالَ العلمِ من خيرِ منهلٍ
وكنتم لأهلِ العلمِ رمزًا وهاديَا
وختاماً:
نحن أمام شاعرٌ فحل استمتعنا معه بالتسيار في ربوع الشعر والإبحار في فنونه، فهو شاعر يشبه عشرات الشعراء الأحسائيين المغمورين الذين لا تجد لهم حضوراً في ديوان الشعر العام كونه بقي شعره يتغنى به ويغرد في بيئته المحلية دون تصديره للخارج وإيصال حنجرته لأسماع الجميع.
وهنا لا أنسى بالشكر ووافره إلى الصديق العزيز المهندس مصطفى بن طاهر الغزال، بما بذله من جهد في جمع القصائد والعمل على إخراج هذه العمل إلى النور ليتجاوز عقبة المحلية، ويبقيه صدقه جاريه له وللشاعر المرحوم جابر الغزال، كما لا أنسى أديبنا الفحل المتألق الأستاذ صادق بن موسى السماعيل على جهوده الكبيرة وجلده حتى خرج هذه العمل بشكله الذي يليق به.
وكم أتمنى أن تأخذ الأسر الأدبية في الأحساء حذوهم بنشر تراث أدباءنا الأفذاذ وتراثهم الشعري والأدبي، ولا ننتظر من الآخرين أن التصدي لإحياء وحمل ما ينبغي علينا حمله. .
[[1]] ميزان الحكمة، مـحـمَّـد الريشهري: 2/1463
جديد الموقع
- 2026-04-10 أفراح الهدلق والبخيتان تهانينا
- 2026-04-10 (أليست هي الجملة الشعرية ؟)
- 2026-04-09 المرض والكتابة
- 2026-04-09 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء جامعة الأمير محمد بن فهد
- 2026-04-09 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء جامعة الأمير محمد بن فهد
- 2026-04-09 سمو محافظ الأحساء يكرّم نادي الجيل بمناسبة صعوده إلى دوري يلو للدرجة الأولى
- 2026-04-09 تكريم أنعاش قلبي رئوي ناجح في الهلال الأحمر بالحدود الشمالية
- 2026-04-09 *الصالح عضواً للجنة الناشئين و مدارس كرة اليد بالاتحاد الآسيوي*
- 2026-04-09 جمعية ادباء الاحساء تنفذ برنامج تدريبي أدب الرحلات ..
- 2026-04-09 سمو محافظ الأحساء يلتقي بمجلس إدارات الأندية الرياضية بحضور نائب وزير الرياضة