عند تقدم الاطفال في السن يبدأون في تفضيل استخدام يد على الأخرى في أداء بعض المهام، خاصة الكتابة والرسم. ويُصنَّف عادة إلى أيمن، أو أعسر، أو مختلط (يستخدم كلتا اليدين دون تفضيل واضح لأحدهما على الأخرى). ويستقر هذا التفضيل عادةً عندما يبلغ الطفل نحو أربع سنوات، وهي الفترة نفسها التي تتطور فيها قدراته اللغوية، ثم يظل هذا التفضيل ثابتًا إلى حد كبير طوال حياته.
نحن نعرف ان سيطرة يد على اخرى عند الطفل تخبرنا بشيء ما عن تنظيم الدماغ ووظائفه. نصفا الدماغ الأيسر والأيمن يسيطران على الحركة في الجانبين المتقابلين من الجسم. إلّا أن نصفي الدماغ الأيسر والأيمن لا يؤديان جميع الوظائف بنفس الدرجة، بل يميل كل نصف إلى أن يكون أكثر تخصصًا في التحكم ببعض السلوكيات والقدرات. وبسبب هذا التخصص، يصبح أحد نصفي الدماغ أكثر تأثيرًا في أداء مهام معينة، مثل الكتابة أو استخدام الأدوات، فيميل الشخص إلى الاعتماد على يد واحدة أكثر من الأخرى. ويُسمى هذا التفوق الوظيفي لأحد نصفي الدماغ في بعض السلوكيات تفارق او تخصيص وظائف الدماغ أو الهيمنة النصفية للدماغ (cerebral lateralisation) (1).
فاختيار اليد اليمنى أو اليسرى يرتبط بطريقة توزيع بعض الوظائف بين نصفي الدماغ، مثل اللغة والحركة، ولذلك يمكن أن تعطي السيطرة اليدوية مؤشرات على كيفية عمل الدماغ وتطوره، وإن كانت لا تحدد بالضرورة قدرات الشخص أو مستوى ذكائه
يرى الباحثون أن من أسباب تطور التخصص الوظيفي للدماغ (1، 2) أن يكون أحد نصفي الدماغ مسؤولًا عن مهمة معينة لا أن يحاول النصفان التحكم فيها في نفس الوقت. فلو كان كلا النصفين يصدر نفس الأوامر للاستجابة نفسها، فقد يؤدي ذلك إلى بطء أو ارتباك في الأداء. أما عندما بكون أحد نصفي الدماغ لوحده المسؤول عن التحكم في تلك الوظيفة، تصبح الاستجابة أكثر سرعة وتنظيمًا وكفاءة.
كما أن توزيع الوظائف بين نصفي الدماغ يسمح لهما بالعمل تزامنيََا على مهام مختلفة. فحين يصبح أحد النصفين منشغلًا بمعالجة اللغة، بإمكان للنصف الثاني أن يركز على الانتباه أو معالجة المعلومات المكانية والبصرية. وبهذه الطريقة يستطيع الدماغ تنفيذ أكثر من عملية تزامنيََا، ما من شأنه أن يزيد من كفاءة التفكير والتعامل مع المتطلبات اليومية.
معظم الناس يعتمدون على النصف الأيسر من الدماغ في إنتاج الكلام (النطق) ومعالجته (فهن اللغة المسموعة أو المقرؤة).
كما أن المنطقة نفسها في هذا النصف من الدماغ، التي تتحكم في الكلام، تنخرط أيضًا في التحكم بحركات اليد، وخاصة الحركات الدقيقة والمنظمة، لتي تتطلب تحكمًا عاليًا وتنسيقًا بين الأصابع واليد، بحيث تُنفذ بترتيب ودقة لتحقيق هدف معين، مثل الكتابة بالقلم، واستخدام المقص، وربط أربطة الحذاء، والعزف على آلة موسيقية، وصنع الأدوات أو استخدامها. فهذه الحركات ليست عشوائية، بل تتكون من سلسلة خطوات متتابعة ومنسقة، ولذلك تحتاج إلى سيطرة دقيقة من الدماغ على عضلات اليد والأصابع. وجود علاقة بين المنطقة الدماغية المسؤولة عن الكلام والمنطقة المسؤولة عن حركات اليد لم تأتِ صدفة، بل قد تدل على أن الوظيفتين مرتبطتان في تطورهما أو في طريقة عمل الدماغ. وتشير إلى أن تطور القدرة على استخدام اليدين في أداء المهام المعقدة قد يكون مرتبطًا بتطور اللغة عند الإنسان (3)، لذا فإن هذا يُعد دليلًا يدعم هذه الفرضية، وإن كان لا يثبتها بشكل قاطع، كما يعتقد الباحثون،
معظم الناس (حوالي 90%) يستخدمون اليد اليمنى في أداء المهام الدقيقة (4)، مثل الكتابة بالقلم أو استخدام الأدوات، وكذلك عند القيام بالإيماءات أثناء التواصل. ويرى علماء النفس التطوري أن هذه الهيمنة لليد اليمنى ليست مجرد عادة، بل قد تكون مرتبطة بالطريقة التي تطور بها الدماغ البشري ووظائفه عبر التاريخ التطوري.
وفقََا للفرضية، التي تفسر نشأة اللغة لدى البشر.، كان الإنسان في البداية يعتمد على الإيماءات اليدوية للتواصل لأن البصر كانت هي الحاسة الأساسية لديه (5). لكن عندما أصبح استخدام الأدوات أكثر تعقيدًا وأهمية، أصبح من الأفضل أن تبقى اليدان متفرغتين للعمل في مهام أخرى، فانتقل التواصل تدريجيًا إلى الكلام (6). ويعتقد الباحثون أيضًا أن الحركات المتسلسلة والمنظمة، اي كل حركة تتبعها حركة بعدها وفق خطة يضعها الدماغ لاستخدام أدوات، مثل القلم، ساعدت الدماغ أيضََا على تطوير القدرة على معالجة تراكيب اللغة (النحو أو بناء الجمل)، لأن كليهما يعتمد على تنظيم سلسلة من الخطوات وفق ترتيب معين كما أسلفنا.
لا يستطيع الطفل تعلم مهارات معقدة مثل اللغة مباشرة، بل يجب أولًا أن يطوّر قدراته الأساسية، مثل الإحساس بما حوله والتحكم في حركات جسمه. ويرى علماء النفس النمائي أن المهارات الحركية الدقيقة، مثل الإمساك بالأشياء، وتحريك اليدين، واستخدام الإيماءات، تساعد على بناء الأساس الذي يعتمد عليه الدماغ لاحقًا لاكتساب اللغة، لأن هذه المهارات تُنمّي القدرة على التنسيق والتواصل وفهم الرموز، وهي جميعها ضرورية لتطور اللغة. يلاحظ فهم الرموز تعني قدرة الطفل على إدراك أن شيئًا ما يمكن أن يمثل شيئًا آخر أو يشير إليه. ففي سياق تطور اللغة، يبدأ الطفل أولًا بفهم أن الإشارة باليد، أو الإيماءة، أو الكلمة، ليست مجرد حركة أو صوت، بل لها معنى. على سبيل المثال، عندما يشير شخص بإصبعه إلى لعبة، يفهم الطفل أن هذه الإشارة تدل على اللعبة. وعندما يسمع كلمة “كرة”، يفهم أن هذا الصوت يمثل الشيء المعروف بالكرة. هذه القدرة على ربط الإشارات والأصوات بمعانيها تُعد خطوة أساسية قبل تعلم اللغة واستخدام الكلمات للتواصل.
اعتقد الباحثون في أوائل ومنتصف القرن العشرين أن استخدام اليد اليسرى علامة على وجود اضطرابات نمائية، تتراوح بين اضطرابات اللغة واضطرابات الصحة النفسية (7). وبسبب هذا الاعتقاد، كان كثير من الناس يجبرون أطفالهم الذين يستخدمون اليد اليسرى على الكتابة باليد اليمنى، ظنًا منهم أن بإمكانهم تعليمهم أو تعويدهم على استخدام اليد اليمنى على أمل أن يستخدمونها بشكل طبيعي في جميع الأنشطة بدلًا من اليسرى. لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن تفضيل اليد اليمنى أو اليد اليسرى يرتبط بطريقة تنظيم الدماغ، وليس مجرد عادة يمكن تغييرها بسهولة. لذلك الاعتقاد بأن استخدام اليسرى دلالة على وجود اضطراب لم يعد مقبولًا اليوم، إذ تُعدّ اليد اليسرى اختلافًا طبيعيًا بين البشر، لا اضطرابًا.
الباحثون اليوم لم يعودوا ينظرون إلى استخدام احدى اليدين، إما اليمنى فقط أو اليسرى فقط: (أيمن أو أعسر). بل يرون أن تفضيل يد على أخرى تقع في طيف متدرج؛ فبعض الأشخاص يعتمدون بشكل كبير على اليد اليمنى، وبعضهم يعتمد بشكل كبير على اليد اليسرى، بينما يوجد آخرون يستخدمون كلتا اليدين بدرجات متفاوتة، وقد يفضلون إحداهما في بعض المهام أكثر مما يفضلون الأخرى.
في المراحل الأولى من حياة الطفل، قبل أن تتطور مهاراته الحركية بشكل كامل، قد يستخدم اليد اليمنى واليسرى بالتساوي في المهام البسيطة مثل الإمساك بلعبة أو التقاط شيء ما، لأن كلتا اليدين قادرتان على أداء هذه المهام بسهولة. ومع الوقت ونمو الدماغ والقدرات الحركية، يبدأ معظم الأطفال في تفضيل إحدى اليدين لأداء المهام التي تتطلب دقة أكثر، مثل الكتابة والرسم. بل بالنسبة لغالبية الأطفال، تتطلب المهام الأكثر تعقيداً، مثل الكتابة، إلى معالجة متخصصة أكثر دقة وتنظيمًا لنصف الدماغ الأيسر. على سبيل المثال، يختار معظم الأطفال استخدام يدهم اليمنى للكتابة.
تتطور هذه المهارة تدريجيًا بمرور الزمن، وتصبح اليد اليمنى هي اليد المفضلة في الاستخدام من قبل معظم الأطفال، إذ ينتقلون من الإمساك بالقلم بقبضة اليد الكاملة التي يستخدمها الأطفال الصغار عند بداية تعلم الرسم أو الكتابة على الورق، إلى مسكة القلم بثلاثة أصابع (الإبهام والسبابة والوسطى، وهي القبضة الصحيحة اللازمة لأداء الحركات الدقيقة، مثل كتابة الحروف وربطها معًا. ملاحظة اليد التي يستخدمها الطفل في المهارات الحركية الدقيقة، مثل الكتابة، يمكن أن تعطينا فكرة عن مدى تطور وتخصص نصفي الدماغ في أداء وظائفهما المختلفة. فعندما يبدأ الطفل بتفضيل إحدى اليدين في المهام الدقيقة، فهذا يشير عادةً إلى أن نصفي الدماغ أصبحا أكثر تنظيمًا، وأن أحدهما تولى قيادة هذه المهام المتخصصة، وهو ما يعكس تطورًا طبيعيًا في وظائف الدماغ.
ولأن النصف الأيسر يتحكم في حركة الجانب الأيمن من الجسم، فإن معظم الأطفال يختارون استخدام اليد اليمنى للكتابة. لذلك، فإن تفضيل اليد اليمنى ليس مجرد عادة، بل يعكس الطريقة التي ينظم بها الدماغ وظائفه، حيث يتخصص النصف الأيسر في التحكم بالحركات المعقدة لدى أغلب الأشخاص
أشارت دراسات نشرت سابقََا (8) إلى أن الأطفال الذين يفضلون استخدام يد واحدة بوضوح، سواء أكانت اليمنى أم اليسرى، غالبًا ما يكون لديهم تخصص وظيفي طبيعي في أحد نصفي الدماغ؛ أي أن نصفي الدماغ قد توزعت بينهما الوظائف بشكل منظم، ويرتبط ذلك عادةً بتطور طبيعي لقدرات اللغة وإنتاج الكلام. أما الأطفال الذين ليس لديهم يدًا مهيمنة ويستخدمون كلتا اليدين بالتساوي (مختلطو التفضيل اليدوي) (9)، فقد وُجد أن لديهم، في بعض الدراسات، ارتباطًا بوجود تطور غير نمطي (غير طبيعي) في القدرات الحركية واللغوية. وهذا لا يعني أن كل طفل مختلط اليدين سيصاب باضطرابات، وإنما يشير إلى وجود علاقة تلازمية من الناحية الإحصائية لاحظته بعض الدراسات، لا علاقة سببية مؤكدة
استخدام كلتا اليدين بالتساوي (ثنائية استخدام اليدين) يُعد نادرًا نسبيًا في عموم الأطفال، إذ يقتصر على نحو 3–4% فقط، لكنه يظهر بنسبة أعلى بكثير لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، حيث تتراوح النسبة بين 17% و47%. كما أن هؤلاء الأطفال قد يُصابون اضطرابات في القدرات الحركية بدءََ من سن سبعة أشهر (10)، مما يشير إلى أن اضطراب طيف التوحد قد يكون موجودًا وقابلًا للملاحظة في مراحل مبكرة من الحياة، وقد يكون له تأثير غير مباشر لاحقًا في تطور الوظائف الإدراكية العليا، مثل اللغة. لذلك، يمكن أن يكون ملاحظة نمط استخدام الطفل ليديه أحد المؤشرات التي تساعد الباحثين والأطباء على فهم نمو الدماغ ومتابعة التطور الحركي واللغوي، مع التأكيد على أن ثنائية استخدام اليدين وحدها لا تُعد دليلًا على وجود اضطراب عصبي، مثل التوحد.
كيف يمكن أن يصبح تفضيل استخدام إحدى اليدين نافعََا
الدراسة (11) التي كنت أعمل عليها تناول إمكانية استخدام تفضيل الطفل لإحدى اليدين في مرحلة الرضاعة بصفته مؤشرََا مبكرََا يساعد على التنبؤ باحتمال الإصابة باضطرابات اللغة. حاليًا، غالبًا لا يُشخَّص اضطراب طيف التوحد إلا في مرحلة متأخرة نسبيًا، عندما يتبين أن الطفل يواجه اضطرابات في إنتاج اللغة وفهمها، ما من شأنه أن يحد من الفائدة التي يمكن تحقيقها من التدخلات والعلاجات المبكرة. ونظرًا لأن دماغ الرضيع يتمتع بمرونة كبيرة في سنواته الأولى، فإن اكتشاف الأطفال المعرضين لاحتمال الاصابة باضطرابات في اللغة مبكرًا قد يتيح تقديم تدخلات مناسبة تساعد على تحسين تطورهم الإدراكي وصحتهم النفسية في المستقبل
تفضيل استخدام إحدى اليدين ليس المظهر الوحيد للتخصص الوظيفي لأحد نصفي الدماغ، بل إن هذا التخصص يؤثر أيضًا في كيفية معالجة بعض أنواع المعلومات. فعند معظم الناس، يكون النصف الأيمن من الدماغ أكثر تخصصًا في الاستجابة للمثيرات التي تشي بوجود خطر، ولذلك يكون هولاء عادةً أسرع في التعرف على الوجوه أو تعابير الوجه التي تعكس مشاعر سلبية (12) أو مهددة عندما تظهر في المجال البصري الأيسر مقارنةً بالمجال البصري الأيمن، لأن المعلومات القادمة من الجانب الأيسر من مجال الرؤية تُعالَج أولًا في النصف الأيمن من الدماغ. وقد أثبتت العديد من الدراسات النفسية المخبرية هذه الظاهرة، حيث أظهر الكبار سرعة أعلى في تمييز الوجوه ذات التعابير السلبية عندما عُرضت على الجانب الأيسر من مجال رؤيتهم.
تتبع كيف يظهر تفضيل الأطفال استخدام إحدى اليدين، إلى جانب تطور قدراتهم الادراكية، مثل اللغة والتفكير، يوفر للباحثين وسيلة جديدة لفهم العلاقة بين تنظيم الدماغ ووظائفه وسلوك الطفل. فمن خلال دراسة هذه الجوانب معًا أثناء نمو الطفل، يمكن معرفة كيف يؤثر تطور الدماغ في ظهور القدرات الحركية والقدرات العقلية (الإدراكية)، وكيف تنعكس هذه التغيرات على السلوك والتعلم.
