2026/07/11 | 0 | 58
شذرات من حياة الإمام السجاد "ع"
من الشخصيات الإسلامية التي اتفقت عليها كلمة المسلمين هو علي بن الحسين، والذي حاز الكثير من الألقاب والكنى التي تدل على عظمته ومكانته؛ منها زين العابدين والسجاد والبكَّاء والعابد وذي الثفنات.
وقد بشر به النبي صلى الله عليه وآله وأشار إليه بالرواية التي تدل على اختصاصه بمكانة سامية في ساحة المحشر، كما في الرواية التي يرويها جابر بن عبد الله الأنصاري وابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث يقول: "إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطو بين الصفوف"
هذه الشخصية التي يصعب على الباحثين التعرف على مكانتها وعلو شأنها، ولكن استشرافاً وتأملاً قليلاً في حياته المليئة بالدروس والعبر يمكن استخلاص بعض الشذرات التي تنير طريق المحبين
لذا سأتناول ثلاثة من الدروس في حياته المباركة لتنير لنا دروب الطريق المظلمة وهي تباعاً: التدبير الإلهي والتسليم والسجود.
التدبير الإلهي: من المعلوم أن خطة القوم في أحداث كربلاء أن لا يبقوا لأهل بيت النبي باقية؛ فهم لم يرحموا الطفل الصغير ولا النساء إلا وتعدوا عليهم بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، بل لم تسلم حتى الخيام التي كانت تؤوي العائلة.
فرغم محاولتهم لقتل الإمام السجاد وهو العليل الذي لم يشارك في المعركة، لكن التدبير الإلهي، و وقوف السيدة زينب عليها السلام حال بين القوم وفعلهم، كما كان التابوت الذي حفظ نبي الله موسى عليه السلام حين وضعته أمه فيه لترمي به في اليم ليتخذه أعدى أعدائه ويحافظ عليه بالإرادة الربانية.
هذا الدرس العظيم ما أحوجنا له كمؤمنين ونحن نمر بزمن صعب، ومع هذه الأزمات التي تعصف بنا؛ خصوصاً مع هذه الملهيات والانشغال بزخارف الدنيا وزبارجها، علينا أن نضع التدبير الإلهي نصب أعيننا، ويكون لدينا اليقين بالوعد الإلهي بنصر المؤمنين في الحياة الدنيا.
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾
أما التسليم: فمن المعلوم أن البلاء هو سمة طبيعية للمؤمنين، وأن المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه، وها هو سيد الكون النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يخبرنا بأنه ما أوذي نبي كما أوذيت.
ناهيك عن ما جرى على أمير المؤمنين عليه السلام بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، فحين أخذ علياً غصباً ليبايع وهو ملبب، فما كان من سلمان المحمدي إلا يقول: أيصنع ذا بهذا؟ والله لو أقسم على الله لانطبقت ذه على ذه؛ إشارة للسماء على الأرض.
وهكذا كان ما جرى على سيد العابدين حينما أخذ أسيراً من بلد إلى بلد وهو مقيد والأغلال الجامعة على عنقه بهذه المسافة الطويلة فمن كربلاء حتى أدخل الشام وهو على الدواب بدون غطاء ووطاء، وهو مسلمٌ لله هذا الابتلاء، يلهج بذكر الله ومناجاته ولو شاء لأشار بأصبعه ليخضع الكون كله ويقلبها عليهم.
هذا الدرس الكبير في حياته يجب أن يكون نبراساً نستضيء به، فللأسف بعضنا لمجرد مشكلات بسيطة يصفها بأنها قاصمة للظهر، فأين نحن من حياته سلام الله عليه.
الدرس الأخير: السجود
قد لقب الإمام بالسجاد لكثرة سجوده، ورغم أنه وصف بذي الثفنات من كثرة سجوده، لكنه اعتبر السجود له مقامان ظاهري وهي تلك الحركة الجسدية على الأعضاء السبعة، وباطني وهي تلك الحالة من التذلل والتواضع بين يدي الله عز وجل.
فالإمام اعتبر حقيقة السجود مظهر الوصول لله والقرب منه، رغم الاستعمال الخارجي إلا أنه كان التعلق بخالقه حتى كأنه نسي الدنيا وما فيها من خلال الأدعية التي ورثها لنا من الصحيفة السجادية والتي تعد زبور آل محمد بما تحتويه من كنوز متنوعة في الأدعية والمناجاة.
ولنختم الكلام برواية تدل على انقطاع الإمام السجاد عليه السلام أثناء صلاته: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ قَائِماً يُصَلِّي حَتَّى وَقَفَ اِبْنُهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ طِفْلٌ إِلَى بِئْرٍ فِي دَارِهِ بِالْمَدِينَةِ بَعِيدَةِ اَلْقَعْرِ فَسَقَطَ فِيهَا فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَصَرَخَتْ وَ أَقْبَلَتْ نَحْوَ اَلْبِئْرِ تَضْرِبُ بِنَفْسِهَا حِذَاءَ اَلْبِئْرِ وَ تَسْتَغِيثُ وَ تَقُولُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ غَرِقَ وَلَدُكَ مُحَمَّدٌ وَ هُوَ لاَ يَنْثَنِي عَنْ صَلاَتِهِ وَ هُوَ يَسْمَعُ اِضْطِرَابَ اِبْنِهِ فِي قَعْرِ اَلْبِئْرِ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ قَالَتْ حُزْناً عَلَى وَلَدِهَا مَا أَقْسَى قُلُوبَكُمْ يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اَللَّهِ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ وَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلاَّ عَنْ كَمَالِهَا وَ إِتْمَامِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَ جَلَسَ عَلَى أَرْجَاءِ اَلْبِئْرِ وَ مَدَّ يَدَهُ إِلَى قَعْرِهَا وَ كَانَتْ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِرِشَاءٍ طَوِيلٍ فَأَخْرَجَ اِبْنَهُ مُحَمَّداً عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى يَدَيْهِ يُنَاغِي وَ يَضْحَكُ لَمْ يَبْتَلَّ لَهُ ثَوْبٌ وَ لاَ جَسَدٌ بِالْمَاءِ فَقَالَ هَاكِ يَا ضَعِيفَةَ اَلْيَقِينِ بِاللَّهِ فَضَحِكَتْ لِسَلاَمَةِ وَلَدِهَا وَ بَكَتْ لِقَوْلِهِ يَا ضَعِيفَةَ اَلْيَقِينِ بِاللَّهِ فَقَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكِ اَلْيَوْمَ لَوْ عَلِمْتِ أَنِّي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ جَبَّارٍ لَوْ مِلْتُ بِوَجْهِي عَنْهُ لَمَالَ بِوَجْهِهِ عَنِّي أَ فَمَنْ يُرَى رَاحِماً بَعْدَهُ!
هذا الانقطاع والتذلل منه عليه السلام مدعاة لنا نحن اتباعه أن نسير على نهجه، وإن كنا غير قادرين على ذلك فلنعمل بما قاله أمير المؤمنين عليه السلام "ألا أنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد"
جديد الموقع
- 2026-07-11 هل الدين.. مجرد طقوس؟!
- 2026-07-10 قراءة في ديوان وطويت سبعاً
- 2026-07-10 لنهي عن معاداة الآخرين في كلام الإمام السجاد (عليه السلام)
- 2026-07-10 اشتباه)
- 2026-07-10 تعليم الأحساء تكرم الزميل الاعلامي زهير الغزال
- 2026-07-10 خطاب المنبر الحسيني وتحديات ثقافة أدوات التواصل الاجتماعي
- 2026-07-09 * الأحساء: تطوير ورفع كفاءة طريق الملك فيصل الرابط بين الجفر والفضول*
- 2026-07-09 تعليم الاحساء يكرم 60 شخصا تعانوا مع الاتصال المؤسسي
- 2026-07-09 الإشادة الحكومية بالقطاع غير الربحي… مسؤولية تتجدد لصناعة الأثر
- 2026-07-09 *أمين الأحساء: تمكين الحرفيين ركيزة لتعزيز الاقتصاد الإبداعي وصون الموروث الثقافي*