2026/10/08 | 0 | 65
أمٌّ ربّت، ومعلّمةٌ علّمت، وامرأةٌ أعطت
في الذكرى السنوية السادسة والأربعين لوفاة الجدة بتلاء حسين البوخلف
هناك نساءٌ يرحلن بأجسادهن، ولكنهنّ يبقين في ذاكرة أبنائهن وأحفادهن؛ لأنهنّ لم يتركن وراءهنّ أسماءً فحسب، بل تركن سيرةً تُروى، ومواقفَ تُذكر، وأثرًا يبقى حاضرًا في حياة من عايشهنّ. ومن هؤلاء كانت الجدة العزيزة، بتلاء حسين المهنا، رحمها الله.
كانت حياة الجدة مليئةً بالصبر والابتلاء، ولم تكن طريقها سهلة؛ فقد فقدت زوجها وابنتها في سنة الرحمة، سنة ١٣٦٢هـ، إثر مرض التيفوئيد، فاجتمع عليها ألم الفقد وثقل المسؤولية، وأصبحت أمام أبناءٍ يحتاجون إلى من يقوم على شؤونهم ويرعاهم.
لكنها لم تجعل من المصيبة سببًا للانكسار، بل مضت في حياتها، تحمل مسؤوليتها، وتسعى مع أبنائها في طلب الرزق، متنقلةً مع أبناءها من بلدٍ إلى آخر، محتسبةً ما أصابها وما بذلته في سبيل أبنائها عند الله. وكان صبرها في تلك المرحلة من أبرز ما عُرفت به؛ فقد واجهت الحياة بما فيها من مشقة، وربّت أبناءها، وظلت محافظةً على إيمانها وتعلّقها بالله.
وكان القرآن الكريم حاضرًا في حياتها حضورًا كبيرًا؛ فقد عكفت على حفظه حتى أتمّت حفظه، ولم يكن حفظها للقرآن أمرًا تقف ثماره عندها، بل كانت تعلّمه لمن حولها. ومن الذين عُرفوا ممن تعلّموا القرآن على يديها: الجد أبو جعفر، رحمه الله، زوجها، ومريم أم عبدالأمير محمد المنصور، أطال الله في عمرها.
وكان تعلّقها بالقرآن ظاهرًا حتى في حياتها الزوجية؛ إذ كان من شروط زواجها أن يُسمح لها بإكمال حفظ القرآن الكريم، وهو ما يدل على مكانة كتاب الله في نفسها، وحرصها على إتمام ما بدأته من حفظه.
ومما كانت تقرأه
ومما كانت تقرؤه وتتوسل به إلى الله تعالى في محبتها لأهل البيت عليهم السلام، قصيدةٌ توسلية تُنسب إلى الشيخ محمد بن علي البغلي، وكانت تقرؤها في توسّلها بأهل البيت عليهم السلام، ومن أبياتها:
«إلهي بالمشفّع بالمهادي
محمد خير مبعوثٍ وهادي
وحجتك المهيمن بالعبادِ
أبو الزهراء ونورك في البلادِ
بحيدر الوصي أبي ترابِ
علي المرتضى عالي الجنابِ
حميد الذكر في أمّ الكتابِ
وهادينا إلى سبل الرشادِ
إلهي بحق البضعة الزهراء البتولِ
سليلة أحمد الهادي الرسولِ
بحرمة شأنها عند الجليلِ
بما لاقت من كيد الأعادي
إلهي بحق الحجة الحسن الكريمِ
شبيه أبيه النهج القويمِ
وهادينا إلى دار النعيمِ
شفيع الثابتين على الولاءِ
إلهي بمولانا الصبور على البلاءِ
قتيل الظالمين بكربلاء
بما سالت هناك من الدماءِ
وبالجسم المعفّر بالوهادِ
إلهي وبالسجاد زين العابدينِ
إمام الخلق أجمعينِ
بباقر علم خير المرسلينِ
إلى جنات يوم التناهي
إلهي بحق الصادق البر الرحيمِ
سراج العلم ذو الشأن العظيمِ
بكاظم غيظه بحر العلومِ
أبو الأبرار زادي في المعادِ
إلهي بحرمة من ثوى في أرض طوسِ
علي بن موسى الرضا شمس الشموسِ
بحرمة نجله نور النفوسِ
خليفته محمد ابنه الجوادِ»
ومع مرور الأيام، وسّع الله على أبنائها في الرزق، إلا أن عزة نفسها بقيت كما هي؛ فلم تكن ممن يعتمدون على ما في أيدي أبنائهم، بل كانت تحب أن يكون لها سعيها وعملها. فعملت في بيع الكتب الدينية في رحاب السيدة زينب عليها السلام، أثناء إقامتها هناك مع أبناءها ، ومن الكتب التي كانت تبيعها: «الحصن الحصين»، و«مفاتيح الجنان»، و«تحفة الأنام»<¹>، و"«مائدة آل رمضان»"، وهو من تأليف ابنها المؤرخ والشاعر الحاج أبي سمير الرمضان.
ولم تكن تجارتها في الكتب الدينية مجرد عملٍ لكسب الرزق، بل كانت قريبةً من حياتها وما عُرفت به من تعلّقٍ بالقرآن والدين. فكانت تحمل تلك الكتب وتبيعها، وهي امرأةٌ عاشت مع القرآن حفظًا وتعليمًا، فاجتمع في حياتها العلم والعمل والسعي في طلب الرزق.
وبعد عودتها إلى الأحساء، واصلت عملها في بسطة صغيرة ، تبيع فيها مايحبه الأطفال من حلوايات وغيرها ، فتدخل البهجة والفرحة إلى قلوب أحفادها بتلك البسطة الصغيرة.
ولم يكن ما تكسبه من تجارتها لنفسها وحدها؛ فقد كانت تعين ببعض ما تكسبه عوائل من أقاربها، وتشارك في قضاء حوائجهم، فكانت تجمع بين عفة النفس، والسعي في طلب الرزق، والعطاء لمن حولها.
الجدة في عيون أهلها
ومن أجمل ما تُعرف به الشخصيات أن تُروى سيرتها على ألسنة من عاشوا قريبًا منها؛ فشهادة أهلها أصدق من كل وصف.
ومن أقوال الوالد العزيز أبي كميل عنها أن الجدة، ما إن يتقدم أحد لخطبة أحد أحفادها أو حفيداتها، حتى تضع شروطًا تراها في مصلحة الطرفين. ولم تكن تلك الشروط تدخلًا عابرًا في شؤونهم، بل كانت نابعةً من حرصها عليهم، ورغبتها في أن تكون حياتهم الزوجية قائمةً على ما يحفظ المودة والاستقرار.
وكانت الجدة حنونةً طيبةً تجاه الجميع، ولا سيما أحفادها؛ تسأل عنهم، وتأخذ بخواطرهم، وتحرص على أن يشعر كل واحدٍ منهم بأنه قريبٌ من قلبها. وكانت من كل بيتٍ من بيوت أبنائها تخص واحدًا منهم بمزيدٍ من المحبة والاهتمام، لشدة تعلقها بأبنائها وأحفادها.
ولم يكن حنانها مقتصرًا على أهل بيتها، بل امتد إلى من حولها؛ فكانت قريبةً من الناس، يجدون عندها صدرًا رحبًا، وكلمةً طيبة، وقلبًا يسع مشكلاتهم.
وقد نقلت لي الخالة الحاجة أم علي، صديقة بنت الخال أبي ياسين عبدالله أحمد الرمضان، وكانت الجدة في آخر حياتها قد انتقلت إلى بيتهم، صورةً من صور ذلك الحنان الذي عُرفت به.
فقد كانت الجدة، إذا عرفت أن امرأةً منشغلة، قالت لها بكل عفوية:
««خلّي أولادش عندي وخذي راحتش».»
ولم تكن هذه الكلمات مجرد عرضٍ للمساعدة؛ بل كانت تعبيرًا عن قلبٍ اعتاد أن يحمل عن الآخرين بعض ما أثقلهم.
وكانت، إذا تخاصم زوجان، سواء أكانا من أهلها أم من المؤمنين، يأتون بهما إليها لتصلح بينهما. فتسعى إلى جمع القلوب، وتهدئة النفوس، وتقديم النصيحة، ولا سيما للزوجة، بما تراه معينًا على تجاوز الخلاف وعودة المودة بين الطرفين.
وهكذا كانت الجدة حاضرةً في حياة من حولها؛ في أفراحهم بنصيحتها، وفي مشكلاتهم بحكمتها، وفي ضيقهم بحنانها، وفي حاجتهم بعطائها.
مدرسةٌ من بيتٍ صغير
وقد صدق الشاعر حين قال:
««الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ»»
والجدة، وإن لم تحمل لقب المعلمة، فقد كانت مدرسةً قائمةً بذاتها؛ تعلّم بالفعل قبل القول، وبالسيرة قبل الموعظة، وبالصبر قبل الكلام.
ولعل أجمل ما في سيرة الإنسان أن يبقى أثره حيًا بعد رحيله؛ أن تتحول أيامه التي مضت إلى ذكرياتٍ تُروى، وأن تتحول مواقفه إلى دروس، وأن يبقى ما علّمه في صدور من تلقّوه عنه.
رحيلها
وبعد حياةٍ حافلةٍ بالصبر والتربية والعمل والعطاء، جاء أجل الجدة، فانتقلت إلى رحمة الله تعالى في يوم ٢٨ من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠٢هـ، في عمر ناهز الثمانيمات. رحمها الله رحمةً واسعة.
رحلت بعد أن أدّت ما استطاعت من رسالتها في الحياة؛ ربّت أبناءها، وعاشت معهم مشقة الأيام، وحفظت كتاب الله وعلّمته، وسعت في طلب الرزق، وأعانت من حولها، وكانت ملجأً لمن أراد النصيحة والإصلاح.
وهكذا لم يكن رحيلها نهايةً لسيرتها، بل بقيت سيرتها حاضرةً في أبنائها وأحفادها، وفيمن تعلّم منها، وفيمن وجد عندها عونًا أو كلمةً طيبةً أو موقفًا لا يُنسى.
رحم الله الجدة رحمةً واسعة، وجزاها عن أبنائها وأحفادها ومن أحسنت إليهم خير الجزاء، وجعل ما قدّمته من تربيةٍ وتعليمٍ وإعانةٍ وإصلاحٍ في ميزان حسناتها، وأبقى ذكرها طيبًا ما بقي من عرفها ودعا لها.
زوجها :
الحاج حسين بن محمد بن حسين الشيخ علي الشهيد الثاني <²> الشيخ محمد صاحب النونية<³> الشيخ عبدالله الشيخ حسن الشيخ علي الأول الشيخ عبدالنبي الرمضان توفي في سنة الرحمة سنة ١٣٦٢ أواخر ذي الحجة ويكون للمترجم لها أبن خالتها
أبناءها :
١- العمة فاطمة أم حمد محمد العلي الشيخ حسن الرمضان المتوفاة في عام ١٣٦٢ هجري
٢- العمة مريم وليس لها ذرية لوفاتها في عمر صغير
٣- العم علي (الأول) وليس له ذرية لوفاته في عمر صغير
٤- العم الحاج جعفر بو عبدالرؤوف المتوفى في تاريخ ١٤٣٠/١/٨ يوم الثلاثاء
٥- العم الشاعر والأديب محمد ابو سمير المتوفى في تاريخ ١٩/١٢/١٤٤٠
٦- العم الحاج علي (الثاني) ابو حسين المتوفى في تاريخ ١١/١/١٣٩٩
٧- العمة زهراء وليس لها ذرية اثر وفاتها في عمر صغير
٨- العم أحمد (الأول ) وليس له ذرية اثر وفاته في عمر صغير
٩- الجد الحاج موسى ابو عمران المتوفى في تاريخ ١٤٤٦/١٢/١٩ هجري
١٠- الجد المؤرخ الحاج ابو حسن جواد المتوفى في تاريخ ١٤٣٩/١٠/٢٧ هجري
١١-١٢-التؤام الساقط اسماهما الجد أبو جعفر بسليم وسلامة ووفاتهما ما بين ١٣٥٥ هجري إلى ١٣٥٨ هجري
١٣-العم أحمد أبو حسين المتوفي ١٤١٨/٩/٣٠
١٤-العمة وجيهة التي توفية رضيعة بعد وفات أبيها بستة شهور اي جمادى الثاني عام ١٣٦٣ هجري
المصادر والمراجع
١. الجدة العزيزة أم عمران، أطال الله في عمرها.
٢. الخال العزيز الأستاذ جاسم الرمضان، أطال الله في عمره.
٣. الخالة العزيزة أم حسين جاسم الرمضان، أطال الله في عمرها.
٤. الخال العزيز أبو علي حسين جواد الرمضان، أطال الله في عمره.
٥. الخالة العزيزة صديقة أم علي بن حسين الرمضان، أطال الله في عمرها.
٦. الوالد العزيز أبو كميل الرمضان، أطال الله في عمره.
٧. شجرة العائلة للعم أبي فاضل، أطال الله في عمره.
جديد الموقع
- 2026-10-08 شخصية روائية تعود للحياة مجددًا
- 2026-10-08 راس العاير.. حين يتحول الانتماء إلى أثر
- 2026-10-07 في إطار تبادل الخبرات مركز بر الفيصلية يستقبل بر المطيرفي .
- 2026-10-07 مرض الطاعون في الذاكرة
- 2026-10-07 سمو أمير منطقة الرياض يرعى فعاليات ملتقى "قيم تمكين الأيتام" ويدشّن جائزة الممارسات القيمية
- 2026-10-07 النائب العام: الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدّم لعام 2026 التي أطلقها سمو ولي العهد تجسّد نهج القيادة في صناعة الأثر الإنساني.
- 2026-10-07 نائب أمير المنطقة الشرقية: تبرع سمو ولي العهد بالدم يجسد أهمية المبادرات الإنسانية
- 2026-10-07 أمير المنطقة الشرقية: تبرع سمو ولي العهد بالدم رسالة إنسانية نبيلة في البذل والعطاء
- 2026-10-07 وزير الصحة يشارك في الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم لعام 2026
- 2026-10-07 سمو محافظ الأحساء: تبرع سمو ولي العهد بالدم وإطلاقه الحملة الوطنية للتبرع بالدم يجسدان القدوة في العطاء ويعكسان اهتمام القيادة بصحة الإنسان