2026/10/10 | 0 | 98
*هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الخامسة: الأنعام... حين تصبح النعمة آية*
*مقدمة:*
يمر الإنسان بالحيوان في حياته اليومية كثيرًا، حتى يكاد لا يراه. قد يقف أمام قطيع من الغنم، أو يرى بقرة في مرعاها، أو يلمح دابة تحمل ما لا يستطيع الإنسان أن يحمله وحده، ثم يمضي في طريقه دون أن يخطر له أن يتساءل: كيف أصبح هذا المخلوق جزءًا من حياتي إلى هذا الحد؟
ربما لأن الإنسان اعتاد النعمة قبل أن يتعلم كيف ينظر إليها.
فنحن لا ننتبه غالبًا إلى الأشياء التي تقوم عليها حياتنا إلا حين نفقدها. أما ما ظل حاضرًا أمامنا، يتكرر كل يوم، فإن العين تألفه، ثم تألفه النفس، حتى يصبح وجوده أمرًا عاديًا لا يحتاج إلى سؤال.
لكن القرآن لا ينظر إلى الأنعام بهذه العين العابرة. حين يتحدث عنها، لا يكتفي بأن يذكر ما ينتفع به الإنسان منها، بل يضع أمامه كلمة تختصر طريقًا كاملًا في المعرفة: ﴿لَعِبْرَةً﴾.
والعبرة ليست مجرد معلومة نعرفها ثم نتركها وراءنا؛ إنها أن نعبر من شيء إلى شيء، ومن ظاهر المشهد إلى معناه، ومن النعمة إلى المنعم، ومن المعرفة إلى أثرها في الإنسان.
ولهذا يمكن أن يكون الحيوان الذي نراه كل يوم صفحة أخرى من صفحات الكتاب الذي نحاول قراءته منذ بداية هذه السلسلة.
*حين تصبح النعمة مألوفة*
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
تبدأ الآية من أشياء قريبة جدًا من حياة الإنسان: الشراب والطعام والمنافع، لكنها لا تبدأ بذكرها مجردة، بل تضع قبلها "العبرة". وكأن القرآن يريد أن يقول لنا إن ما نأخذه من المخلوق ليس كل ما ينبغي أن نراه فيه.
فالإنسان يشرب اللبن، ويأكل اللحم، وينتفع بالصوف والوبر، ويستخدم الأنعام في الركوب وحمل الأثقال، وقد قامت حياة البشر في أزمنة كثيرة على علاقة مباشرة بهذه المخلوقات. يقول الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾.
واللافت أن الآية لا تتحدث عن الضرورة وحدها؛ فهي تذكر الطعام والدفء وحمل الأثقال، لكنها تذكر أيضًا الجمال. فالمخلوق ليس حاضرًا في حياة الإنسان بوصفه أداة فحسب، بل يدخل في تجربته الجمالية، ويصبح جزءًا من المشهد الذي يحيط به.
ولو توقف الإنسان قليلًا أمام هذه الآية، لربما اكتشف أن حياته لم تكن يومًا منفصلة عن المخلوقات من حوله كما يتخيل. هو يأكل مما جاء عن طريقها، ويلبس مما أعطاه الله فيها، وينتقل بوسائل سخّر الله له أسبابها، ثم يمضي بعد ذلك وكأن كل شيء قد وصل إليه من تلقاء نفسه.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: متى تحولت النعمة في أعيننا من شيء نشكره عليه إلى شيء نفترض أنه حق لنا؟
*من الصوف والوبر إلى معنى النعمة*
قد يرى الإنسان الصوف بين يديه، فيفكر في الملابس التي يمكن أن يصنعها منه، ثم تنتهي القصة. وقد يرى الوبر مادة نافعة، أو جلدًا يمكن أن يدخل في صناعة شيء يحتاج إليه، فيقف عند فائدته. لكن إذا رجع خطوة إلى الوراء، وجد أن وراء هذه المادة مخلوقًا كاملًا، له حياة وبنية وغذاء ونمو، وأن هذه الخاصية التي ينتفع بها لم توجد منفصلة عنه، بل هي جزء من عالم خلقه الله على هذه الصورة.
إنك حين تمسك قطعة من الصوف، تستطيع أن تراها مادة؛ لكنك تستطيع أيضًا أن ترى وراءها مخلوقًا، ووراء المخلوق حياة، ووراء الحياة نظامًا من الأسباب والعلاقات، ثم تسأل: من الذي جعل هذا كله ممكنًا؟
وهكذا يبدأ الشيء البسيط في فتح باب أكبر.
والأمر نفسه في الطعام والشراب والركوب وسائر المنافع. لقد اعتاد الإنسان الحديث أن تصله الأشياء بعد أن قطعت مسافات طويلة من العمل والتصنيع والتجارة، فأصبح مصدر كثير من النعم بعيدًا عن عينه. يشتري الطعام في علبة، ويرتدي الثوب بعد أن مر بمراحل كثيرة، ويستعمل وسائل النقل دون أن يتوقف طويلًا عند تاريخ العلاقة بين الإنسان والحيوان.
لقد أصبحت النعمة أسهل وصولًا، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر خفاءً.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: كلما سهلت النعمة على الإنسان، قد يصبح أشد حاجة إلى أن يتعلم كيف يراها.
فالنعمة التي لا نراها قد تتحول في نفوسنا إلى أمر معتاد، والأمر المعتاد قد يفقدنا الإحساس بمصدره.
*من المنفعة إلى المنعم*
لهذا لا يبدو غريبًا أن يربط القرآن بين ذكر الأنعام والشكر. يقول سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
تأمل كيف تنتهي الآية: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
لم يكن المقصود أن يعرف الإنسان أن الأنعام موجودة، ولا أن يحصي المنافع التي يحصل عليها منها، بل أن تقوده هذه المعرفة إلى الشكر.
هنا يحدث التحول الذي يهمنا في هذه السلسلة. فالطبيعة ليست مجرد مكان نعيش فيه، والأنعام ليست مجرد موارد نستهلكها؛ حين يقرأ الإنسان النعمة قراءة صحيحة، تصبح النعمة نفسها طريقًا إلى المعرفة.
إن اللبن الذي نشربه لا يقودنا فقط إلى معرفة خصائصه، والصوف الذي نلبسه لا يقودنا فقط إلى معرفة ما يصلح له، والحيوان الذي نركبه لا يقودنا فقط إلى معرفة قدرته على حمل الإنسان. كل ذلك يمكن أن يكون بداية سؤال أوسع عن عالم تتداخل فيه المخلوقات والحاجات والخصائص والمنافع بطريقة تجعل حياة الإنسان ممكنة.
وهنا نفهم شيئًا من معنى "العبرة": ألا يبقى الإنسان واقفًا عند الشيء، بل يعبر منه إلى ما وراءه.
*التسخير لا يعني الاستقلال*
وقد يظن الإنسان، حين يرى قدرته على الانتفاع بما حوله، أن هذه القدرة دليل على استقلاله. لكنه إذا تأمل قليلًا وجد أن الأمر على العكس من ذلك تمامًا.
فالإنسان لم يخلق الحيوان، ولم يمنحه وجوده، ولم يضع خصائصه، ولم يصنع النظام الذي يجعل اللبن ممكنًا، أو الصوف نافعًا، أو الحيوان قادرًا على حمل الأثقال. إنه يدخل إلى عالم لم يصنعه، ثم يجد فيه من الأسباب ما يستطيع أن ينتفع به.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾.
فالتسخير يذكّر الإنسان بأن قدرته على الانتفاع بالمخلوقات ليست شيئًا صنعه وحده. نعم، للإنسان عقل وعمل وصناعة، لكنه يستخدم في ذلك عالمًا سبقه إلى الوجود.
ومن هنا يصبح التسخير تذكيرًا بموقع الإنسان، لا إعلانًا لاستقلاله.
فالإنسان ينتفع بالمخلوق، لكنه هو نفسه مخلوق. يملك ويتصرف، لكنه ليس مالكًا للوجود. يستطيع أن يغير في العالم، لكنه لم يضع أصوله الأولى.
وكلما ازداد الإنسان قدرة، كان أحوج إلى أن يعرف حدود قدرته.
وهذا هو أحد وجوه المعرفة التي ترفع الإنسان: أنها لا تجعله يرى نفسه أكبر، بل تجعله يرى العالم أوسع، ويرى موقعه فيه بقدر أكبر من التواضع.
*اللباس الذي لا يُرى*
ولعل أجمل ما يمكن أن تصل إليه هذه الرحلة يظهر حين يتحدث القرآن عن اللباس.
فالإنسان يحتاج إلى ما يستر جسده ويحميه، وقد جعل الله له من خلقه ما يعينه على ذلك، ثم يرفع القرآن المعنى من ظاهر الجسد إلى باطن الإنسان: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾.
في البداية كان الحديث عن الصوف والوبر والمنافع، ثم أصبح الحديث عن اللباس، وفجأة ينتقل السؤال إلى الإنسان نفسه.
ماذا يلبس الإنسان في داخله؟
قد يستطيع أن يحمي جسده من الحر والبرد، وأن يختار أجمل الثياب، وأن يملك من أسباب الراحة ما لم يكن متاحًا لأجيال سابقة، لكن ماذا عن قلبه حين يقف أمام الله؟ وما الذي يحفظه من أن تتحول النعمة إلى غفلة، والمعرفة إلى غرور، والقدرة إلى استعلاء؟
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾.
وهكذا يأخذ القرآن الإنسان من اللباس الذي يراه بعينه إلى لباس لا يراه أحد سواه، ومن حماية الجسد إلى تهذيب النفس، ومن النعمة الخارجية إلى المسؤولية الداخلية.
ولعل هذا هو أجمل ما في العبرة: أنها لا تنتهي عند الشيء الذي نتأمله، بل تعود بنا في النهاية إلى أنفسنا.
*حين يتغير الإنسان بما يعرف*
ليست قيمة المعرفة في أن تجعل الإنسان قادرًا على تسمية الأشياء، ولا في أن تزيد عدد المعلومات التي يحملها، بل في أن تغير طريقة وقوفه أمام العالم.
قد يعرف الإنسان كثيرًا ثم يخرج من معرفته أكثر غرورًا، وقد يعرف شيئًا قليلًا لكنه يرى فيه ما يوقظ قلبه وعقله. والفرق ليس دائمًا في مقدار ما نعرف، بل في الطريقة التي تتحول بها المعرفة إلى بصيرة.
لهذا يمكن لمعرفة المخلوقات أن تكون جزءًا من طريق الإيمان؛ لا لأنها تقدم لنا إجابة جاهزة عن كل سؤال، بل لأنها توسع نظر الإنسان في نفسه وفي العالم، وتخرجه من وهم أن الأشياء موجودة لمجرد أن يستهلكها.
وكلما اتسع العالم في عيني الإنسان، ينبغي أن يتسع هو في داخله.
فمن يرى الأنعام مجرد أشياء ينتفع بها، بقي عند ظاهر المشهد. ومن يرى فيها نعمة، ثم يرى في النعمة دلالة، ثم تقوده الدلالة إلى الشكر، فقد بدأ يعبر من رؤية الأشياء إلى قراءة معناها.
وعند هذه النقطة تصبح العبادة امتدادًا طبيعيًا للمعرفة؛ فكلما عرف الإنسان ربه، عرف فقره إليه، وكلما عرف فقره إليه، اتسع معنى الشكر في حياته. ولم يعد الشكر كلمة يقولها حين يحصل على ما يريد، بل أصبح طريقة في النظر إلى ما يحيط به.
إن الإنسان الذي ينظر إلى العالم بهذه العين لا يعيش في الطبيعة بوصفه مستهلكًا لها فقط، بل يعيش فيها قارئًا ومتأملًا ومسؤولًا.
*حين نرى ما اعتدنا ألا نراه*
ربما بدأ الأمر كله بحيوان مر أمامنا ولم ننتبه إليه.
ثم أوقفنا القرآن قليلًا عنده، وقال لنا: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾.
فنظرنا مرة أخرى.
رأينا الطعام والشراب، والصوف والوبر، والركوب وحمل الأثقال، ورأينا كيف تدخل هذه المخلوقات في تفاصيل حياة الإنسان أكثر مما يتذكر. ثم رأينا أن النعمة حين تُفهم جيدًا لا تنتهي عند المنفعة، بل تقود إلى الشكر، وأن الشكر بدوره يفتح بابًا لمعرفة المنعم.
ثم أخذنا القرآن خطوة أخرى، من اللباس الذي يستر الجسد إلى لباس التقوى الذي يصلح الإنسان من الداخل.
وهكذا عدنا في النهاية إلى المكان الذي بدأنا منه: الإنسان.
فالأنعام لم تكن هي القصة كلها؛ كانت مرآة رأى الإنسان فيها شيئًا من العالم، ثم رأى شيئًا من نفسه.
وربما كانت هذه إحدى غايات قراءة الطبيعة: ألا تجعلنا نعرف المخلوقات أكثر فحسب، بل أن تجعلنا نعرف أنفسنا أكثر، ونعرف موقعنا من هذا الوجود، ونعرف أن القدرة التي أُعطيناها ليست دعوة إلى الغرور، بل مسؤولية تدفعنا إلى الشكر والعبادة.
لكن الأنعام ليست المخلوقات الوحيدة التي تعيش معنا وتكشف لنا شيئًا من هذا المعنى.
هناك مخلوقات أخرى نراها فوقنا، وربما لا نلتفت إليها إلا للحظات؛ أجساد صغيرة تترك الأرض، وتشق الهواء، وتحافظ على توازنها في فضاء لا نملك نحن أن نمشي فيه.
طائر يفتح جناحيه، ثم يرتفع.
وفي تلك اللحظة، ربما لا يكون السؤال فقط: كيف يطير؟
بل: ماذا يمكن أن نتعلم نحن، حين نتوقف أخيرًا عن المرور أمام الأشياء دون أن نراها؟
ولعل هذا السؤال هو الذي سيدفعنا إلى أن نقلب الصفحة التالية من هذا الكتاب، لنرى ماذا تخبئ لنا أجنحة الطيور في السماء.
جديد الموقع
- 2026-10-10 لماذا تتداخل ذكريات الأحداث المتشابهة مع التقدم في السن، وما التبعات الاجتماعية لذلك؟
- 2026-10-10 قبل أن تضغط " إرسال "
- 2026-10-10 افراح الغزال والحواج بالهفوف
- 2026-10-10 (جَدِّي الذي دَلَّني على طريقِ جماليَّاتِ النص)
- 2026-10-10 قراءة في كتاب أعلام آل أبي بوخمسين
- 2026-10-10 قراءة في كتاب الكتابة وإلهام القراءة
- 2026-10-10 العلاقات بين الأجيال.. فجوة أم اختلاف صحي؟
- 2026-10-09 الفتح يوقّع اتفاقية رعاية وشراكة مع شركة سويتر
- 2026-10-09 الفتح يوافق على إعارة الحارس عبدالهادي العلوان إلى النصر
- 2026-10-09 الفتح وخالد العطوي ينهيان العلاقة التعاقدية بالتراضي