2026/04/18 | 0 | 54
لماذا لا تكفي المعرفة وحدها؟
اصبحت المعرفة في هذا العصر جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، تحيط بالإنسان من كل جانب، وتمنحه قدرة غير مسبوقة على الفهم والتحليل. ومع هذا الاتساع الهائل في دائرة العلم، برزت حقيقة أعمق أثرا، وهي أن الإنسان، رغم كل ما يعرفه، لا يزال يبحث عما يطمئنه من الداخل.
العلم ينجح في تفسير الظواهر، ويقدم إجابات دقيقة عن كيفية حدوث الأشياء، ويطور أدوات الإنسان ليعيش حياة أكثر راحة وكفاءة، لكنه يقف عند حدود واضحة حين يتعلق الأمر بالمعنى. لقد أتاح التقدم العلمي للإنسان أن يطيل عمره، وأن يتجاوز كثيرا من التحديات التي كانت تهدده، وأن يبني عالما أكثر ترابطا وسرعة، غير أن هذا التقدم لم يُنهِ شعوره بالقلق، ولم يُلغِ حاجته العميقة إلى السكينة. ( إنَّ المصدر الأساسي للمعرفة الانسانية في التصور القرآني هو الله تعالى، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، كما في قوله تعالى: ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق:4-5:وقوله سبحانه:( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) البقرة:31.،وأنه تعالى وهب الإنسان وسائل المعرفة من السمع والبصر والفؤاد:( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، النحل:78.ويتلقى الإنسان تلك المعارف الالهية عن طريق الوسائل التي منحها الله له( الحواس والعقل)،فيما يتعلق بالمعارف الكونية)." المعرفة في القرآن الكريم وأثرها في صياغة مناهج البحث لدى علماء المسلمين).. بقلم: أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي".
تكمن الإشكالية في تحميل العلم أكثر مما يحتمل، حين ننتظر منه أن يجيب عن أسئلة المعنى، وأن يقدم عزاءا نفسيا، وأن يفسر القلق الإنساني في أبعاده الوجودية. بينما يظل دوره الحقيقي منصبا على الفهم والتفسير، لا على الإشباع الداخلي. فالعلم أداة دقيقة، لكنه ليس بديلاً عن التجربة الإنسانية، ولا عن القيم التي تمنح الحياة معناها.
تتجلّى هذه الحقيقة في أبسط المواقف؛ فالمعرفة بطبيعة الألم لا تخفف وقعه، والاطلاع على نظريات الحب لا يغني عن تجربته، والإلمام بكل ما يقال عن النجاح لا يمنع الشعور بالوحدة بعد تحقيقه. هناك مساحة في الإنسان لا تملأ بالمعلومات، بل تروى بالتجربة، وتستقر بالمعنى.
والفرق بين «المعرفة» و«العلم» يمكن تفسيره من نواحٍ فلسفية ومنهجية ولغوية. وعند المقارنة بين المعرفة والعلم نجد أن المعرفة مفهوم أوسع يشمل كل ما يعرفه الإنسان أو المجتمع من معلومات ثقافية أو تاريخية. بينما العلم نوع من المعرفة منظم ومنهجي يعتمد على طرق محددة للتحقق (الملاحظة، التجربة، القياس، التحليل) ويهدف إلى كشف علاقات أسباب ونتائج وصياغة قوانين أو نظريات قابلة للاختبار. أما عن المنهجية والطريقة التي يتم من خلالها تطبيقها عليهما، فالمعرفة لا تتطلب دائماً منهجاً رسمياً، يمكن اكتسابها بالتجربة اليومية، التعلم غير الرسمي، التقليد، الحدس أو النقل الشفهي - الكتابي. أما العلم يتبع المنهج العلمي (افتراضات، فروض، تجارب، جمع بيانات، تحليل إحصائي، مراجعة نظراء، تكرار). الشرح العلمي يجب أن يكون قابلاً للاختبار والتفنيد. ومن ناحية الثبوت والمصداقية، فالمعرفة قد تكون ذاتية أو غير مثبتة، وتتضمن اعتقادات قد لا تكون قابلة للاختبار العلمي. بينما العلم يسعى لأكبر قدر من الموضوعية والدليل القابل للتحقق، ويقبل التغيير عند ظهور أدلة جديدة. أما عن إمكانية التطبيق في المجتمع، فالمعرفة تشمل فنوناً، أخلاقاً، حكماً حياتية، تقاليد، ومهارات عملية لا تُقاس دائماً بالنماذج التجريبية. بينما العلم يركز عادة على تفسير الظواهر الطبيعية والبشرية بشكل تجريبي ومنهجي (الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، علم الاجتماع التجريبي...). وبالتالي فالمعرفة تتوسع وتتغذى من العلم، ويمنحها أدوات التحقق، بينما المعرفة الغير العلمية تزود المجتمع بقيم ومهارات وخبرات غير مستندة للعلم.
فكلما اقترب العلم من تفاصيل الحياة، ازدادت الحاجة إلى ما يوازن حضوره، ليكمله. فالعقل يمنح الإنسان القدرة على الفهم، بينما تمنحه الروح القدرة على التحمل، ويمنحه الشعور بالمعنى سببا للاستمرار.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة ما نعرفه، بل في تعميق ما نفهمه عن أنفسنا. فالمعرفة التي لا تتصل بالإنسان من الداخل تبقى ناقصة الأثر، مهما بلغت دقتها. وحين ينجح الإنسان في الجمع بين وعيه العقلي واحتياجه الروحي، يصبح أكثر قدرة على العيش بتوازن، وأكثر وعيا بحدود العلم وأهميته في وقت واحد.
فالمعرفة ضرورة، لكنها ليست كافية، والتقدم قيمة، لكنه لا يكتمل إلا حين يستند على معنى. وحين يدرك الإنسان ذلك، يتحرر من وهم الاكتفاء بالمعرفة، ويتجه نحو فهم أعمق، يجعل من العلم وسيلة للحياة، وليس بديلا عنها.
جديد الموقع
- 2026-04-18 بين واحتين - أدب الرحلة بين الأحساء ونجران إصدر جديد لللاستاذة وفاء بو خمسين
- 2026-04-18 زواج ثنائي العتيبي بالأحساء (( سعود و محمد ))
- 2026-04-18 كيف نحافظ على إنسانية العمل الخيري دون أن نفقد التنظيم؟
- 2026-04-18 الشيخ الصفار والمكتبات
- 2026-04-18 أفراح الفجري وآل محمد سالم تهانينا
- 2026-04-17 برنامج “ كيف تكتب مراجعة ؟ ” في جمعية أدباء يُخَرِّج مشاركين ينشرون أعمالهم خلال التدريب
- 2026-04-17 معرض حملة «ولاء» في الكلية التقنية الرقمية للبنات بالأحساء
- 2026-04-17 تجمع تبوك الصحي يعزز الحوكمة المؤسسية بورشة عمل في إدارة المخاطر (ERM)
- 2026-04-17 بين المشتريات العامة والكتب
- 2026-04-15 من التلاوة إلى التعافي… مبادرة نوعية داخل إرادة الدمام