بينت دراسة (1) أصدرتها جامعة إيست أنجليا الأسترالية كيف تتغير ذاكرتنا مع تقدمنا في السن، ولماذا يمكن أن تُنسى بعض التفاصيل المرتبطة بأحداث سابقة.
كشفت هذه الدراسة الجديدة أنه مع تقدم الإنسان في السن، لا يواجه صعوبة في تذكّر الأحداث السابقة فحسب، بل قد يواجه أيضًا صعوبة في تغيير طريقة استرجاعه للمعلومات؛ فمثلًا، قد يكون تذكّره تفاصيل حدث معين سهلََا، لكنه يجد صعوبة عندما يُطلب منه الانتقال إلى تذكّر معلومات عامة مرتبطة بهذا الحدث، أو الانتقال من المعلومات العامة إلى التفاصيل.
وتشير الدراسة إلى حدوث تغير في الطريقة التي نتذكر بها الأشياء مع التقدم في السن. فبدلًا من أن نتذكر الأحداث الماضية بصورة واضحة ومفصلة، مثل تذكر موقف معين وما حدث فيه ومتى وأين حدث، لا نتذكر في النهاية إلَّا المعلومات العامة عن ذلك الحدث دون تفاصيله الدقيقة.
لم تعتبر الدراسة تراجع الذاكرة مع التقدم في السن مجرد فقدان للذكريات والمعلومات، وإنما رأت أن طريقة عمل الذاكرة تتغير. فقد أضافت الدراسة صورة أكثر دقة وتعقيدًا للتغيرات التي تطرأ على القدرات الإدراكية (الذهنية) مع التقدم في السن، ووضّحت كيف تتطور الذاكرة وتتغير طوال حياة الإنسان. فقد يصبح المرء مع تقدمه في السن أقل قدرة على تذكر التفاصيل الدقيقة للأحداث، لكنه يظل قادرًا على تذكر المعنى العام أو الفكرة الأساسية لما حدث.
ويأمل فريق البحث أن تساعد نتائج الدراسة على فهم أفضل للتغيرات التي تحدث في الذاكرة مع التقدم في السن، وأن يستفيد الباحثون من هذا الفهم مستقبلًا في ابتكار طرق أو برامج تساعد كبار السن على الحفاظ على قدراتهم الذهنية، مثل الذاكرة والتفكير والتركيز، لأطول فترة ممكنة
وقال الباحث الرئيس في الدراسة، البروفيسور لويس رينولت (Louis Renoult)، من كلية علم النفس في جامعة إيست أنجليا: «مع تقدمنا في السن، غالبًا ما تصبح ذكرياتنا أقل تفصيلًا وأكثر عمومية، بحيث نركز على الفكرة العامة للحدث، وليس على تفاصيله الدقيقة». بعبارة أخرى، لا نتذكر الأحداث الماضية بكل تفاصيلها كما كنا في شبابنا؛ بل نتذكر الفكرة أو القصة العامة للحدث، بينما نبدأ في نسيان بعض تفاصيله، مثل متى وأين حدث، وماذا جرى، ومن كان موجودًا، وما إلى ذلك
يرتبط هذا التغير بكيفية استرجاع الدماغ للمعلومات؛ فمع التقدم في السن، غالبًا ما يتذكر كبار السن الصورة العامة للأحداث، لكن بتفاصيل أقل وضوحًا وحيوية. أي قد يتذكر الشخص ما حدث بشكل عام، لكنه لا يستطيع تذكر التفاصيل الدقيقة لما حدث، ومتى وأين حدث، ومن كان موجودًا، بصورة واضحة.
وأراد الباحثون أن يفهموا بصورة أفضل كيف يسترجع الشباب وكبار السن ذكريات السيرة الذاتية (2)، أي الذكريات المتعلقة بالتجارب والأحداث التي عاشها الشخص بنفسه، وشكلت جزءً من حياته الشخصية، مثل ذكريات الطفولة، والمناسبات التي حضرها، والمواقف المهمة التي مر بها.
ركز الباحثون على مدى قدرة الناس على تغيير طريقة تذكّرهم عندما يُطلب منهم الانتقال من نوع من الذكريات إلى نوع آخر. فمثلًا، قد يُطلب من الشخص أن يغيّر ما يسترجعه من ذاكرته؛ فيتذكر أولًا حدثًا شخصيًا محددًا، ثم ينتقل إلى تذكر معلومة عامة مرتبطة بالحدث نفسه، أو العكس. كما ركز الباحثون على ما يحدث لهذه القدرة عندما تتطلب عملية استرجاع المعلومات من الشخص جهدًا وتركيزًا أكبر، مما يجعل عملية التذكر أكثر صعوبة. وبعبارة أخرى، أراد الباحثون معرفة مدى مرونة الذاكرة وقدرة الشخص على الانتقال بسهولة بين تذكر تفاصيل حدث شخصي معين وتذكر معلومات عامة مرتبطة به.
كيف أُجريت الدراسة؟
شارك في الدراسة 37 طالبًا من فئة الشباب و37 شخصًا من كبار السن من أفراد المجتمع. وطُلب من المشاركين تذكّر نوعين مختلفين من الذكريات استجابةً لكلمات تذكّرهم بأحداث أو معلومات مرتبطة بها، مثل كلمة "سوق'، التي التي قد تدفعهم إلى استرجاع ذكريات شخصية أو معلومات عامة مرتبطة بهذه الكلمة.
أوضح البروفيسور رينولت أن الباحثين أرادوا من المشاركين استرجاع نوعين من الذكريات: ذكريات محددة، وهي تذكّر حدث معين وقع في وقت ومكان محددين، مثل تذكّر زيارة محددة للسوق يوم الجمعة السابق؛ وذكريات عامة أو متكررة، وهي تذكّر تجربة عامة أو متكررة دون ربطها بحدث معين، مثل تذكّر ترددك على السوق كثيرًا لشراء ملابس.
في البداية، طُلب من المشاركين استرجاع كل نوع من الذكريات على حدة، أي التركيز على نوع واحد من الذكريات في كل مرة. ثم طُلب منهم التواتر بين الانتقال بين تذكّر أحداث محددة وتذكّر تجارب عامة والعكس، مما جعل المهمة تتطلب قدرًا أكبر من التحكم والتركيز الذهني. وبعد ذلك، قيّم الباحثون مدى التزام المشاركين بالتعليمات، وكذلك مقدار التفاصيل التي قدموها عند وصف ذكرياتهم
قيم الباحثون كلََا من الذاكرتين لدى المشاركين: مدى التزامهم بالتعليمات التي أعطيت لهم، ومدى التفصيل في إجاباتهم.
وجد الباحثون أن قدرة المشاركين على التذكّر تراجعت عندما طُلب منهم الانتقال بين أنواع مختلفة من الذكريات؛ أي الانتقال من تذكر حدث معين وقع في وقت ومكان محددين إلى تذكر ذكريات عامة أو متكررة، ثم العودة مرة أخرى إلى تذكر أحداث محددة. وهذا يشير إلى أن الانتقال بين أنواع الذكريات قد يؤثر سلبًا في القدرة على التذكر، ما جعل تذكّرهم أقل دقة أو أقل جودة.
وجد الباحثون أن كبار السن تأثروا بشكل أكبر في جانب معين؛ فقد كانوا أقل قدرة على استرجاع الذكريات اليومية العادية والمتكررة، مثل ذكريات الذهاب إلى العمل، عندما طُلب منهم الانتقال بين أنواع مختلفة من الذكريات
ومن المثير للاهتمام أن قدرتهم على تذكر الذكريات المحددة، مثل تفاصيل حفلة عيد ميلاد معينة، لم تتأثر كثيرًا عندما طُلب منهم الانتقال بين أنواع الذكريات. أي أن تذكّر كبار السن الأحداث المحددة لم تتأثر بانتقالهم بين أنواع الذكريات بنفس القدر الدي تأثر به تذكّرهم الذكريات اليومية المتكررة.
تشير هذه النتائج إلى أن بعض أنواع استرجاع الذكريات قد تكون أكثر تأثرًا بالتقدم في السن من غيرها، خصوصًا عندما يحتاج كبير السن إلى التكيف بسرعة مع متطلبات ذهنية متغيرة. فمثلًا، عندما يُطلب منه الانتقال بين تذكر ذكرى محددة وتذكر ذكريات عامة ومتكررة، ثم العودة مرة أخرى إلى ذكرى محددة، قد يواجه صعوبة أشد في استرجاع الذكريات العامة والمتكررة
تغيّر في طبيعة الذكريات التي يتذكرها الشخص
لاحظ الباحثون تغيرًا في نوع المعلومات التي يتذكرها كبار السن. فعندما طُلب منهم تذكر أحداث محددة، احتوت ذكرياتهم على درجة أقل من التفاصيل المرتبطة بالحدث نفسه، مثل التفاصيل المتعلقة بما رأوه أو سمعوه أو شعروا به أثناء الحدث، بينما احتوت على معلومات عامة أو دلالية أكثر ارتباطًا بالحدث. فمثلًا، عند تذكر حفلة معينة، قد يتذكر الشخص أنه حضر الحفلة وأنها كانت جميلة، لكنه قد لا يتذكر بالقدر نفسه التفاصيل الدقيقة للمكان أو الأصوات التي سمعها أو الأشخاص الموجودين أو المشاعر التي انتابته أثناء الحفلة (3).
وظهر النمط نفسه عندما طُلب من المشاركين تذكر الذكريات العامة أو المتكررة؛ إذ كان كبار السن يتذكرون نسبة أقل من التفاصيل المرتبطة بتلك الأحداث المتكررة، مقابل تذكرهم نسبة أكبر من المعلومات الدلالية أو العامة المرتبطة بها. أي أنهم كانوا يميلون إلى تذكر المعنى العام والمعلومات المرتبطة بالحدث أكثر من التفاصيل الدقيقة الخاصة بالتجربة نفسها (3).
فهم الذاكرة والتقدم في السن
تُبين هذه النتائج أن التغيرات التي تطرأ على الذاكرة مع التقدم في السن لا تتعلق ببساطة بنسيان المعلومات، وإنما تتعلق أيضًا بكيفية استرجاع الذكريات ونوع التفاصيل التي يتذكرها الشخص عنها. فعندما يتذكر كبار السن أحداثًا معينة، قد تحتوي ذكرياتهم على درجة أقل من التفاصيل المرتبطة بالحدث نفسه، مقارنة بتذكرهم لمعلومات عامة ودلالية أكثر عنه.
وقال البروفيسور رينولت إن كبار السن، عند تذكر الأحداث، قد يسترجعوا تفاصيل بنسبة أقل عن الحدث نفسه، بينما يتذكرون معلومات عامة ودلالية أكثر عنه.
قد يعكس هذا التغير تغيرات مرتبطة بالتقدم في السن في أنظمة الدماغ التي تدعم استرجاع الذكريات، ولا سيما الأنظمة (شبكة من مناطق الدماغ تعمل معًا) التي تساعد على استرجاع التفاصيل الدقيقة المرتبطة بسياق الحدث، وكذلك الأنظمة التي تساعد على التحكم في عمليات الاسترجاع والتكيف مع المتطلبات الذهنية المختلفة.
ومن الجدير بالذكر أن استرجاع الذكريات يعتمد على شبكة من مناطق الدماغ تعمل معًا، ومن أبرزها الحُصين، الذي يلعب دورًا مهمًا في استرجاع ذكريات الأحداث وتفاصيلها، إلى جانب مناطق في الفصين الصدغي والجبهوي وغيرها من المناطق المرتبطة بمعالجة المعلومات وتنظيم عملية استرجاعها. ولذلك، قد يؤثر التقدم في السن سلبََا في طريقة عمل هذه المناطق وتفاعلها معًا أثناء استرجاع الذكريات (4).
التبعات العملية في الحياة اليومية
لهذه النتائج تبعات محتملة في الحياة اليومية؛ فالمهام التي تتطلب من كبار السن التكيف بسرعة مع متطلبات ذهنية متغيرة أو الانتقال بين طرق مختلفة لاسترجاع الذكريات قد تكون أكثر تحديًا مع التقدم في السن، خاصة عندما تتطلب استرجاع أنواع مختلفة من المعلومات بسرعة.
وقد تكون زيادة الاعتماد على المعرفة العامة مفيدة في بعض المواقف؛ فالذكريات العامة قد تساعد كبير السن على الاستفادة من خبراته السابقة، والتعرف على الأنماط المتكررة، وفهم المواقف المشابهة بسرعة أكبر، حتى مع تراجع بعض التفاصيل الدقيقة للذكريات. فمثلًا، قد لا يتذكر كبير السن جميع تفاصيل موقف معين، لكنه قد يتذكر الفكرة أو الدرس العام الذي خرج به منه، مما قد يساعده في التعامل مع مواقف مشابهة في المستقبل.
