يركز معظم المعلمين على الاعتبارات الأكاديمية والتعليمية في تعيين أماكن جلوس طلابهم. إلا أن دراسة أجراها باحثون في علم النفس من جامعة فلوريدا أتلانتيك تُعد أول دراسة تثبت أن تعيين أماكن جلوس الطلاب في الصف الدراسي له أيضًا آثار مهمة في تكوين الصداقات بين الأطفال.
وكشفت نتائج الدراسة (1)، التي نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology ، أن تكوين الصداقات يرتبط بقرب الطلاب من بعضهم في أماكن الجلوس داخل الصف الدراسي. فالطلاب الذين يجلسون بجوار بعضهم بعضًا أو بالقرب من بعضهم في الصف يكونون أكثر احتمالًا في تكوين صداقات مقارنة بالطلاب الذين يجلسون في أماكن أخرى بعيدة عن بعضهم.
علاوة على ذلك، بينت التحليلات الطولية (2) أن جلوس الطلاب بالقرب من بعضهم قد يساعد على تكوين صداقات جديدة. فعندما يغيّر المعلم أماكن جلوس الطلاب، تزداد احتمالية أن يصبح الطالب صديقًا لزميله الجديد الذي يجلس بجواره، مقارنةً بغيرهم ممن لا يجلسون بالقرب منه.
"يقضي الطلاب المشاركون في دراستنا معظم يومهم مع نفس زملائهم في الصف. وبحلول منتصف العام الدراسي، كوَّن جميع الطلاب صداقات مع زملائهم المجاورين لهم في المقاعد،" بحسب بريت لورسن (Brett Laursen)، المؤلف الرئيس للدراسة وأستاذ علم النفس في كلية تشارلز إي. شميدت للعلوم (E. Schmidt College of Science) بجامعة فلوريدا أتلانتيك (FAU).
"ولكن عندما تغيّرت أماكن جلوس الطلاب، زادت احتمالية تكوين صداقات بين الطلاب الذين أصبحوا يجلسون بجوار بعضهم. وهذا يشير إلى أن مجرد وجود الأطفال معًا لفترة طويلة لا يكفي وحده لتكوين صداقات؛ بل تغيير أماكن الجلوس يتيح فرصًا جديدةللطلاب للتفاعل والتعارف، ما قد يساعد على تكوين صداقات جديدة."
رشح المشاركون في الدراسة (129 فتىً، 106 فتاة) في الصف الثالث إلى الخامس ابتدائي (أعمارهم تتراوح بين 8 إلى 11 عامًا) أصدقاء في فترتين زمنيتين (بفاصل زمني بلغ 13 إلى 14 أسبوعًا).
نموذجان من ترتيب المقاعد في الصف الدراسي: a) مجموعة من مقاعد ملتصقة ببعضها بحيث يجلس الطلاب متقابلين، b) مقاعد منفصلة حيث يجلي الطلاب منفردين في مقاعد متجاورة
في هذه الدراسة، اُستخدمت مخططات الجلوس في المقاعد التي وضعها المعلمون لحساب ثلاثة أنماط من التجاور في الجلوس لكل طالبين في الصف الدراسي. التجاور في جلوس زملاء الدراسة يعني جلوس الطلاب مباشرة بجوار بعضهم بعض في صف مقاعد منفصلة أو على طاولة واحدة، وكذلك الذين يجلسون مباشرة مقابل بعضهم بعض على طاولة واحدة.
"شملت مجموعة الطلاب المتجاورين زملاء الدراسة الذين يجلسون بجوار بعضهم مباشرة، وكذلك الطلاب الذين يجلسون بالقرب منهم، مثل الجالسين على بُعد مقعد واحد في الصف نفسه أو الجالسين بشكل قطري مقابل بعضهم على الطاولة. وكانت النتائج المتعلقة بهذه المجموعة من الطلاب هي الأكثر استمرارََا وأقل عرضة للانقطاع، ما يشير إلى أن القرب في أماكن الجلوس يوفر فرصًا كافية للتواصل المستمر، ويزيد من احتمال تكوين الأطفال صداقات مع زملائهم القريبين منهم في أماكن الجلوس.
مجموعة الطلاب المتجاورين في الجلوس هذه تمثل الخطة المثلى لتجاور الطلاب في الجلوس
"بالطبع، الطلاب لا يجلسون دائمًا في مقاعدهم؛ بل، ربلا شك، يتفاعلون مع أقرانهم الجالسين في مقاعد بعيدة أثناء تناول وجبة الغداء وأثناء الاستراحة بين الحصص وأثناء حصة الأنشطة الحرة (في بعض الصفوف الدراسية)،" كما يقول لارسن. حقيقة أن الأصدقاء الجدد ينبثقون من بين الطلاب المتجاورين في مقاعد الدراسة - على الرغم من فرص التفاعل مع زملاء دراسة آخرين - تؤكد قوة تأثير التجاور هذه في تكوين صداقات بين المتجاورين في مقاعد الدراسة."
التجاور في الصف الدراسي يضع أهمية كبيرة أثناء سنوات الدراسة الابتدائية لأن الأطفال في هذا السن لديهم قليل من الفرص المستدامة الأخرى للقاء أصدقاء (والتفاعل معهم) ولأن الصحبة أمر أساسي في تعريف الصداقة. من المعروف منذ فترة طويلة أن معظم الأطفال ذكروا أن معظم أصدقائهم كانوا من زملائهم في نفس الصف الدراسي. نحن نستشف الآن من نتائج هذه الدراسة أن هؤلاء الأصدقاء ربما كانوا متجاورين في مقاعدهم الدراسية حينئذ.
"يقضي أطفال المدارس الابتدائية معظم يومهم الدراسي جالسين في أماكن محددة إلى جانب زملائهم في الصف. وفي معظم الصفوف الدراسية، يحدد المعلمون أماكن جلوس الطلاب، وبالتالي يحددون بصورة غير مباشرة الطلاب الذين تتاح لهم فرص أفضل للتفاعل والتواصل مع بعضهم، وربما لتكوين صداقات محتملة معهم."
"تسلط هذه النتائج مجتمعةً مدى التأثير الكبير الذي يمكن أن يمارسه المعلمون في الحياة الاجتماعية للأطفال. وكما قال لورسن: «كلما ازدادت السلطة، عظمت المسؤولية، ولذلك ينبغي للمعلمين أن يمارسوا سلطتهم بحكمة. فقد تترتب على تدخل المعلمين في العلاقات الاجتماعية للأطفال آثار غير مقصودة، مثل التأثير،" مثل التأثير في تكوين صداقات جديدة بين الأطفال أو في علاقاتهم مع أصدقائهم الحاليين.
وبما أن معظم الأطفال يكوّنون صداقاتهم مع زملائهم في الصف نفسه، تشير هذه النتائج إلى أن قرب أماكن جلوسهم قد يكون أحد العوامل التي تساعد الأطفال على تكوين هذه الصداقات.


