لو سبق لك غسل الأرز قبل طبخه، فلا بد أنك لاحظت تحول ماء الغسيل إلى لون أبيض حليبي، وذلك بسبب خروج النشا الدقيق وبعض الجزيئات العالقة على سطح الحبوب إلى ماء الغسيل. وبما أن مليارات البشر حول العالم يعتمدون على الأرز في غذائهم يوميًا. فهل غسل الأرز قبل طبخه ضروري بالفعل، أم أنه ليس كذلك؟
كان هذا السؤال موضوعًا لعدة دراسات علمية تناولت مدى تأثير غسل الأرز على قوامه وقيمته الغذائية، ومدى فعاليته في إزالة المواد غير المرغوب فيها، مثل الغبار والزرنيخ والجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك).
يُزرع الأرز تقليديًا في حقول مغمورة بالماء بشكل ضحل، لأنه يحتاج إلى ري مستمر لينمو. وبعد أن تنضج حبوب الأرز، تُحصد السنابل وبعدها تقشر حبيبات الأرز لإزالة القشور غير الصالحة للأكل، وبعد إزالة هذه القشرة يصبح الأرز صالحًا للأكل، سواء بقي على هيئة أرز بني إذا احتفظ بطبقة النخالة، أو خضع لمزيد من المعالجة لإزالة طبقة النخالة ليتحول إلى أرز أبيض اللون المعروف والمتوفر في الأسواق،
قد تُلحق عملية التقشير ضررًا بحبوب الأرز، مسببةََ تشقق بعضها أو خدوشََا على سطحها، ما من شأنه أن يترك طبقة رقيقة من النشا (المادة التي تُشكّل جزءًا كبيرًا من الأرز والبطاطا والقمح) على السطح الخارجي للحبوب. وعند غسل الأرز، ينتقل إلى ماء الغسيل.
في دراسة (1) أُجريت عام 2017، افترض الباحثون أن غسل الأرز قد يُغيّر من قوامه بعد الطهي وذلك بإزالة النشا الذي يُسبّب التصاق الحبوب ببعضها (لزوجة او دبق الأرز) بعد الطبخ.
ولكن أثبتت دراسات لاحقة أن "غسل الأرز لم يُحدث فرقًا ملحوظًا في مدى التصاق الحبات بعد الطهي، لأن معظم اللزوجة تعتمد على نوع الأرز وتركيبته الداخلية، وليس على كمية النشا السطحي التي تُزال بماء الغسيل." كما صرّحت إيفانجلين مانتزيوريس Evangeline Mantzioris، أخصائية التغذية المُعتمدة في جامعة أديلايد بأستراليا، لموقع لايف ساينس
أوضحت مانتزيوريس أن دراسة (2) أجريت عام 2019 أثبتت أن "التصاقية حبيبات الأرز ببعضها لا تنجم عن نشا الأميلوز الموجود على سطح حبيبات الأرز، بل عن نشا آخر داخل الحبة نفسها يُسمى الأميلوبكتين. هذا النشا هو ما يخرج أو يتسرب من داخل حبيبات الآرز أثناء الطهي إلى الخارج (ماء الطبخ) ويؤثر في التصاقية (لزوجة) حبيبات الأرز". الجدير بالذكر أن النشا يتكون من نوعين متميزين من بوليمرات الجلوكوز: الأميلوز والأميلوبكتين (3).
ووجدت الدراسة أن كمية الأميلوبكتين المتسربة من الأرز أثناء الطهي لا تعتمد على غسله او عدم غسله. وأضافت مانتزيوريس: "إن نوع الأرز هو العامل الأهم". ففي تجارب أجريت على عينات وزنها عشرة غرامات من ثلاثة أنواع من الأرز، غُسلت جميعها لنفس المدة الزمنية بكميات متزايدة من الماء وطُبخت لمدة 30 دقيقة، وجد الباحثون أنه "إذا رغب المرء في الحصول على أرز حبيباته ملتصقة ببعضها التصاقّأ شديدََا (أرز لزج أو أرز دبق (4)) على طبقه بعد الطهي بسبب احتوائه على نسبة عالية جدًا من الأميلوبكتين، فمن الأفضل استخدام الأرز الدبق (4) (أرز يزرع في جنوب شرق آسيا وبعض مناطق الهند). أما الأرز متوسط الحبة وأرز الياسمين (5) وأرز العنبر فهما أقل لزوجة،" حتى إذا غُسل الجميع بالطريقة نفسها.
كان الناس في السابق يغسلون الأرز قبل الطبخ لأسباب تتعلق بالصحة والسلامة، بهدف إزالة ما قد يعلق به من غبار، أو حشرات صغيرة، أو حصيات وبقايا قشور، التي قد تبقى بعد الحصاد والمعالجة التقليدية،" كما قالت مانتزيوريس.
لكن في الوقت الحاضر، "قبل أن يباع الأرز في المتاجر الكبرى ومتاجر التجزئة الموثوقة يمر بسلسلة من عمليات التصنيع والتنظيف وفقًا لمعايير جودة صارمة، وذلك باستخدام مناخل ومراوح متخصصة،" كما صرّح بو وانغ Bo Wang، باحث في الأغذية في جامعة أديلايد، لموقع لايف ساينس. "ثم، بعد ذلك، يُجفف ويُقشر لإزالة القشرة الخارجية الصلبة (الناتج: أرز بني) وبعد ذلك تزال النخالة والجنين (الناتج: أرز أبيض) ويُصنف بحسب الجودة ويُعبأ قبل وصوله إلى المستهلكين. عملية التجفيف تقلل، بشكل خاص، من نسبة الرطوبة، ما يُساعد في الحفاظ على الجودة وعلى الحد من نمو الميكروبات أثناء التخزين. ونتيجة لذلك، يُعد الأرز منتجًا آمنًا نسبيًا، ولا يُشترط غسله عادةً لجعله آمنًا للاستهلاك." ولهذا فإن غسله من أجل سلامته الغذائية ليس ضروريًا، وإن كان بعض الناس ما زالوا يغسلونه قبل الطهي لأسباب أخرى، مثل العادة أو الرغبة في إزالة بعض الغبار السطحي.
مع ذلك، أوضح بيرمال ديو Permal Deo، باحث أغذية متخصص في البيولوجيا الجزيئية بجامعة أديلايد، لموقع لايف ساينس: "هناك اعتبار إضافي يتمثل في أن بعض الأرز قد يحتوي على زرنيخ غير عضوي موجود طبيعيََا يمتصه نبات الأرز من التربة والماء. وقد يساعد غسل الأرز على إزالة بعض الزرنيخ من سطح الحبوب، لكنه لا يزيل الزرنيخ الذي دخل إلى داخل حبيبات الأرز نفسها أثناء نموها (6، 7)."وأضافت مانتزيوريس أن غسل الأرز قد يُزيل أيضًا الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) العالقة به. وقد وجدت دراسة (8) أجريت عام 2021 أن غسل الأرز قبل طهيه يُقلل من كمية البلاستيك الملوِّث له بنسبة تتراوح بين 20 و40%. (تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحتنا ما يزال غير مؤكد، بالرغم من تزايد الأدلة التي تُشير إلى أنها قد تكون ضارة صحيََا (9).
أشارت مانتزيوريس إلى أن غسل الأرز يقلل من مستويات بعض العناصر الغذائية المهمة التي تذوب طبيعيًا في الماء (10)، مثل النحاس والحديد والزنك والفاناديوم. ومع ذلك، فإن الأرز في أحسن الأحوال، لا يوفر سوى نسبة بسيطة من الحصة اليومية الموصى بها من هذه العناصر. لذا، "من غير المرجح أن يؤثر غسل الأرز على القيمة الغذائية للأرز،" كما قالت.
وأضافت وانغ: "باختصار، بالنسبة لمعظم المستهلكين، يكفي عادةً شطف الأرز بالماء برفق مرة أو مرتين قبل الطهي، وذلك أن تغسل الأرز بلطف بعد إضافة ماء إليه الماء وتحريكه برفق باليد أو هز الوعاء قليلًا، ثم التخلص من ماء الغسيل، دون فرك الحبوب بقوة أو تكرار الغسل مرات كثيرة. والهدف هو إزالة الغبار والشوائب السطحية دون فقدان العناصر الغذائية أو إتلاف حبات الأرز،" إذ لا حاجة لغسله مرات كثيرة أو بقوة، لأن ذلك لا يحقق فائدة إضافية تُذكر لمعظم الناس، بينما الشطف الخفيف يزيل الشوائب السطحية وبعض المواد غير المرغوب فيها دون مبالغة.

