2015/04/14 | 0 | 1694
قرود الثقافة!
لا تصغوا إذا لأي مهزلة تسوق ذاتها بذريعة الحضور البارز والهالة الإعلامية المبهرجة، الأضواء تمنح الهشاشة والزيف والجهل المركب أقنعتها الخادعة.. تحجب بشاعة القرد!
لدينا نماذج من هذا النوع، تستحلب الحضور بأي وسيلة، يمكننا نعتها على طريقة «بودريار» بقرود الثقافة. لا تقدم لجمهورها المضلل إلا ما يشبه الثقافة، ما يشبه الحقيقة، ما يشبه المعنى، كما يشبه الإنسان القرد.
ينبغي أن نعرف طبيعة العصر الذي نعيش، كيف سمح للهراء أن يتسيد ويصبح حكماً؟ إنها التعمية والتضليل ياصاحبي.. في عصر التعمية هذا، الذي أسماه بودريار عصر الاصطناع والمصطنع، تبتلع النسخة الباهتة المشوهة أصلها، يصبح ذلك القرد المثقف ناطقاً باسم الحقيقة والمعنى والمبادئ الرومانسية الجميلة كالتعايش والتسامح ونبذ الشقاق الطائفي والانتماء للأرض. هل هناك مأساة أكثر من أن يعلمنا هذا المثقف الممسوخ والأمي دروس البلاغة الوطنية؟. لكن الأشد وطأة أن يعلمنا دروس الفرادة، وهو المغمور بكل أشكال التبعية.
أحد النماذج -مثلا- وهو تجسيد كامل للجهل المقزز كان يضع متلقيه أمام خيارين: إما التبعية للتطرف أو التبعية للإكراه الذي كتب له الاستقرار والظفر «واللبيب بالإشارة يفهم»، أي القوة بكامل عريها.. صاحبنا القرد لا يستطيع إلا أن يكون تابعاً!.. القطيع الخاصية الثانية بعد الجهل المركب.
مع ذلك فإني لا ألومه، ليس في جعبتي أي عتب ضده أو ضد المخدوعين به، فهو ضحية مثل ضحاياه، لهذا العصر الذي تشيع فيه أدوات التضليل في كل مكان، حيث الكل منخرط في ممارسات التضليل والتعمية والخداع، أدوات التضليل من الكثرة والاتقان بحيث تبدو عصية على أكثر العقول عبقرية وثقافة وبالتالي حصانة، فكيف بصاحبنا المثقف المعرض دائما لسخرية القرد وتسليته..
هذا العصر محبط بالتأكيد للذين راهنوا على الإعلام وتفجر وسائل الاتصالات، التقليدي منها والرقمي، الرسمي وغير الرسمي، الموجه والحر. وهو العصر الذي يسمح بانتشار القرود على حساب الصور المفترضة لكائنات متواضعة تسكنها هواجس النص وسعي لا نهائي لجمالياته. وشتان بين مثقف يثير الأسئلة وقرد يثير التسلية عند المتفرجين، بين كائن الأضواء والشهرة وكائن مغمور لا يعرفه أحد، لكنه مغمور بالمعنى والجمال والفرادة التي تمنحه جسارة الاعتراض والخصومة والتذمر من كل شيء.
التشويه يغمر الحقيقة، يبتلعها، تماما مثلما الميديا تنتهك الميديا، هذه هي سمة واقعنا وعصرنا «القردي». يخطئ داروين حين يجعل من القرود سلفاً قديماً فيما وراء الماضي، إنهم هنا أمام أعيننا وبين ظهرانينا، يتكاثرون في الحاضر والمستقبل، إن «قرود الانتلجنيسيا» هم السادة في عصر تسكنه هستيريا تشويه الواقع والهلوسة بحقيقة على مقاسه.
الحقيقة عند مثقفنا القرد نتاج الإكراه البشري. إنها تفتعل وتصطنع كأي شيء في عصر الاصطناع، عصر يلتهم فيه الإعلام مضامينه بالذات «بودريار»، يلتهم الاتصال والاجتماعي، يقوم فيه المرسل بالتضليل فيما هو يدعي غير ذلك. حيث نشهد إمِّحاء القدرة على التمييز بين المثقف والقرد، بين الواقع وصورته المشوهة، بين قوة الحقيقة وحقيقة القوة، لا أقول إن المطلوب هو البحث عن الحقيقة بالطبع، أو أن الوصول إليها هو من السهولة بحيث نلوم صاحبنا المثقف حين يعجز عن كشفها، لكني أدرك أنها لن تكون أبداً نتاج هيمنة القوة العارية. هل وجدتم مثقفا يحترم نفسه يلوح بالقوة؟ يجعل منها مرادفا للحقيقة؟ يقول «بورديو»: «جوهر كل قوة أن تحجب نفسها كقوة، وهي لا تتخذ كل قيمتها إلا إذا حجبت حقيقتها هذه». هذا يعني أن للقوة وسائل ملتوية للإقناع، وأن خطاب الهيمنة خطاب تضليلي، خطاب تشويه للحقيقة، للواقع، لا يقوم هذا الخطاب إلا على حساب المعنى، قيامة القوة والهيمنة والتضليل اندثار وعدم ونهاية جنائزية للمعنى. لا يمكن للتضليل أن يكشف عن نفسه بصفته تضليلا، القوة تحجب نفسها فيما تعمل على تصفية براءة الواقع، تربك الخطاب بممارسات التشويه والتضليل الذي يزداد ضراوة في هذا العصر بالذات، عصر الميديا المقوضة لذاتها، عصر الفبركات، العصر الذي تزداد فيه المعلومات ويقل فيه المعنى: «نحن نعيش في عالم تزداد فيه المعلومات أكثر فأكثر بينما يصبح المعنى فيه أقل فأقل». وإنه لعصر النكبة التاريخية للكائن المفكر.. عصر قرود الثقافة!
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*