2026/06/07 | 0 | 94
قراءة في كتاب نفحات بيانية من دعاء الصباح
مع كتاب نفحات بيانية من دعاء الصباح – لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المؤلف: د. ميثاق علي الصميري، الطبعة الأولى :1442 هــ / 2021م
جزء من المقدمة:
إن هذه الدراسة محاولة متواضعة للكشف عن الدلالات البيانية في دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام) والاقتراب من مراداته في مناجاته مع الله عز وجل.
أهمية البحث: تنبع أهمية البحث من أن كلام الإمام في دعاء الصباح ينطوي على مضامين عالية قد سبكت بلغة بليغة وبأسلوب انماز بروعة الأداء ورصانة التعبير، ودقة اختيار الألفاظ والتراكيب بما ينسجم ورؤية الإمام عن الكون والوجود.
«الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي».
يصور لنا الإمام حالة الداعي وقد وقف بباب سيده حاملاً أوزاره على ظهره من ذنوب قد أدبرت لذاتها، وخطايا قد بقيت تبعاتها وما ذاك إلا نتيجة لتسليمه زمامه لنفسه التي قادته نحو الآمال والأمنيات الكاذبة، مع هذا كله جاء هذا العبد ويحمله رجاء كبير بأن تناله رحمة ربه، فوقف متذللاً متخشعاً أمام باب رحمة ربه لقرعه بيد يملأها الرجاء في أن يفتح ذلك الباب، يقف الداعي وهو يترنم بأبيات الشاعر:
مالي سوى قرعي لبابك حيلة................فإذا رددت فأي باب أقرع
وعندما نقرأ عبارة الدعاء هذه نجد الكلمات تتحرك لتخط لنا لوحة جميلة وكأنها ريشة فنان ترسم لنا صورة ذلك العبد حينما يقف على باب سيده مطأطئاً رأسه، يطرق الباب وكله أمل أن يفتح له.
وأَحْسَبُ أن القارئ الكريم يتفق معي في أن الكلمات التي أختارها الإمام كان لها بالغ الأثر في إثراء المعنى، من خلال وقعها الصوتي الذي ساهم في تجسيد المعنى بصورة حسية، فعندما نسمع كلمة (قرعت) في هذا السياق يخيل إلينا من خلال جرس أصواتها أننا نسمع في آذاننا صوت فرع الباب عندما نسمع كلمة (باب رحمتك) تقفز إلى أذهاننا صورة باب كبير موصد قد وقف أحدهم أمامه وهو يطرق الباب بيده. ولكننا نفاجأ بعد ذلك حين تسمع كلمة (بيد رجائى) إنه لم يكن يطرق ذلك الباب بيده المادية، وإنما بيد معنوية هي يد الرجاء والأمل.
قصة نافعة:
وهناك قصة نافعة ومؤثرة أحببت أن أذكرها في هذا المقام، فقد حكى أحد العرفاء عن أم طردت ابنها الشاب العقوقه وأذاه وإعراضه عن النصيحة.
قالت له: اخرج فلست ابني. ويخرج الفتى ليمضي وقته مع الفتيان، إلى أن حان وقت الغروب فراحوا يعودون أدراجهم إلى بيوتهم، ولم يعطف عليه أحد منهم. ولما ظل وحيدا، ولم ير وفاء من رفاقه، عاد إلى منزله فرأى الباب مسدودا، راح يطرق الباب ويبكي ويتضرع ويتوسل إلى أمه أن تفتح له الباب، ولكن أمه امتنعت عن ذلك. وفيما هو يتضرع ويبكي مر عالم تقي فأشفق على الفتى، فطرق الباب وتشفع للفتى الشاب عند الأم لتفتح الباب. قالت الأم: أيها المحترم أقبل شفاعتك بشرط أن تكتب لي عهدا إن عقني بعدها وآذاني أن يخرج من البيت ولا يدعوني أمه. فكتب الرجل التقي لها ذلك العهد وتصالح الابن مع أمه.
ومرت أيام وذات يوم مر العالم التقي فوجد الفتى عند الباب يتضرع ويقول: أماه كونى ما شئت وافعل بي ما شئت ولكن لا تغلقي دوني الباب ولا تطرديني.
ولكن الأم أصرت على عدم فتح الباب، وقالت: لن افتح لك الباب ولن أدعك تدخل البيت، ولن أتصالح معك ولن أرض عنك. وفكر الرجل الصالح أن يجلس جانبا ليرى عاقبة الأمر، فرأى الفتى يجهش بالبكاء ويعلن ندمه على ما بدر منه إلى أن غشي عليه، وانقطع صوته، وأطلت الأم لترى ما حل بابنها. فلما رأت ذلك فارت عاطفة الأمومة، ففتحت الباب ورفعت رأس ولدها عن التراب ووضعته في حجرها وراحت تمسح عن رأسه التراب وتقول: يا قرة عيني! انهض لتدخل البيت. إني وإن أغلقت دونك الباب فلم يكن مرادي طردك، بل كنت أريد تأديبك لتعود إلى دائرة الطاعة!!.
أقول إذا كانت عاطفة الأم تتجاوز غضبها عليه فترحمه وتعفو عنه إذا تاب وندم على ما فرط منه، كيف بخالقه وربه الذي أوجده من العدم ورباه وغذاه وأنعم عليه، أفتراه لا يرحمه إذا تاب وندم وتضرع إليه وناجاه وبكى في حضرته؟! بلى سيفتح له أبواب رحمته لأنه هو التواب الرحيم. فينبغي للعبد أن يستشعر التقصير بحضرة ربه ويتصور حاله، ماذا لو كان مطرودا من رحمته، ماذا لو اغلق الباب دونه؟! هذا المعنى نجده عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عندما يقول في دعائه الذي علمه أبا حمزة الشمالي: «سيدي لَعَلَّكَ عَنْ بابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحيْتَنِي أو لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفَا بِحَقِّكَ فَأَقْصَيْتَنِي، أَو لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضاً عَنْكَ فَفَلَيْتَنِي، أَو لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقامِ الْكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَو لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شاكِرِ لِنَعْمَائكَ فَحَرَمْتَنِي، أَو لَعَلَّكَ فَقَدْ تَني مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَني، أو لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَو لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفَ مَجَالِسِ الْبَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَني، أو لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعَائِي فَبَاعَدْتَنِي، أو لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتي كافَيْتَني، أو لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيائِي مِنْكَ جَازَيْتَني».
ولكن مع هذا كله نجد الإمام السجاد (ع) يقول: «فَوَعِزَّتِكَ لَوِ انْتَهَرْتَني ما بَرِحْتُ مِنْ بابِكَ، وَلا كَفَفْتُ عَنْ تَمَلُّقِكَ لِمَا أُلِهِمَ قَلْبِي مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِكَرَمِكَ وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ».
جديد الموقع
- 2026-06-06 (كيف يكون الدرس النحْوي الجديد حاضراً حضوراً إبداعيّاً؟)
- 2026-06-06 الإدمان: خلل مزمن يهدد الصحة والمجتمع
- 2026-06-06 المعرفة بين عمر الإنسان والقراءة
- 2026-06-06 عبثية الآلة بوعي الإنسان
- 2026-06-06 سمو أمير المنطقة الشرقية يشرف حفل زواج آل مبارك
- 2026-06-06 افراح بوصبيح والشواف بالهفوف في الكرستال
- 2026-06-06 عبدالله بن مدهش ال عويد عريسا في قاعة الهدا بالأحساء
- 2026-06-05 *علم الكلام الحالي*
- 2026-06-05 الشيخ اليوسف ينعى المرجع الديني الكبير الشيخ الفياض
- 2026-06-05 بالصور .. تدشين حملة التبرع بالدم9 بمركز برّ النجاح بالمبرز