2026/01/01 | 0 | 116
قراءة في كتاب (الشيخ الأحسائي) 2من2
الكتاب : الشيخ الأحسائي، دراسة تحليلية نقدية في الفكر والشخصية
المؤلف : الدكتور السيد طالب الرفاعي
تقديم : جواد الفضلي
الطبعة الأولى : سنة 2025م / 1446 هـ
عدد صفحات الجزء الثاني : 449 صفحة، قياس (17×24 سم)
الناشر: لندن للطباعة والنشر- لندن
مقدمة :
أهمّ المواضيع في الجزء الثاني من كتاب (الشيخ الأحسائي): مناقشة المؤلف لفتوى أستاذه (السيد الخوئي) في حق الشيخ الأحسائي، مع نص رسالة المؤلف التي كتبها لأستاذه الخوئي عام 1988م - بخصوص هذه الفتوى - والتماسه صدور فتوى جديدة تنقض ما جاء في الفتوى السابقة، وبعض التفاصيل تأتي في السطور القادمة. ومن المواضيع الهامة: موقف المؤلف من الشيخ الأحسائي وكيف تحول إلى ولاء وتعاطف.
لكن الهدف العام في الجزء الثاني هو الدفاع عن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي وبيان مكانته العلمية والروحية، والرد على الاعتراضات التي وُجّهَت إليه من قبل البعض، كالشيخ محمد مهدي الخالصي[1]، وشرح منهج الشيخ العرفاني والفلسفي، وتأكيد اتساقه مع عقائد التوحيد والولاية، ودوره في تجديد الفكر الديني، وحدود التقليد، وكيف ينبغي أن تُقرأ آراء العلماء المختلفين بعيداً عن التعصّب والتحيّز.
للقارئ العزيز ...
يعكس هذا الكتاب فكراً وقّاداً ومنهجاً نقدياً رصيناً، تتجلّى فيه شجاعة الطرح ودقة التحليل، وهي سمات بارزة في تجربة السيد طالب الرفاعي ـ حفظه الله.
كما لا يُغفل الجهد المشكور للدكتور جواد الفضلي كاتب المقدمة، والشيخ رياض السليم، والأستاذ جعفر الباقر، والأستاذ عادل قاضي، لما أسهموا به من جهد في إعداد الكتاب للنشر. يحتوي الكتاب على الكثير من المفيد والمُهم والشيّق وما قُدّم هنا غيضٌ من فيض.
مكانة الشيخ الأحسائي في التوحيد والمعرفة :
يؤكد المؤلف أن الشيخ الأحسائي رجل عارف بالله، لا مجال للتشكيك في إخلاصه أوعقيدته في التوحيد والتنزيه، وكل من أنكر عليه ذلك، يقع - بحسب المؤلف - في إحدى فئتين:
إما جاهل لا يعرف حقيقة الرجل ويكتفي بما يصوره له خياله أو يصوره له الآخرون، وإما شخص يجهل جوهر معتقد الشيخ ثم يُنكر من دون معرفة صحيحة، وهو جهل بسيط يمكن علاجه، أما من يجحد ويصرّ على رأيه فهو واقع في «الجهل المركب» ولا سبيل لشفائه.
كما يوضح أن تعظيم الشيخ للأئمة ليس غلواً ولا تجاوزاً، بل نابع من إدراكه لأسرارهم ومقاماتهم الروحية، وأنه يرى أن مكانتهم متناسبة تماماً مع الوحي والعقل والشرع.
علاقة الشيخ بالأئمة ومقامهم الوجودي :
يُبرز الكتاب فكرة مهمة من أفكار الشيخ الأحسائي، وهي اعتباره أن الأئمة عليهم السلام "معادن لكلمات الله وأركان لتوحيده"، كما ورد في (أدعية شهر رجب)، ويرى أن هذا لا يتعارض مع عقيدة التوحيد، لأنهم مخلوقون مربوبون، إلا أنهم وسائط للفيض الإلهي بنصوص دينية معتبرة.
وهذا التصور مرتبط بمنهجه العرفاني الذي يميل إلى اعتبار القلب والفؤاد أصدق من العقل البرهاني المحدود، وهو منهج يقترب من التصوف والعرفان الشيعي الذي يرى أن المعرفة الحقيقية تأتي بالكشف والشهود.
البعد العرفاني في فكر الشيخ الأحسائي :
يعرض الكتاب جانباً من الرؤية العرفانية التي يعتبر المؤلف أنها أساس منهج الشيخ: فالنفس البشرية - بحسبه - تنتقل من عالم الحس إلى الوهم ثم العقل حتى تتصل بالعقل الفعّال، وذلك بعد «تكرر الاتصالات وتعدد المشاهدات» في حال الانقطاع عن الدنيا. وهذه لغة عرفانية رفيعة، يُقر المؤلف بأن العامة قد لا يفهمونها، لكن ذلك لا يبطل صحتها.
بل إن المؤلف يصرّح بأن هذه المعاني لا تُفهم على ظاهرها البسيط، وإنما تحتاج إلى خبرة روحية وتدرّج معرفي.
دور الشيخ الأحسائي العلمي ومكانته في الحركة الفكرية :
يتحدث المؤلف عن إنتاج الشيخ العلمي الغزير وكيف شكّل جزءاً من الحركة العلمية في زمانه، وأن نتاجه لا يخلو من إبداع وابتكار. " ويصفه بأنه من أصحاب «العبقريات الفذّة» التي تستقي معارفها من منابع لا يصل إليها غيرهم.[2] "
كما يربط المؤلف بين ظهور أمثال الشيخ وبين تحوّل الحركة العلمية من الجمود إلى التجديد، فلو بقيت العلوم أسيرة التقليد، لما حدث أي تقدم، لذلك يرى المؤلف أن أمثال الشيخ الأحسائي كانوا من أسباب تطور الفكر والاجتهاد وتحريك العقل الشيعي نحو التجديد والتقدّم، وأن دوره لا يمكن عزله عن الحركة العلمية التي حررت العقل من الجمود[3] وأن من اتخذ موقفاً سلبياً من الشيخ قد حرم نفسه ومن حوله من فوائد كثيرة أضافها الشيخ للفكر الإمامي.
المنهج العادل في نقد الشيخ الأحسائي :
يقدم المؤلف رؤية مهمة في كيفية نقد العلماء، مؤكدًا أنه ينبغي النظر إلى آراء الشيخ بعين (القاضي العادل)[4] الذي يوازن بين السلبيات والإيجابيات، ويضع أمامه قاعدة: (أصالة براءة المتهم) فلا يجوز التعامل مع الشيخ بعقلية الاتهام المسبق أو الاستناد إلى الشائعات والاتهامات التقليدية.
ويستنكر المؤلف على الذين يسيئون الظن بالشيخ دون قراءة أعماله، أو الذين يتسرعون في إطلاق الأحكام الغليظة عليه، ويرى ضرورة قراءة الشيخ قراءة علمية، وفق منهج يوازن بين الأدلة، ويستحضر أصالة البراءة، بعيداً عن الاتهامات الجاهزة أو القراءة السطحية لمصطلحاته.
العلاقة بين التقليد والابتكار في فكر الشيخ الأحسائي :
من القضايا التي يعالجها الكتاب: أن التقليد الأعمى يعطل حركة العلم، بينما الجرأة على التفكير وفتح آفاق جديدة هي التي تحيي المعرفة، ولذلك كانت شخصية الشيخ الأحسائي مثالاً لمن (شقّ طريقه) رغم الاعتراضات.
ويشير المؤلف إلى أن الانغلاق الفكري يحوّل العلوم إلى جمود، بينما الإبداع هو الذي يربط العقل المسلم بالحياة والتطوير.
أثر الشيخ في قضية الولاية وأحاديث الإيمان :
يورد المؤلف مجموعة من الأحاديث والروايات المتعلقة بفضل أمير المؤمنين وشيعته، ويبيّن أن الشيخ الأحسائي يربط مستوى الإيمان بمقام الولاية لأهل البيت. ويرى المؤلف أن هذا الأمر منسجم تماماً مع النصوص الدينية التي تربط الدين بحقيقة الولاية، وأنه لا يعدّ غلواً أو مبالغة.
من أبرز التهم التي وُجهت إلى الشيخ :
1- اتهامه بالغلو
يُتهم الشيخ بأنه يرفع مقام الأئمة إلى حدّ لا يقره الشرع، وهذا أيضاً ينفيه المؤلف، مبيّناً أن تعظيم الشيخ للأئمة نابع من نصوص دينية ومنهج معرفي أصيل، وأن الإشكال ليس في الشيخ، بل فيمن لم يفهم لغته العرفانية الرفيعة وأنه لم يقل بشيء لم يقل به علماء الإمامية المتقدمون.
2- اتهامه بتبنّي أفكار فلسفية دخيلة
حسب المؤلف، يعتمد الشيخ على لغة فلسفية - عرفانية في شرح بعض المعاني الوجودية، كما أنه استعمل الفاظاً ومفاهيماً جديدةً كغيره من المبدعين والمؤسسين، لكنه لا يتبنّى الفلسفة المشائية ولا غيرها، وهذا ما جعل بعضهم يسيء فهمه، لأنهم يرون المفاهيم بظواهرها اللغوية دون التعمق في بنيتها المعرفية، يشير المؤلف إلى أن كثيراً من خصوم الشيخ تعاملوا مع عباراته بظاهرية لغوية أدت إلى اتهامه بما لم يقل به، يقول العلامة الرفاعي: "وما رأيت شيئاً مما قاله الشيخ ليس له أصلٌ في الكتاب والسنة وأحاديث الأئمة الهداة (ع)، فلا أدري لم كان الشيخ وأتباع مدرسته للسهام غرضاً " [5]
- المنهج العرفاني للشيخ الأحسائي: بين الكشف والعقل
يخصص المؤلف مساحة كبيرة مهمة لشرح البنية العرفانية في فكر الشيخ، ويقدّم تفسيراً رصيناً للغة الكشف[6] والشهود التي يعتمد عليها، " وبالتصافي ونبذ التعصب نستطيع أن نفهم جيداً أن الشيخ الأحسائي قد حصل على كثير من الأفكار العقلانيّة في ضروب المعرفة الدينية وغيرها، كما حصل على الكثير من الأسرار التي عرضت له أثناء مساره العلمي، ومن تلك المعارف التي كوشف بها أو أدركها بذوقه، هاتيك الرؤى المناميّة التي لاحت فيها مقابلاته لبعض الأئمة عليهم السلام، التي أوضحت له أموراً كثيرة مما يقع تحت المشاهدة الحسيّة ولا تدركه الأفهام الاعتيادية" [7].
1. المعرفة بالقلب لا بالعقل فقط
يؤكد المؤلف أن الشيخ يلتقي مع مدارس العرفان الصافي في اعتبار القلب والفؤاد أصدق وسائل تحصيل المعرفة، لا سيما في المعارف الإلهية التي تعجز العقول المحدودة عن الإحاطة بها، وهذا المنهج لا يلغي العقل، بل يعترف بحدوده.
2. الترقي من المحسوسات إلى المعقولات
ينقل المؤلف تحليلًا مفصّلاً لتدرّج النفس في المعرفة: من الحسّ إلى الوهم إلى العقل، حتى تصل إلى الاتحاد بالعقل الفعّال اتحاداً عقلياً، بعد تكرر المشاهدات والكشوفات الروحية التي تتحقق عند الانقطاع عن المواد الحسية.
هذه الأفكار ليست غريبة عن العرفان الشيعي، لكنها تتطلب استعداداً روحياً ومعرفيّاً لفهمها، وإلا وقع القارئ في سوء الظن أو سوء الفهم.
رؤية الشيخ الأحسائي لمقامات الأئمة :
يشدد المؤلف على أن الشيخ الأحسائي يرى أنّ للأئمة عليهم السلام مقامات تكوينية وتشريعية، لكنها لا تمسّ مقام الألوهية، ولا تُخرجهم عن كونهم عباداً مكرّمين.
مقامات الأئمة ليست حلولاً ولا اتحاداً :
يوضح المؤلف أن قول الشيخ بالعلل الأربع وبدور الأئمة في الكون لا يساوي القول بالحلول أو الاتحاد بين الخالق والمخلوق، بل هو تفسير عرفاني دقيق لموقعهم في الفيض الإلهي.
تجاوز التقليد وإحياء الاجتهاد :
يذكر المؤلف أن الجمود العلمي يقود إلى إغلاق أبواب التقدّم، وأن ظهور أمثال الشيخ كان سبباً في تحريك الفكر نحو الإبداع والابتكار[8]، ويشبّه دوره بدور العلماء المصلحين الذين أعادوا للعقل مكانته، دون تفريط بالنص الشرعي.
موقف المؤلف من فتوى السيد الخوئي :
يذكر المؤلف أن أحدهم طرح سؤالاً على السيد الخوئي مستفتياً أو مستوضحاً عن عقيدة الشيخ الأحسائي القائل بالعلل الأربع ويعني بها العلل: (الفاعلية، والمادية، والصورية، والغائية) فكان جواب السيد الأستاذ - الكلام هنا للمؤلف -: إن القائل بمضامينها (أي العلل الأربع) لا يكون من أهل التوحيد الصحيح.
وفي مناقشة الفتوى أختار السيد الرفاعي أن يقدم سياقاً عاماً يذكر فيه منهج أستاذه السيد الخوئي في البحث ، وكيف أنه يتحلى بالانفتاح والموضوعية والحرية العلمية ثم يذكر تأثير السيد الخوئي في تحرير عقول طلابه وهذا ما قوى ملكة الاجتهاد ولاستقلال في نفوس طلابه، ثم يذكر السيد الرفاعي أنه يعتبر مناقشته لأستاذه الخوئي عملاً علمياً في نطاق الدليل[9].
ويشرح أن أستاذه السيد الخوئي بنى موقفه على ظاهر القول، وهذا موقف صحيح فقهياً، لكن الشيخ الأحسائي له منهج عرفاني اعتمده في النظر إلى مثل هذه الأقوال، وهو منهج مخالف كل الاختلاف لمنهج الفقهاء[10]، لأنه لم يقصد (العلل الأربع) بالمعنى الظاهري، بل بالمعنى الملكوتي النوراني المرتبط بالحقيقة المحمدية، وهي مفاهيم عرفانية سبقت الشيخ في التراث العرفاني والشيعي معاً وأن الفرق بين المنهجين الفقهي والعرفاني هو سبب الخلاف، وليس انحرافاً أو شركاً.
تفسير المؤلف لسبب صدور الفتوى :
ذكر المؤلف ما نصه: "فإن الذي دفع السيد الأستاذ لأن يقول في الشيخ الأحسائي، واتباعه ما قاله في الفتوى الصادرة بقلمه الشريف، لم يكن عداءً شخصياً، لأن مقام سيدنا الأستاذ أرفع من ذلك، وإنما قال ذلك دفاعاً عن شرف التوحيد، وتنزيهاً لمقام الوحدانية البحتة الحقة الصرفة، خصوصاً بعد أن رأى في كتب الشيخ نفسه ما ظاهره أنهم (ع) علة لغيرهم من دونهم، وقوله أيضاً أن (العلّة الفاعلية) بهم والعلّة المادية منهم، والعلّة الصورية بهم، والعلّة الغائية هم.
فلما رأى السيد الأستاذ (قدس سره) ظاهر مثل هذه الكلمات وغيرها المشابه لها كثيراً في كتب الشيخ وكلماته، أصدر فتواه بأن هذه الكلمات منافية لأبسط مفاهيم التوحيد"[11].
يبدي المؤلف احتراماً كبيراً للسيد الخوئي، ويؤكد أنه كان: من المتفوقين في حرية الرأي واحترام الرأي المخالف، وأنه نفسه ـ المؤلف ـ تعلم من أستاذه الخوئي كيفية الاختلاف يقول: " تقدم رأينا المخالف لسيدنا الأستاذ الخوئي، ومنه أخذنا وتعلّمنا أصولَ الاختلاف في الرأي مع الأستاذ وغيره" [12]، والاختلاف سنة العلم جارية في السابق واللاحق.
ثم يذكر السيد الرفاعي نص رسالته التي كتبها لأستاذه السيد الخوئي، بخصوص هذه الفتوى تحت عنوان "رسالتي إلى السيد الأستاذ!"[13]. يبدؤها بعد البسملة: سيدي الأستاذ الأعظم "آية الله الإمام السيد الخوئي دام ظله الوارف على الرؤوس"[14] ثم يسرد نقاشاً يليق بمقام التلميذ مع أستاذه، إلى أن يذكر تحت عنوان: "فتوى استدراكية!" الراجح في النظر عندي بعد تتبعي لأحوال الشيخ الأحسائي من خلال دراسة نصوص كتبه، لا من خلال كلمات المادحين له والقادحين، أن أستاذنا الأعظم الإمام الخوئي صاحب التأمل الغائر التام في كل ما يعرضه من بحوث علميّة ونظرات، لو استظهر أقوال الشيخ أحمد في شرحه لـ (الزيارة الجامعة)، و(جوامع الكلم) لرأى أن الأحسائي من جملة علمائنا العرفاء الذين لهم مذاق خاص، ومنهج متميّز كما صرّح بذلك جماعة من كبار علمائنا الأبرار، أمثال : الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والشيخ الأميني (صاحب الغدير)، والشيخ عباس القمي، والسيد الخُنساري صاحب (روضات الجنات)، وغيرهم من أمثال: (الشيخ جعفر كاشف الغطاء) و(السيد مهدي بحر العلوم) و(الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي)، وغيرهم ممن اشادوا بعلمه وأفكاره ومحامده.
إلى أن يقول - السيد الرفاعي- في رسالته: " ويسرّني أن أقرأ لأستاذي الجليل فتوى جديدة تنقض ما جاء في الفتوى السابقة التي فجعت قلوب أبنائكم المؤمنين، ومنهم المخلص طالب الحسيني الرفاعي، حررت هذه الرسالة في 12/ 10/ 1988 أيام حياة السيد الأستاذ" [15].
هذا ما يمكن نقله بخصوص الفتوى من النقاش والتفاصيل المطولة التي ذكرها المؤلف ولمن أراد المزيد يمكنه مراجعة الفصل السابع من الجزء الثاني من كتاب (الشيخ الأحسائي).
يتبنى المؤلف رؤية معرفية لتفسير الخلاف حول الشيخ :
1 - الخلاف ناتج عن اختلاف المناهج العلمية
فمن يعتمد المنهج (الكلامي) التقليدي قد يستغرب اللغة (العرفانية)، ومن يعتمد (الفلسفة المشائية) قد يستغرب (منهج الكشف)، أما من جمع بين المصادر الثلاثة (النقل، العقل، الكشف) فإنه يجد كلام الشيخ متناغماً مع منظومته المعرفية.
2- السياق الاجتماعي للنقد
عند التأمل يتضح أن كثيراً من التهم وُجهت إلى الشيخ في سياقات اجتماعية أو سياسية، لا مجرد نقد علمي.
3- خطورة القراءة الحرفية لكلام العرفاء
يشدد المؤلف على أن لغة العرفان لا تُقرأ كالنص الحرفي في المنطق أو الكلام، بل تحتاج لخبرة.
موقفي الأول من الشيخ الأحسائي :
يقول المؤلف عن السبب الذي جعله منكراً متعصباً : " وما ذاك إلا لأنني أرخيت لسمعي العنان لأن يتلقى ما يثار حول شخصيّة الشيخ من ظنون وشكوك واتهامات، فكنت أقبل ذلك دونما دليل.. إلى أن يقول: فمن يقبل رأياً أو يردُّ حكماً.. من دون دليل أو برهان، فهذا ليس من العلم وطلبه في شيء، وليس بعالم حقاً مهما حمل من ألقاب وأوسمة علميّة " [16].
هنا يذكر المؤلف أنه في طوره الجديد قرر أن يُنشِئ علاقة معرفيّة جديدة بينه وبين الشيخ الأحسائي : " أصحبه فيها صحبةَ الباحث عن الحقيقة من مصدرها الأم حتى أقتنع بأن ما تداولته الألسنُ وتلقاه أو تلقّفه سمعي، أو ما رشح من قراءتي لبعض كتابات خصومه، ليس هو الضالة التي أنشدها.. إلى أن يقول: ومن ذلك التاريخ أخذت أقرأ للذين ترجموا حياة الشيخ، وتبيّن لي من خلال ما كتبه أحد الأعلام الراسخين في فن الترجمة، عنيتُ به صاحب (روضات الجنات) السيد الخوانساري، أن أفكاري عن الشيخ الأحسائي، وتعصّبي ضدّه ما كان له من مبرر علميّ، وتبيّن لي كذلك أنه من خيرة العلماء أصحاب النظرات الثاقبة والنظريات الصائبة ..." ثم يذكر ما نصه : "وبعد أن تكشّف لي أن الشيخ الأحسائي عالمٌ مفكّر ذو شأن في الفقه والأصول والكلام والفلسفة الالهّية والعلوم الرياضيّة وغيرها من فنون وأفانين، امتدت يدي إلى قراءة كتابه (شرح الزيارة الجامعة)، وما أن رحت أغوص في أعماقها حتى بدأت أحس بنقص معلوماتي ومعارفي، وشرعت أتساءل: .. ألم يجعل الإسلامُ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ألا يدفع هذا كلَّه العالم، وطالب العلم إلى التحقيق الدقيق ليتعرف أكثر فأكثر على الحقائق، ولا يأخذ بكل ما يسمع ويقرأ أخذ المسلمات"[17] ثم يذكر المؤلف أنه استمر في قراءة جادة متواصلة تصل إلى نصف قرن عن كل ما يتصل بالشيخ الأحسائي، وهي مدة كافية لإدراك الصواب من الخطأ، وقد انصب اهتمامه لا على نقود الخصوم وطعون المناوئين، بل كان منشغلا بمؤلفات الشيخ وتراثه، ثم يقول : "وهذا ما زادني قناعة أن قراءة أولئك المخالفين لم تنطلق من نظرات يمكن أن يقال عنها محايدة - سامح الله الكثير منهم - بل كان منطلقهم مواقفَ فكريّة مسبقة أو عاطفية منفعلة" [18].
خاتمة :
يَخلص المؤلف إلى أن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي شخصية محورية في الفكر الإمامي، شخصية لها حضورها ولا يمكن اختزالها في الاتهامات التي وُجهت إليها، وأنه شخصية خالدة ولا يقدر الموت أن يخفي الخالدين، وأن المتهمين له ليسوا من أقرانه وما هم من فرسان ميدانه [19]، فهو: موحّدٌ مخلص، عالمٌ مجتهد، عارفٌ بالله رمي بالاتهامات لأسباب اجتماعية، أكثر من كونها اختلافات منهجية.
[1] - السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي دراسة تحليلية نقدية في الفكر والشخصية، الجزء الثاني، ص299، ط1، لندن للطباعة والنشر، 1443هـ /2025م. ناقش المؤلف الشيخ الخالصي في حوالي 15 صفحة وغيره الكثير، كما ناقش (ناصح بصري) وهو اسم مستعار لكاتب قال عن الشيخ أحمد الأحسائي أنه أحد قسيسي الغرب في إندونيسيا. راجع المجلد الثاني الصفحة 299 وما بعدها.
[2] - السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي دراسة تحليلية نقدية في الفكر والشخصية، الجزء الثاني، ص440، ط1، لندن للطباعة والنشر، 1443هـ /2025م.
[3] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص437.
[4] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص441.
[5] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص437.
[6] - للمراجعة (الرشتي مفصحاً عن المعرفة الكشفية) المصدر السابق، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص348.
[7] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص347.
[8] - للمراجعة، المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص440.
[9] - للمراجعة، المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص 398.
[10] - للمراجعة، المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص399.
[11] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص399.
[12] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص401.
[13] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص400.
[14] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص402.
[15] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص404.
[16] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص425.
[17] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص429.
[18] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص429.
[19] - المصدر السابق، السيد طالب الرفاعي، الشيخ الأحسائي، الجزء الثاني، ص442.
جديد الموقع
- 2026-01-01 المعرض الثالث لمنتجي الماعز القزم في الأحساء حضور مميز
- 2026-01-01 "زاتكا"تعلن عن صدور قرار وزير المالية بتمديد مبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين حتى 30 يونيو 2026م
- 2026-01-01 جامعة جدة تطلق ملتقى البحث والابتكار وتكشف عن إنجازاتها واستراتيجيتها الجديدة نشر أكثر من 10000 بحث علمي
- 2026-01-01 صورة ذاتية (سِلْفي) مع كتاب!
- 2026-01-01 يأخذني الشعر إلى حياة أخرى
- 2025-12-31 *لقاء ثقافي يناقش السرديات الشفهية ومنهجية التوثيق*
- 2025-12-31 القراءة والأنساق الثقافية
- 2025-12-31 الفرق الشعبية في الأحساء بين حفظ التراث وتضييعه
- 2025-12-31 أنشودة الفلاح الأحسائي
- 2025-12-31 *جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل تطلق برنامج القيادة في الرعاية الصحية لمتدربي زمالة طب الأسرة والبورد السعودي*