2026/10/10 | 0 | 70
قبل أن تضغط " إرسال "
في زمنٍ باتت فيه المسافات تُختصر بلمسة إصبع، أصبحت الأخبار تطير من هاتف إلى آخر، وتعبر المدن والحدود في ثوانٍ معدودة؛ لا تستأذن عقلًا ليتحقق منها، ولا تطرق باب ضمير ليتأمل عواقبها، حتى غدا انتشار الخبر أحيانًا أهم من معرفة حقيقته.
ولعلّ من أبلغ ما يوجّه سلوكنا في هذا الفضاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»؛ توجيه نبوي عظيم يضع أمامنا مسؤولية الكلمة، ويحذّرنا من أن نكون مجرّد ناقلين لكل ما يصل إلينا، دون تثبّت أو تفكير.
فليس كل ما تسمعه حقيقة، وليس كل حقيقة جديرة بأن تُذاع، وليس كل ما يمكن نشره ينبغي نشره. تلك ثلاث قواعد لو استقرّت في وعينا، لتغيّر كثير من المشهد المضطرب الذي نراه كل يوم في فضاءات التواصل الاجتماعي.
لكنّ التثبّت من صحة المعلومة، على أهميته، ليس وحده معيار النشر؛ فليس كل صحيحٍ جديرًا بأن يُذاع، وليس كل ما نعرفه نافعًا أن ننقله. فقد تكون المعلومة صحيحة، لكن نشرها يسيء إلى إنسان، أو ينتهك خصوصيته، أو يثير فتنة لا خير فيها. وهنا يبرز سؤال ينبغي أن يسبق كل رسالة: ما الفائدة من نشرها؟
ومع الأسف، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، من واتساب وسناب شات إلى تيك توك، ساحاتٍ تتسابق فيها الأخبار، وتُتداول فيها المقاطع خارج سياقاتها، وتنتشر فيها الشائعات حتى يظنّها الناس حقائق. وقد تبدأ الإشاعة برسالة مجهولة، ثم تتناقلها الأيدي، حتى تكتسب من كثرة ترديدها مصداقيةً زائفة؛ وكأن تكرار الكذبة يمنحها صكّ الحقيقة!
إن خطورة الإشاعة لا تقف عند حدود التضليل، بل قد تتجاوزها إلى تشويه السمعة، وإفساد العلاقات، وإثارة الخوف والبلبلة. وما أسهل أن نضغط زر الإرسال في لحظة، وما أصعب أن نُصلح ما قد يترتب عليه من أضرار.
إن الوعي الحقيقي لا يُقاس بسرعة النشر، ولا بكثرة ما نتداوله، بل بحسن اختيار ما ننقل، والقدرة على التريث حين يندفع الآخرون. فالكلمة أمانة، والنشر مسؤولية، والامتناع عن تداول خبرٍ مشكوك فيه ليس عجزًا عن المشاركة، بل فضيلة تحمي المجتمع وتصون كرامة أفراده.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نُعيد الاعتبار إلى فضيلة الصمت حين يكون الكلام ضررًا، وإلى التثبت حين يكون الخبر ملتبسًا، وإلى الحكمة حين تكون المعلومة صحيحة ولكن نشرها لا يحقق نفعًا. فليس الصمت دائمًا عجزًا عن الكلام، بل قد يكون ذروة الحكمة.
إننا بحاجة إلى أن نُربّي في أنفسنا، وفي أبنائنا، ثقافةً جديدة في التعامل مع المعلومة؛ ثقافةً تجعل السؤال عن المصدر عادة، والتفكير في العواقب مسؤولية، والبحث عن الفائدة شرطًا قبل النشر. فالعالم الرقمي، على اتساعه، لا يعفينا من أخلاقنا، والشاشة التي تفصلنا عن المتلقي لا تُسقط عنا مسؤولية ما يصل إليه من خلالها
قبل أن تضغط زر الإرسال، اسأل نفسك: هل تحققت من صحة ما أنقل؟ وهل في نشره منفعة؟ وهل أقبل أن أكون سببًا في تضليل أحد أو إيذائه؟
فليس كل ما يُقال يُنقل، وليس كل ما يُعرف يُذاع، وليس كل سبقٍ في النشر فضيلة. وقد يكون أعظم ما تقدّمه للناس خبرًا لم تنشره، وإشاعةً أوقفتها، وكلمةً آثرت ألا تقولها؛ لأنك أدركت أن الأمانة ليست فيما نتحدث به فحسب، بل فيما نختار ألّا نتحدث به أيضًا
فلنجعل من التثبّت خُلُقًا، ومن الوعي منهجًا، ومن أمانة الكلمة عهدًا؛ فليس المطلوب أن نكون أسرع الناس إلى نقل الأخبار، بل أصدقهم في نقلها، وأحكمهم في تقدير جدوى نشرها.
جديد الموقع
- 2026-10-10 لماذا تتداخل ذكريات الأحداث المتشابهة مع التقدم في السن، وما التبعات الاجتماعية لذلك؟
- 2026-10-10 افراح الغزال والحواج بالهفوف
- 2026-10-10 (جَدِّي الذي دَلَّني على طريقِ جماليَّاتِ النص)
- 2026-10-10 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الخامسة: الأنعام... حين تصبح النعمة آية*
- 2026-10-10 قراءة في كتاب أعلام آل أبي بوخمسين
- 2026-10-10 قراءة في كتاب الكتابة وإلهام القراءة
- 2026-10-10 العلاقات بين الأجيال.. فجوة أم اختلاف صحي؟
- 2026-10-09 الفتح يوقّع اتفاقية رعاية وشراكة مع شركة سويتر
- 2026-10-09 الفتح يوافق على إعارة الحارس عبدالهادي العلوان إلى النصر
- 2026-10-09 الفتح وخالد العطوي ينهيان العلاقة التعاقدية بالتراضي