2014/09/09 | 0 | 1674
ضد الجدار
* لا تتناسل الجدران إلا لكي تمارس على ذاتها نوعاً من الانتخاب الطبيعي، فمبدأ البقاء للأقوى والأذكى يقود إلى انقراض تلك السلالة المادية البدائية لكي تبقى وحدها جدران الثقافة، كحواجز مواربة لا تقوم إلا لكي تبقى
في حوار نشرته مجلة الدوحة الثقافية إلى جانب مجموعة من المقالات والحوارات ضمن الكتاب المجاني الملحق بعددها الأخير «أغسطس 2014» حاول السيميولوجي البلغاري «تزيفتان تودوروف» إجراء تصنيف فريد يشمل جميع أنواع الجدران، فالأخيرة ليست متماثلة كما يبدو للوهلة الأولى، إن لها أنواعاً هي من الكثرة بحيث تبزّ عبقرية أشد علماء البيولوجيا ولعاً بالتصنيف. الجدران التي تفصل بين الثقافات وتحد الأوطان بآلاف الحواجز المرئية واللامرئية أكثر بكثير مما كنا نتخيل.
يمكن للذاكرة أن تعود مع تيودوروف إلى سور الصين العظيم المانع دون تدفق السيل الهمجي من الشمال، أو جدار هادريان لحماية الإمبراطورية الرومانية أو الحصون المنيعة ذات الأبواب الشاهقة التي تجعل المدينة مجرد طباق لمعسكر اعتقالي، لكن يمكننا من ناحية أخرى توفير الجهد على الذاكرة، إذا ما تابعنا تيودوروف في تصنيفه الشيق للجدران المعاصرة: جدار برلين، الجدار الإسرائيلي، الجدار بين الكوريتين، الجدار الذي يقع في كشمير فاصلاً الهند عن باكستان، وأخيراً جدار الأغنياء لحماية الأثرياء من الفقراء، لعزل شمال العالم عن جنوبه. هذا دون تجاهل الأنواع الأقل ثباتاً وديمومة ولكن الأكثر تعبيراً ودلالة كخط «ماجينو» الذي فشل في تحقيق هدفه بتحايل نازي بسيط في الحرب العالمية الثانية.
الجدران تتناسل تماماً كالكائنات الحية، هناك جدار ضد الأجنبي، وجدار ضد المواطن نفسه، وهناك جدار حديدي ناجم عن الحرب، وآخر مناهض للمهاجرين، وإلى جانب هذه الجدران المتكاثرة إلى ما لا نهاية، تأتي في الأوج تلك الأصناف اللامرئية، إن كل جدار ليس سوى تجسيد مادي لجدار لا مرئي. كل الجدران السابقة تنتصب على التخوم بشكل مادي ملموس، تحمي أوطاناً أو جماعات أو إمبراطوريات، ولكن لأنها جدران مادية تشيد بالحجارة أو بالفولاذ فمآلها السقوط كما سقط جدار برلين، وكما سيسقط كل جدار عنصري، في فلسطين أو في أي مكان آخر، إلا أن كل الأشكال تهون قياساً لتلك التي تمثل دور درع حصين يحمي الهوية: الجدران التي تقيمها الثقافة لنفسها وضد نفسها.
لا تتناسل الجدران إلا لكي تمارس على ذاتها نوعاً من الانتخاب الطبيعي، فمبدأ البقاء للأقوى والأذكى يقود إلى انقراض تلك السلالة المادية البدائية لكي تبقى وحدها جدران الثقافة، كحواجز مواربة لا تقوم إلا لكي تبقى، لكي تخلد بتسللها إلى داخل الفرد، إلى وجدانه وسلوكه، هذا الجدار يبتلع الثقافة، يحاصر الهوية ويقولبها قبل أن يكونها: يصبحان شيئاً واحداً.
على أن هذا الجدار سيتعزز أكثر بإجراءات «تنويرية» تبدأ بالتعليم ولا تنتهي عند الإعلام الموجه، وكلها تتمحور حول هدف أساسي نبيل: أمثلة الذات وشيطنة الآخر، بحيث تتحلل الثقافة/ المواطنة/ العقيدة، وتصبح فاشية معبأة بكراهية الآخر وعبودية الذات، تصبح الثقافة هوية لا تتزحزح، تتقلص الهويات لتصبح بصيغة المفرد «الهوية بألف لام التعريف»، تصبح الهوية مطلقة، تتمثل حيناً في مواطنة فاشية أو انغلاق ثقافي وتسفر عن وجهها في شكل طائفية حيناً آخر. وإذا كان تدوروف وهو الأنثربولوجي الضليع لا ينفك يؤكد على أن كل ثقافة هي في جوهرها خلاسية أو هجين دون أب شرعي، فإنها مع هذا الجدار الشاهق ستبدو مثل هوية ثابتة ومغلقة لا تفعل سوى أن تتأمل ذاتها باستمرار، مثل نرسيس حالم!.
كل شيء في ثقافة الجدار أو جدار الثقافة يبدو خاضعاً للتمفصل، لاستقطاب حاد لا يكتفي بتقطيع المكان إلى حدود جغرافية بين داخل الوطن وخارجه، وإنما يتسع ويتمدد لإرساء التقابل المألوف بين الذات التي تتخذ صيغة مؤمن أو مواطن والآخر الذي يبدو أجنبياً منبوذاً همجياً، بل يدخل التمفصل متوغلاً في أحشاء الوطن نفسه، مقيماً جداراً داخلياً بين مواطنة صالحة وأخرى طالحة، فكما أن كل آخر هو أجنبي لا يحظى بعناية الجماعة بقدر ما يستوجب الاستئصال، فإن أي معارضة داخلية ستبدو حتماً خارج تعريف المواطنة، وما ذلك إلا لأن الثقافة الممتزجة بالجدار، أي الثقافة المغلقة المقترنة بالهوية الثابتة والمتجانسة، تستدعي تجانساً مماثلاً في الجماعة، بحيث يبدو كل تفرد، كل مغايرة، كل اختلاف، كل معارضة، كل ذلك سيبدو بمنزلة تهديد أو خروج على الجماعة.
ما من وطن إلا ويستدعي جداره، يقترن بحدود وأسيجة، وطن دون جدار وطن مستحيل، الجدار ضروري ضرورة الوطن والمأوى والبيت والجحيم، ضروري ما دام الوطن يتخذ في أحيان كثيرة صفة إقامة جبرية، تماماً كاللغة والثقافة التي نتوارثها، فلأننا لا نختار أوطاننا، لا نختار لغتنا أو ثقافتنا، فستبدو مثل جدران شاهقة أو أقفاص محكمة لا تفعل سوى أن تخنق وتقتلع كل نية للتغاير، تبدو الجدران هنا كقدر، كما لو كانت ترغمنا على الصلاح والهداية، كما لو كانت تحملنا على الانتماء قسرياً، مثل إكراه حضاري بامتياز.
الجدار يمنع الأجنبي البربري من الدخول، إذ خلف الجدار يوجد دائماً البرابرة، كما يعلمنا تودوروف، ولكنه بالمثل يمنع المواطن من الخروج، يبقيه في مكانه وضمن حدوده اللائقة وفي حيز محدد بدقة، يؤدي الجدار هنا ببراعة دور سرير بروكوست في الأسطورة اليونانية، فلكي يتماثل الفرد مع جماعته، مع الوصفات الوطنية الجاهزة، فإن ثمة قاطع طريق أسطوري متمرس تماماً في كل عمليات الشد أوالبتر، التمديد أو التقليص، النفي أو الإقامة القسرية، وكل ذلك طبعاً لإنجاز ذلك التماثل المدهش والمساواة الأسطورية بين أفراد الجماعة.. وما على بروكوست إلا أن يشحذ مقصه!.
جديد الموقع
- 2026-04-04 الهميلي تتألقُ في يوم المرأة العالمي
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"