|
|
|
يعاني حوالي 15% من سكان العالم من الصداع النصفي، وهو حالة عصبية قد تسبب الصداع والغثيان ومشكلات في الرؤية وحساسية للضوء وللصوت.
يُعدّ الصداع النصفي سببًا رئيسًا للإعاقة على مستوى العالم، إذ يحتل المرتبة الثالثة بين الأمراض العصبية بعد السكتة الدماغية وإصابات الدماغ لدى حديثي الولادة (1) [إصابات الدماغ هي الأضرار الخطيرة التي تحدث في الفترة المحيطة بالولادة والناتجة عن نقص الأكسجين ونقص التروية والرضوخ أثناء الولادة وهز الرضيع والنزيف الدماغي والسكتة الدماغية (2)].
ويقول مايكل موسكوفيتز Michael) Moskowitz) (3)، أستاذ علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد في مستشفى ماساتشوستس العام، إن هذه الحالة لا تحظى بالعلاج الكافي ولم تُفهم فهمًا جيدًا. وقد أحدثت الدراسات التي أجراها مايكل موسكوفيتز في كلية الطب بجامعة هارفارد ثورة وأسهمت إسهامًا كبيرًا في تعزيز فهمنا للصداع النصفي، وعمقت المعرفة بسبب فعالية بعض العلاجات، وساعدت في تطوير علاجات جديدة يستخدمها المرضى اليوم.
عندما بدأ موسكوفيتز مسيرته المهنية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان فهم الأطباء للصداع النصفي محدودًا. وكانت نتائج صور أدمغة المرضى تبدو طبيعية تمامًا، ولم يكن هناك أي خلل ظاهر يمكن تشخيصه. يقول موسكوفيتز: "عندما بدأتُ العمل في هذا المجال، كان الكثير من الأطباء يعتقدون أن الصداع النصفي لا يعدو عن كونه مشكلةََ نفسية. لكن ما بدا لاحقََا لم يكن كذلك ولم تكن حالة بسيطة، أو صداعًا متوهمََا، بل اضطراب عصبي حقيقي وخطير، حتى لو لم تتمكن تقنيات التصوير الطبي القديمة من تشخيصه.
وجد موسكوفيتز أن الباحثين لم يسبق لهم تتبع شبكة الأعصاب الناقلة للإحاسيس من دائرة ويليس (دائرة شريانية دماغية) (4)، وهي شبكة من الشرايين في الطبقة الداخلية من السحايا التي تغذي الدماغ بالدم. فالدماغ نفسه لا يحس بالألم، لكن السحايا، وهي الأغشية الثلاثية التي تغطي الدماغ، تحس بالألم. وبدا موقع الاحساس بالألم موقع انطلاق واعدة لإيجاد العلاج.
لذا، وباستخدام تقنية جديدة تعتمد على البوليمرات، طُوّرت بالتعاون مع المهندس الكيميائي روبرت لانغر (Robert Langer) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أثبت موسكوفيتز أن الألياف العصبية التي تحيط بدائرة ويليس تعود إلى الدماغ عبر العصب ثلاثي التوائم (5)، الذي ينقل أيضًا الإحساس من الجبهة، وهي المكان الذي يُشعر منه بالصداع غالبًا. ثم اكتشف مختبره أن هذه الأعصاب تفرز ببتيدات عصبية، مما يُحدث سلسلة من التفاعلات تُسبب التهاب السحايا وظهور الصداع النصفي وتفاعلات بيلوجية أخرى تتجاوز التهاب السحايا، وتُسهم مجتمعةً في حدة أعراض الصداع النصفي واستمرارها.
كان ذلك الاكتشاف بمثابة تحول جذري من الاعتقاد الذي ساد سابقًا عن أسباب الصداع النصفي، والذي كان يرتكز على أن سببه الوحيد هو توسع الأوعية الدموية.
وفي دراسات لاحقة، أثبت موسكوفيتز أن أدوية الصداع النصفي التقليدية، المعروفة بـ الإرغوت (ergots) والتريبتانات (triptans)، تعمل بطريقة مختلفة تماماً وغير متوقعة عما كان يُفترض لها: فبدلاً من تضييق الأوعية الدموية، تعمل هذه الأدوية على منع إفراز تلك الببتيدات العصبية الضارة من الألياف العصبية المحيطة بالسحايا في المقام الأول، ما يوقف سلسلة التفاعلات التي تؤدي إلى التهاب السحايا والشعور بالألم.
قال موسكوفيتز: "لقد غيّر هذا الإكتشاف الجديد مائة سنة من المفاهيم السائدة المتعلقة بآلية عمل." كما أدى إلى ظهور فئة جديدة من الأدوية التي تمنع إفراز الببتيدات العصبية دون أن تؤدي إلى تضييق الأوعية الدموية. بالإضافة إلى ذلك، أدى إلى تطوير أدوية وأجسام مضادة تحجب عمل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين (CGRP)، وهو ببتيد عصبي رئيس متورط في تسبيب نوبات الصداع النصفي. ولا تزال هذه العلاجات تُستخدم على نطاق واسع حتى اليوم. وأضاف موسكوفيتز، الذي حصل عام 2021 على جائزة الدماغ لمساهماته في أبحاث الصداع النصفي (6)، أن الببتيدات العصبية الأخرى التي اكتُشفت نتيجة أبحاثه والأبحاث الجارية حولها تفتح الباب أمام علاجات واعدة للصداع النصفي في المستقبل.
انطلاقًا من هذا الإنجاز، بدأ موسكوفيتز بالبحث عن المحفز الذي يؤدي إلى إفراز الببتيدات العصبية في المقام الأول. وقد تعرف فريقه البحثي على الاكتئاب القشري المنتشر (7)، وهو عبارة عن موجة تسونامي بطيئة الحركة من التغيرات الكهربائية والكيميائية في الدماغ. ومع تقدم هذه الموجة التسونامية، يمكن أن تُثير أعراض الصداع النصفي المتنوعة. فعلى سبيل المثال، تظهر الهالة البصرية (الأورة البصرية visual aura) الكلاسيكية للصداع النصفي (8) عندما تنتقل التغيرات الكيميائية والكهربائية عبر منطقة القشرة البصرية في الدماغ.
يركز بحث موسكوفيتز أيضًا على دراسة السكتة الدماغية وأهدافها العصبية الوعائية المحتملة [وهي عبارة عن أجزاء محددة من الجهاز العصبي الوعائي في الدماغ، والتي يمكن للباحثين التركيز عليها لعلاج أمراض مثل السكتة الدماغية].
في عام 2024، حصل هو وزميله الرئيس، ماتياس ناهرندورف Matthias Nahrendorf، أستاذ الأشعة في كلية الطب بجامعة هارفارد في مستشفى ماساتشوستس العام، على جائزة جاڤيتس (Javits)، وهي منحة بحثية مرموقة لمدة سبع سنوات، من المعاهد الوطنية للصحة. وبالتعاون مع زميل آخر، تشارلز لين (Charles Li)، أستاذ الأمراض الجلدية في كلية الطب بجامعة هارفارد في مستشفى ماساتشوستس العام، تابعا اكتشافات جديدة تُثبت أن نخاع العظم في الجمجمة وخلاياه المناعية تلعب دورًا في الحفاظ على صحة الطبقات الواقية للدماغ (الأغشية السحائية)، ما قد يؤثر في أمراض، مثل مرض الزهايمر والتصلب المتعدد والسكتة الدماغية، ويؤدي في النهاية إلى أساليب علاجية جديدة.
