2026/10/31 | 0 | 95
الشعر التصويري
يتميز الشعر بالوجوه البلاغية والمحسنات البديعية التي تُدرَسْ ويُتعَرف عليها في أمثال كتب السكاكي والتفتزاني ويمكن تقسيمها باختصار إلى:
أولا- المحسنات المعنوية: التي تحسن الكلام عن طريق المعنى" كالطباق، والمقابلة، والتورية، والائتلاف، والاستطراد والالتفات، التقسيم، الجمع، الجمع مع التقسيم، التخلص وغيرها.
ثانيا- المحسنات اللفظية: كالجناس، والتصريع، السجع، التشطير، التخميس، التضمين.
ثالثا- ما ليس من المحسنات البديعية:
- الشعر التصويري
ليس من المحسنات الشعرية بل من علم البيان ويدخل تحته: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز وهو الذي يصنع الصورة.
- الشعر التمثيلي " المسرحي "
وهو غرض ونوع من أنواع الشعر من حيث الشكل والمضمون، مقابل الشعر الغنائي والملحمي.
والذي يخصنا في بحثنا هذا الشعر التصويري، وهذا اللون من النظم والشعر يمتد مع بدايات الشعر العربي في الجاهلية حتى عصرنا الحاضر. ويعرف الشعر التصويري كما جاء في معجم المعاني بأنه تصوير شخص أو شيء في القصيدة من خلال التشبيه والاستعارة وغيرها من الصور المجازية. وستكون رحلتنا مع نماذج من هذا الشعر مع ذكر بعض الأمثلة قديما وحاضرا وسنذكر بعض الأمثلة على هذا الشعر من شعراء وشاعرات منطقتنا الأحساء.
الصورة الشعرية عند امرؤ القيس:
من أجمل الصور الشعرية في شعر امرؤ القيس قوله في معلقته، واصفا الليل:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ ...عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الْهُـمُـومِ لِـيَـبْـتَـلـِي
لا يكتفي امرؤ القيس بوصف الليل بالطول أو الظلام، بل يشبّهه بموج البحر، ثم يوسّع الصورة حتى يصبح الليل كائنًا يُرخي ستائره على الشاعر، ويحاصره بالهموم.
الصور الشعرية:
- "وليلٍ كموج البحر"
هنا تشبيه صريح؛ إذ يشبّه الليل بموج البحر في امتداده وتراكبه وثقله. فالليل ليس مجرد زمن يمرّ، بل كتلة متلاطمة من الظلمة والقلق.
- "أرخى سدوله"
هذه هي اللمسة التصويرية الأعمق؛ فالسدول هي الستائر. يتخيّل الشاعر الليل شخصًا يُسدل ستائره عليه، فيحجب عنه الضوء والفرج، وكأن العالم قد أُغلق من حوله.
وهنا يمتزج التشبيه بالاستعارة، إذ يتحول الليل إلى كائن له يدٌ تُرخي الستائر.
- "بأنواع الهموم ليبتلي"
تتحول الهموم إلى قوى تحيط بالشاعر وتختبر صبره، ويبدو الليل كأنه يتعمّد ابتلاءه بها .وهكذا تنتقل الصورة من المشهد الخارجي، أي البحر والستائر، إلى المشهد النفسي، أي الوحدة والقلق.
و تكمن عظمة البيت في أنه يجمع بين الصورة البصرية والحركة والإحساس النفسي: موج البحر يتلاطم، والستائر تُسدل، والهموم تتكاثر.
وهذه صورة شعرية متميزة؛ لأن امرأ القيس لم يخبرنا أنه مهموم فحسب، بل جعلنا نشعر بأننا محاصرون معه داخل ليلٍ لا تكاد تنتهي أمواجه.
وهكذا تنتقل الصورة من المشهد الخارجي، أي البحر والستائر، إلى المشهد النفسي، أي الوحدة والقلق.
الصور الشعرية عند ابي العلاء المعري
من قصيدته الشهيرة التي مطلعها "غير مجد في ملتي واعتقادي"
رُبَّ لَحدٍ قد صارَ لحداً مِراراً ... ضَاحِكٍ مِن تَزَاحُمِ الأضدادِ
- القبر الذي يتكرر استخدامه: في قوله " رُبَّ لَحدٍ قد صارَ لحداً مِراراً " يصور الشاعر قبراً دُفن فيه أناس متعاقبون، يموت إنسان، ثم يدفن غيره في الموضع نفسه بعد أن تتعاقب الأجيال. والصورة هنا تختزل دورة الحياة والموت، وتذكر بأن الأرض التي تضم إنسانا اليوم قد تضم غيره غداً، وأن الجميع صائرون إلى المصير نفسه.
- القبر الضاحك: وهذه أبرز صورة في البيت؛ إذ جعل الشاعر اللحد، وهو جماد، كائنًا يضحك. وكأن القبر يشاهد ما يجري حوله من تناقضات البشر، فيضحك من اجتماعها وتدافعها.
- " تزاحم الأضداد": التجسيد الحركي
الأضداد معانٍ مجردة، مثل الحياة والموت، والفرح والحزن، والغنى والفقر. لكن الشاعر صوّرها كأنها أشخاص يتزاحمون في مكان واحد. وهكذا انتقل من الفكرة المجردة إلى مشهد حركي محسوس.
وتكمن سر جمال الصورة في ثلاث حالات: الصورة الحسية: لحد يتكرر حضوره في مشاهد الحياة. الصورة التشخيصية: لحد يضحك. الصورة حركية: أضداد تتزاحم.
الصور الشعرية عند الشيخ الدمستاني الكبير
هو الفقيه الشيخ حسن بن محمد بن علي بن خلف بن ابراهيم بن ضيف الله. من قرية عالي حويص من قرى البحرين وبلدة دمستان وهي قرية صغيرة من قرى البحرين. وهو صاحب اللامية المشهورة التي تقرأ على منابر الإمام الحسين عليه السلام والتي مطلعها:
من يـلـهه الـمرديان الـمالُ والأمـلُ .. لم يـدر ما المـنـجـيان الـعلمُ والـعملُ
ومنها:
الشمـر مشـتغـلٌ في ذبـحــه عًـجِـلٌ .. والـسـبـط مـنـجدلٌ يـدعـوا و يـبـتهلُ
الـرأس مـرتـفعٌ في رأس مُـنتصبٍ .. يـبكي عـلى حـمله الـمَرِّيخُ و الـحَمَلُ
وقد عده الدكتور آية الله عبدالهادي الفضلي في كتابه "هكذا قرأتهم" من الشعر التصويري والذي عده من أساتذة مدرسة الشعر التصويري في شعر الطف ويقول ولعل الدمستاني من أوائل من نظمه من شعراء الطف إن لم يكن أوله.
- الصور الشعرية في البيت الأول:
" الشمر مشتغلٌ في ذبحه عًجِلٌ " الشمر مشغول بالذبح مسرعًا: يصوّر الشاعر الشمر في حركة متعجلة، منصرفًا إلى فعل القتل، كأنما لا يشغله شيء عن إتمام جريمته. واختيار كلمة "مشتغل" يوحي بالانصراف الكامل إلى الفعل، بينما تضيف "عَجِلُ" إحساسًا بتسارع الأحداث وضيق الزمن.
والسبط منجدل يدعو ويبتهل: في مقابل حركة الشمر العنيفة، يرسم الشاعر صورة الإمام الحسين عليه السلام ملقى على الأرض، متوجهًا إلى الله بالدعاء والتضرع. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: جسدٌ مثخن بالجراح، وروحٌ لا تنقطع عن مناجاة الله.
وتكمن جمال الصورة بقيام المشهد على التضاد الحركي والروحي؛ فالشمر يتحرك في فعل الذبح، والحسين عليه السلام يتوجه إلى الله بالدعاء. الأول منشغل بإيذاء الجسد، والثاني متصل بربه في أسمى لحظات الابتلاء.
ويمكن تخيّل الصورة كأنها لوحة تجمع بين عنف اليد البشرية وسكينة الروح المؤمنة، فيبلغ التناقض ذروته في لحظة الذبح.
- الصورة الشعرية في البيت الثاني
" الـرأس مـرتـفعٌ في رأس مُـنتصبٍ " يرسم الشاعر صورة الرأس المرفوع على الرمح، في مشهد تتداخل فيه دلالات الألم والعزة. فالرأس مفصول عن الجسد، لكنه مرتفع، لا مطروح في التراب؛ وهذا الارتفاع يتحول شعريًا إلى صورة للشموخ الذي لم تستطع المأساة أن تمحوه.
وتنشأ من تكرار كلمة "رأس" صورة لافتة: رأس الإمام المرفوع، ورأس الرمح الذي ينتصب حاملًا له. وكأن الشاعر يجعل أداة الإذلال نفسها إطارًا لظهور العزة والخلود.
" يـبكي عـلى حـمله الـمَرِّيخُ و الـحَمَلُ" :هنا تتسع الصورة من حدود كربلاء إلى فضاء الكون كله. فالشاعر لا يكتفي بتصوير بكاء البشر على الإمام الحسين عليه السلام، بل يستحضر المريخ: كوكب ارتبط في الموروث الفلكي القديم بالحرب والحمرة؛ واستحضاره في هذا السياق قد يضفي على المشهد ظلالًا من الدم والقتال والحزن.
الحَمَل: اسم برج فلكي وهو أول الأبراج الاثني عشر في دائرة البروج الفلكية، وإدخاله مع المريخ يوسّع مجال الصورة ليشمل السماء وأجْرَامَها. والأهم أن الشاعر يشخّص الأجرام السماوية؛ أي يمنحها إحساسًا إنسانيًا، فتصبح قادرة على البكاء على الرأس المحمول. وهذا من التصوير القائم على بث الحياة والعاطفة في عناصر الطبيعة والكون.
الخلاصة الفنية: الحزن يتجاوز الإنسان، لتصبح مأساةً الحسين يتردد صداها في الكون كله.
الشعر التصويري عند أمير الشعراء: أحمد شوقي
من قصيدة له في وصف الربيع بعنوان: "مرحباً بالربيع في ريعانه"
نَزَلَ السَهلَ ضاحِكَ البِشرِ يَمشي ... فيهِ مَشيَ الأَميرِ في بُستانِه
مَـرحَــباً بِالـرَبــيــعِ في رَيـعانِهِ ... وَبِأَنــوارِهِ وَطيـــبِ زَمــانِـه
- " نزل السهل ضاحك البشر"
في هذا المقطع لا يقدّم شوقي الربيع بوصفه فصلًا من فصول السنة، بل يجعله شخصية تدخل المكان في بهجة وأناقة.
"ضاحك البشر": تشخيص للربيع، إذ يمنحه ملامح إنسان بشوش.
- " يمشي فيه مشي الأمير" : صورة حركية توحي بالهيبة والترف والاعتداد.
" براحتيه ": كأن الربيع يحمل الجمال ويمنحه للطبيعة بيديه.
وتتكامل الصور لتجعل الربيع زائرًا ملكيًا يهب الأرض زينتها.
وله أيضا من قصيدة في وصف النخلة بعنوان: "أرى شجراً في السماء احتجب":
وَصِـيفَـةَ فِـرْعَـوْنَ في سـاحَـةٍ ... مِنَ الـقَـصْرِ واقِـفَـةً تَرْتَقـِبْ
قَدِ اعْتَصَبَتْ بِفُصوصِ العَقيقِ ... مُـفَـصَّلَــةً بِـشُــذورِ الـذَّهَبْ
أبدى أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة " أرى شجراً في السماء احتجب" التي يصف فيها النخل تشبيهاً بديعاً يربط فيه بين النخلة ووصيفة فرعون، مصوراً إياها في هيئة ملكية تكتنفها الحلية والجمال.
- التشبيه التمثيلي أو الصورة الشعرية: يستحضر الشاعر هيئة وصيفة فرعون المتزينة، ليقرّب إلى الذهن هيئة النخلة وتفاصيلها. فالصورة لا تقوم على تشبيه عنصر واحد فحسب، بل على استحضار هيئة كاملة ذات تفاصيل وزينة.
- " واقفة ترتقب " تجسيد هيئة النخلة: تمنح العبارة المشهد هيئة إنسانية؛ إذ تبدو النخلة كأنها شخصية واقفة تنتظر. وهذا يضفي على النخلة حضورًا وحيوية، بدل أن تبقى مجرد جذع وسعف.
- " فصوص العقيق " و" شذور الذهب": التصوير اللوني والزخرفي
تستحضر هذه الألفاظ ألوانًا ولمعانًا وتفاصيل دقيقة. ومن خلال هذه الزينة يهيئ الشاعر القارئ لتخيّل عناصر النخلة في هيئة حُليّ مرصّعة؛ فالسعف وما يتصل به من تفاصيل يتحول في المخيلة إلى زينة ملكية. وتكمن سر جمال الصورة أن شوقي لم يقل لنا إن النخلة جميلة أو مزينة، بل استدعى شخصية تاريخية ذات هيئة فخمة، ثم رسم زينتها بألفاظ العقيق والذهب. وبذلك جعل الوصف أقرب إلى لوحة مرئية.
الصور الشعرية للشاعر جاسم الصحيح:
نموذج أول: من قصيدة له بعنوان: " لصورتها أغني"
بِصُورَتِكِ الَّتي قَدْ غازَلَتْني ... مُغازَلَةَ البَنَفْسَجِ لِلْكَناري
الصور الشعرية:
تقوم الصورة على تشبيه غير مألوف؛ فالشاعر جاسم الصحيح لا يكتفي بوصف جمال الصورة، بل يمنحها قدرة على المغازلة، ثم يستحضر البنفسج والكناري ليصنع مشهدًا تتداخل فيه الألوان والرقة والصوت. إنها صورة تشخيصية، تتحول فيها الصورة الجامدة إلى كائن حيّ يمارس فعل الغزل. ووجه التميز التصويري هنا هو: الجمع بين المرئي والمسموع والعاطفي في صورة واحدة. ويكمن سرّ جمال الصورة في تنوع الصورة الشعرية من ثلاثة أمور:
التشخيص: جعل الصورة الجامدة قادرة على الغزل.
المفارقة: إسناد فعل عاطفي إلى البنفسج، وهو نبات، في علاقته بالكناري، وهو طائر.
تداخل الحواس: اللون البنفسجي والأصفر من جهة، والتغريد المتخيَّل والعاطفة من جهة أخرى.
وهكذا لا يكتفي الشاعر بوصف جمال الصورة، بل يجعلها تمارس فعلًا عاطفيًّا، ويحوّل الطبيعة إلى لغة حبّ.
النموذج الثاني: أيضا بيت شعر جميل جداً للشاعر جاسم الصحيح من قصيدته المميزة " وما عذر حرف"
في هذا البيت، يرسم الشاعر صورة بلاغية غاية في العذوبة والجمال عن النخلة والتمر، حيث يقول:
وكانَتْ عُذوقُ النخلِ من فرطِ أُنسِِها ... قدِ اغرورقتْ حتى غدا التمرُ أدمُعًا!
القراءة التصويرية: هذه صورة شديدة الثراء؛ إذ يُسند الشاعر إلى عذوق النخل شعور الأنس، ثم يحوّل ثمارها إلى دموع. فالتمر لا يُرى هنا ثمرةً فحسب، بل يصبح دموعًا مرئيةً تعبّر عن انفعال الشجرة. والصورة قائمة على التشخيص والاستعارة؛ فقد منح الشاعر النخلة إحساس الكائن الحي، وحوّل الثمر إلى علامة على ذلك الإحساس.
النموذج الثالث: حين تصبح سعفات النخلة أذرعًا
من القصيدة نفسها:
وليس غريبا ً حين عانقتَ نخلةً ... إذا السعفاتُ الخُضْرُ أصبحنَ أذرعا
القراءة التصويرية:
تتحول السعفات إلى أذرع، وتتحول ملامسة النخلة إلى عناق. هذه ليست صورة وصفية جامدة، بل حركة كاملة؛ فالشاعر يجعل الطبيعة قادرة على احتضان الإنسان ومبادلته المودة. وتكمن قوة الصورة في أنها تجمع بين هيئة محسوسة، هي امتداد السعفات، ومعنى إنساني، هو العناق والحنين.
الصور الشعرية عند الشاعرة حوراء الهميلي
من قصيدة لها بعنوان "نقشٌ على رئة الخزامى":
هـنالك حــذوَ الـقلبِ، يـمـتـد سـاحـلُهُ ... تثاءبَ في صدري فَرَفَّت سنابلُهُ
سريرٌ مِن الأحلامِ والضوء ُ حارسٌ ... على جـفـنِه مـرَّت خـفـيفاً أنامـلُهُ
يبدوا أنّ الشاعرة ترسم مشهدًا داخليًّا يتشكّل فيه مكانٌ وجدانيٌّ بمحاذاة القلب، ثم تدبّ فيه الحياة.
"هنالك حذو القلب، يمتد ساحله": تستحضر الشاعرة ساحلًا يمتد بمحاذاة القلب، وكأنّ للمشاعر جغرافيا خاصة بها.
" تثاءب في صدري": هنا موضع الغموض الجميل. لم تسمِّ الشاعرة صراحةً ما تثاءب؛ ويمكن أن يكون شعورًا أو حلمًا أو كيانًا متخيّلًا. وقد يكون الفاعل هو " ساحله "، وهنا تشخيص يمنح الصدر والسنابل حركة الكائن الحي.
" فرفّت سنابله ": تجعل لهذا الشيء سنابلَ ترفّ وتتحرك، في صورة تمزج النبات بحركة الأجنحة، وتوحي بانبعاث الحياة في الداخل.
إنّ الشاعرة تصوّر انبثاق حياة وجدانية في صدرها؛ شيئًا كان ساكنًا ثم أخذ يستيقظ، حتى رفّت سنابله. أمّا تحديد ذلك الشيء تحديدًا قاطعًا، فلا تسمح به الأبيات وحدها.
وهنا تكمن أهمية الصورة: الغموض ليس في كلمة " تثاءب " وحدها، بل في تعمّد الشاعرة إخفاء الفاعل، وترك القارئ يتلمّس ماهية ذلك الكيان من أثره وصوره.
وتقول في القصيدة نفسها:
سريرٌ من الأحلامِ والضوءُ حارسٌ ...على جفنِه مرَّتْ خفيفًا أناملُهْ!
الصورة الشعرية:
تصوّر الشاعرة الأحلام كأنها سريرٌ ينام عليه المرء ويستريح، وفي ذلك تحويلٌ للمعنى المجرد، وهو الأحلام، إلى شيء محسوس يُحتضَن ويُستراح عليه. توحي الصورة بالسكينة والطمأنينة والحنان.
كما أنها تمنح الضوء صفة الإنسان الحارس الذي يسهر على ما يحميه. فيصبح الضوء كائنًا يقظًا يحرس الأحلام ويصونها من العتمة، في إيحاء بالأمان والرعاية.
هنا أيضاً صورة حركية ولمسية في " على جفنه مرّت خفيفًا أنامله" ترسم الشاعرة مشهدًا حسيًّا رقيقًا لأنامل تمرّ برفق على الجفن. وتوحي هذه الحركة بالحنان واللطف، وتجعل الحلم كائنًا حيًّا يمكن لمسه برفق، وكأن الشاعرة تخشى أن توقظه أو تبدّد سكينته.
الصور الشعرية عند الشاعر جاسم المشرف
من قصيدة له " مرةً عودي"
وَإِذَا مَـا زُرْتِ وِدْيَــانَ الـرُّبَـى ... فَاسْأَلِي عَنِّي نُخَيْلَاتِ الرَّوَابِي:
مَنْ يناجي الوَرْدَ والوُرقَ التي ... تـتـغـنى بالـتـهـابٍ وانــتـحابِ؟
- تشخيص النخيلات: في قوله "فاسألي عني نخيلات الروابي" يجعل الشاعر النخيلات كائنات عاقلة تستطيع أن تجيب عن السؤال، وكأنها تعرف أخباره وتحفظ ذكرياته. وهذه استعارة تشخيصية تمنح الطبيعة روحًا إنسانية.
المشهد المكاني التصويري: يرسم الشاعر مشهدًا طبيعيًّا تتجاور فيه الوديان والربى والنخيلات، فينقل المتلقي إلى فضاء ريفي هادئ، تتصل فيه الذكريات بالمكان.
المناجاة غير المباشرة: بدلًا من أن يطلب من محبوبته أن تسأل الناس عنه، يوجّهها إلى النخيلات؛ وفي ذلك إيحاء بأن علاقته بالمكان أعمق من أن ترويها الكلمات، وأن الطبيعة أدرى بأسراره.
من يناجي الوَرْدَ والوُرْقَ التي ... تـتغـنى بالـتهابٍ وانـتـحابِ؟
- الاستفهام البلاغي. "من يناجي...؟" استفهام خرج عن معناه الحقيقي إلى معنى التحسّر والنفي، أي: لا أحد يناجيها ويشاركها شجنها. وفي ذلك إيحاء بالوحدة والغربة.
- التشخيص في "يناجي الورد". استعارة مكنية، شبّه الورد بإنسان يُسَرُّ إليه ويُناجى، فحذف المشبّه به وأبقى لازمه وهو المناجاة. وبهذا جعل الورد كائنًا حيًّا يحسّ ويستمع.
- "الورق التي تتغنى". المقصود بالورق الحمام، وصورة غنائها هنا مأخوذة من الواقع، فهديل الحمام يشبه الغناء. غير أن الشاعر أسند إليه فعل "التغني" الإنساني، فاكتسبت الصورة بُعدًا وجدانيًّا.
- "تتغنى بالتهاب". استعارة مكنية، شبّه الشوق والوجد بالنار، فحذف المشبّه به وأبقى لازمه "الالتهاب". وهي صورة حسية تنقل حرارة العاطفة.
- "وانتحاب". صورة سمعية تستحضر البكاء بصوت مرتفع. وقد جمع الشاعر بين الغناء والنحيب في مفارقة تكشف أن هذا الغناء، في حقيقته، حنين وألم لا فرح.
- تضافر الصور. يجمع البيت بين عناصر الطبيعة (الورد والحمام)، والإحساس الحسي (الالتهاب)، والصوتي (الغناء والانتحاب)، فتتحول الطبيعة إلى لوحة وجدانية يتجاور فيها الجمال والشجن.
الصور الشعرية عند الشاعر محمد الجلواح
من قصيدة "تحية الرطب للكادي" بمناسبة مشاركته في المهرجان الشعري لنادي الباحة
رَقَـصَ النَّـخْلُ بِأَنْحَاءِ هَجَـرْ ... مُـذْ أَتَاهُ اللَّحْنُ مِنْ عَـزْفِ الْوَتَـرْ
وَتَـرَى "الطَّـيَّارَ" قَـدْ أَسْـكَـرَهُ ... عَـبَـقُ "الْكَادِي".. تَـنَامَى، وَازْدَهَـرْ
- "رَقَصَ النَّخْلُ بِأَنْحَاءِ هَجَرْ"
استعارة مكنية وتشخيص: يصوّر الشاعر النخيل إنسانًا يرقص طربًا، فيمنح نخيل الأحساء حركة إنسانية تعبّر عن الفرح. وهنا صورة حركية وهي تمايل النخيل، يبدو كأنه استجابة لإيقاع موسيقي يملأ أرجاء هجر، الاسم الذي يستحضر الأحساء وواحتها.
- "مُذْ أَتَاهُ اللَّحْنُ مِنْ عَزْفِ الْوَتَرْ"
تآلف السمع والبصر: نسمع اللحن في خيالنا ونرى أثره في رقص النخيل؛ فتجتمع الموسيقى بالحركة في صورة واحدة.
- "وَتَرَى "الطَّيَّارَ" قَدْ أَسْكَرَهُ"
استعارة في "أسكره": يصوّر الشاعر الرطب الحساوي "الطيار" وهو من بواكير الرطب كأنه كائن يتأثر بعطر الكادي " وهو نوع من الزهر بمدينة الباحة" حتى يبلغ به التأثر حدَّ السُّكر. وقد يكون التعبير مجازيًّا عن شدة التأثر بالعطر.في هذا التصوير القائم على التداخل ينتقل الشاعر من عالم الرطب، وهو الثمر، إلى عالم الورد، وهو الكادي، ويجمعهما في مشهد واحد.
وتنمو الصورة وتتجدد يوحي الفعلان "تنامى" و"ازدهر" بتزايد العطر وانتشاره، وبالحيوية والجمال اللذين يملآن المكان.
وهكذا لا يصف محمد الجلواح عناصر الأحساء، والباحة وصفًا مباشرًا، بل يجعلها تتفاعل كأنها كائنات حية في مشهد تتعانق فيه الطبيعة والفن.
واللافت خصوصًا أن معرفة رطب الطيار وزهر الكادي بوصفهما من مفردات البيئة الأحسائية ومدينة الباحة تمنح الصورة خصوصيتها المحلية؛ فالشاعر يستمد جماله من تفاصيل المدينتين.
الصور الشعرية عند الشاعر سلمان عبدالله بوخمسين
من قصيدة بعنوان "على مرآة الليل" مطلعها
تُطِلُّ من نَفَسِ المرآةِ في خجلٍ ... كـما يُـطِـلُّ شعاعُ الـبدرِ من سُـحُبِ
كأنــما قـبَّــلـتْــها نجـمةٌ، فـغَـفَا ... قرطانِ من ضوئِها أبهى من الذهبِ
الصور الشعرية في البيت الثاني:
- "قبَّلتْها نجمةٌ"
الصورة: استعارة مكنية تشخيصية؛ إذ جعل الشاعر النجمة كائنًا حيًّا يملك القدرة على الانحناء والتقبيل، حيث نقل النجمة من عالم الأجرام السماوية البعيدة إلى عالم العاطفة والحنان، وجعل جمال المرأة جديرًا بأن تأتيه النجوم وتقبّله.
- " فغفا قرطان " وهنا أيضا استعارة مكنية؛ إذ صوّر القرطين بإنسان يغفو وينام
وأضفى على القرطين سكونًا ونعومة، وكأنهما استسلما لنعاس رقيق بعد أن مسّهما ضوء النجمة. وفي كلمة "غفا" إيحاء بالهدوء والرقة، بدلًا من مجرد اللمعان المادي
- "من ضوئها" هنا صورة إيحائية تربط ضوء النجمة بجمال القرطين
وتوحي بأن القرطين اكتسبا من نور النجمة إشراقًا سماويًّا، وكأن الضوء انتقل إليهما فزاد جمالهما.
- "أبهى من الذهب" هنا تشبيه ضمني أو مقارنة تصويرية بين جمال القرطين وبريق الذهب ويجعل الذهب، وهو رمز النفاسة والثمن، معيارًا يقاس به جمال القرطين، ثم يتجاوزه إلى جمال أرقى، مصدره الضوء والخيال.
- الصورة الكلية للبيت تتآلف الصور السابقة لترسم مشهدًا شاعريًّا واحدًا، نجمة تنحني لتقبّل امرأة، فينساب نورها إلى قرطين في أذنيها، فيغدوان ككائنين صغيرين غارقين في غفوة من الضوء، يتلألآن بجمال يتجاوز بريق الذهب.
واللافت أن الشاعر جمع بين ثلاثة عوالم العالم السماوي، والعالم الإنساني وعالم الزينة.
ومن قصيدة له بعنوان " متلبسٌ بالكون "
إذا مشى ساقت الأفلاكُ خطوتَهُ ... وفي خُطاهُ لقلبِ الأرضِ طمأنةُ
الصور الشعرية في البيت:
- "إذا مشى ساقت الأفلاكُ خطوتَهُ"
الصورة الشعرية: يصوّر الشاعر الأفلاك، أي المدارات والأجرام السماوية، كأنها كائنات حية تسوق خطوات الإنسان وترافق مسيره. وهنا استعارة مكنية تشخيصية؛ إذ منح الأفلاك فعل السَّوق، وهو فعل يصدر عادةً عن كائن حي.
وتكمن جمال الصورة حيث يضخّم الشاعر أثر الإنسان ومكانته حتى يجعل حركة الأفلاك مرتبطة بخطوته. فالإنسان هنا ليس عابرًا في الكون، بل يبدو كأن حركة الكون تنتظم مع حركته وتواكب مسيره. وفي الصورة أيضًا مبالغة شعرية تمنح الإنسان حضورًا كونيًّا استثنائيًّا.
- "وفي خُطاهُ لقلبِ الأرضِ طمأنةُ"
الصورة الشعرية: يجعل الشاعر للأرض قلبًا يشعر بالقلق، ثم يجعل خطوات الإنسان مصدرًا لطمأنينة ذلك القلب. هنا أيضا استعارة مكنية تشخيصية؛ إذ صوّر الأرض بإنسان له قلب، كما جعل الطمأنينة شعورًا يتلقاه هذا القلب.
وتكمن جمال الصورة: ينقل أثر الإنسان من الحركة الجسدية إلى التأثير النفسي؛ فخطواته لا تحرّك المكان فحسب، بل تبعث السكينة في الأرض نفسها.
واللافت أن الشاعر لم يقل إن الأرض تطمئن إلى الإنسان، بل جعل الطمأنينة تسكن قلب الأرض بفضل خطواته؛ وفي ذلك إيحاء بأن وجود هذا الإنسان مصدر أمان واستقرار.
- العلاقة بين الصورتين
الخلاصة الفنية: أبرز ما في البيت هو التشخيص الكوني؛ فقد منح الشاعر الأفلاك فعلًا إراديًّا، ومنح الأرض قلبًا يطمئن. وبذلك رفع صورة الإنسان من كائن يمشي على الأرض إلى شخصية ذات حضور كوني، يوحي سيرها بالنظام والأمان.
الصور الشعرية عند الشاعرة اعتدال الذكر الله
من قصيدة " زهو السلاطين"
ما أجْـملَ الشِّعـرَ مَـيَّاساً يُراقـصهُ ... سَـجْعُ الحـمامِ من فـوق الأفانِينِ
الاستعارة المكنية والتشخيص: تصوّر الشاعرة الشعر كأنه كائن حيّ يتمايل في خفة ودلال. فكلمة "ميّاسًا" توحي بالتثني والتمايل، وهي صفة تُستعمل غالبًا في وصف الإنسان أو الغصن المتحرك.
الصورة الحركية: تجعل كلمة "ميّاسًا" الشعر مشهدًا متحركًا، لا كلمات جامدة تُقرأ أو تُسمع، بل كائنًا يتمايل في إيقاع رشيق.
التشخيص والاستعارة: جعلت الشاعرة سجع الحمام شريكًا في الرقص، كأنه كائن يشارك الشعر حركته ويبادله الإيقاع.
السجع صوت يُسمع، والرقص حركة تُرى، وقد جمعت الشاعرة بينهما؛ فصار الصوت في الخيال حركةً راقصة.
ويكمن جمال البيت أن الشاعرة لم تكتفِ بوصف الشعر بالجمال، بل جسّدت هذا الجمال في حركة راقصة، وجعلت الطبيعة نفسها تشارك في إيقاعه؛ فغدا الشعر كائنًا حيًّا يتناغم مع أصوات الطيور وجمال الأغصان.
ما تناولناه في بحثنا هذا لم يغط بالخصوص الشعراء الأحسائيين. فالصور الشعرية المتجددة لن تنتهي ما دام الشعر قائما.
جديد الموقع
- 2026-10-31 لا ماءَ إلّا في مائك مرثية في أستاذنا الشّاعر والمفكر الرّاحل محمّد العلي رحمه الله
- 2026-10-31 لم يختفوا تمامًا
- 2026-10-31 القرارات الملكية الداعمة للمواطن ... رعاية كريمة تعزز الاستقرار المعيشي وترسخ جودة الحياة
- 2026-10-31 المنافذ الجمركية" تسجل 1147 حالة ضبط خلال أسبوع
- 2026-10-31 صدر حديثا "البنية السببية للكون" لأسامة العلي
- 2026-10-31 أنين فراشة يعبر القارات من واحة الأحساء إلى منصات التوقيع في باريس 2026 مسيرة متجددة من الأحساء إلى باريس
- 2026-10-31 متى يبدأ الأطفال باستغلال الثغرات والتحايل على الأوامر، ولماذا؟
- 2026-10-31 إسهال الأطفال: كيف نكتشف الجفاف مبكرًا؟
- 2026-10-30 *سلال الايام* قراءة في سطور
- 2026-10-30 نَارٌ مِنَ الشَّوْقِ