2026/10/21 | 0 | 114
الازدراء في الحياة الزوجية: سلوك يهدم الاحترام ويهدد استقرار الأسرة
مقدمة
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، وهي ركائز أساسية تمنح العلاقة قوتها واستقرارها في مواجهة تحديات الحياة. غير أن بعض السلوكيات السلبية قد تتسلل تدريجيًا إلى العلاقة بين الزوجين، فتضعف الروابط العاطفية وتُحدث شرخًا في الثقة والاحترام، ويُعدّ الازدراء (Contempt) من أخطر هذه السلوكيات وأكثرها تأثيرًا في استقرار الحياة الزوجية.
وقد حظي الازدراء باهتمام كبير في دراسات عالم النفس الأمريكي جون غوتمان (John Gottman)، الذي تناول السلوكيات المدمرة للعلاقات الزوجية، واعتبر الازدراء من أقوى المؤشرات المرتبطة باحتمال انهيار العلاقة الزوجية.
الازدراء والفرسان الأربعة لغوتمان:
وصف جون غوتمان أربعة أنماط سلبية في التواصل الزوجي، وأطلق عليها اسم «الفرسان الأربعة»، وهي:
1. النقد (Criticism): مهاجمة شخصية الشريك بدلًا من مناقشة سلوكه.
2. الازدراء (Contempt): السخرية والتحقير وإظهار التفوق على الطرف الآخر.
3. الدفاعية (Defensiveness): الرد على الشكوى بتبرير الذات أو إلقاء اللوم على الشريك.
4. التجنب أو الانسحاب (Stonewalling): الانسحاب من التفاعل وإغلاق باب الحوار.
وتكمن أهمية هذه الأنماط في أنها قد تتداخل وتتفاقم مع مرور الوقت، مما يجعل معالجة الخلافات أكثر صعوبة.
ما المقصود بالازدراء؟
الازدراء هو سلوك سلبي يُعبّر فيه أحد الزوجين عن احتقاره للطرف الآخر، أو شعوره بالتفوق عليه، سواء بالكلمات أو بنبرة الصوت أو بتعبيرات الوجه ولغة الجسد.
وقد يظهر الازدراء في صور متعددة، منها:
● السخرية من الزوج أو الزوجة والاستهزاء بأفكارهما ومشاعرهما.
● إطلاق الألقاب المهينة أو استخدام الكلمات الجارحة.
● تقليد طريقة كلام الطرف الآخر بقصد السخرية منه.
● تقليب العينين أو الابتسام بسخرية أثناء حديث الشريك.
● التقليل من الإنجازات والقدرات الشخصية للطرف الآخر.
● إظهار الشعور بالتفوق الفكري أو الاجتماعي أو الأخلاقي على الشريك.
ولا يقتصر الازدراء على الكلمات الصريحة، فقد تكون نظرة ساخرة أو حركة استهزاء أشد تأثيرًا من عبارة جارحة.
الفرق بين النقد والازدراء:
من المهم التمييز بين النقد والازدراء؛ لأن كليهما قد يسبب مشكلات زوجية، لكن الازدراء يحمل معنى أعمق من الإهانة والتحقير.
فالنقد يركز غالبًا على عيوب الطرف الآخر أو شخصيته بدلًا من مناقشة سلوكه المحدد.
فعندما تقول الزوجة لزوجها: «أنت شخص مهمل ولا تتحمل المسؤولية»، فإنها تنتقد شخصيته.
أما عندما تقول له بسخرية: «من الطبيعي ألا تفهم هذه الأمور؛ فأنت لا تعرف كيف تتصرف أصلًا»، فإنها تنتقل من النقد إلى الازدراء.
والفرق الأساسي أن النقد يحمل رسالة مفادها أن هناك خللًا في الطرف الآخر، بينما يحمل الازدراء رسالة أشد قسوة، وهي أن الطرف الآخر أقل قيمة أو مكانة.
لماذا يُعدّ الازدراء خطرًا على الحياة الزوجية؟
أظهرت أبحاث غوتمان أن الازدراء من أقوى المؤشرات السلوكية المرتبطة بتدهور العلاقات الزوجية واحتمال الطلاق.
وتكمن خطورته في أنه لا يقتصر على الخلاف حول موضوع معين، بل يمس كرامة الإنسان وشعوره بقيمته لدى شريك حياته.
فعندما يتكرر الازدراء، يبدأ الطرف المتضرر بالشعور بأنه غير محترم أو غير مرغوب فيه، وقد يفقد تدريجيًا إحساسه بالأمان العاطفي.
ومع مرور الوقت، تتحول الحوارات الزوجية من محاولات للتفاهم إلى مواجهات يسعى فيها كل طرف للدفاع عن نفسه أو إثبات تفوقه على الآخر.
وهكذا تصبح العلاقة ساحة للصراع بدلًا من أن تكون مصدرًا للسكينة والاستقرار.
التأثيرات النفسية والجسدية للازدراء:
لا تتوقف آثار الازدراء عند حدود المشاعر، بل قد تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية.
فالتعرض المتكرر للإهانة والتحقير داخل العلاقة الزوجية قد يرتبط بزيادة التوتر والقلق، وانخفاض تقدير الذات، والشعور بالحزن والإحباط.
وقد يؤدي استمرار الصراعات الزوجية إلى اضطرابات النوم والإرهاق النفسي، وربما التأثير في بعض المؤشرات الصحية المرتبطة بالتوتر المزمن.
وقد تناولت بعض الدراسات العلاقة بين التفاعلات الزوجية العدائية والتغيرات المناعية والالتهابية، لكن لا يصح الجزم بأن الازدراء وحده يسبب أمراضًا معدية أو ضعفًا مناعيًا محددًا.
وتزداد خطورة هذا السلوك عندما يتحول إلى نمط يومي يجعل أحد الزوجين يعيش في حالة مستمرة من الترقب والخوف من الإهانة.
كيف ينشأ الازدراء بين الزوجين؟
غالبًا لا يظهر الازدراء بصورة مفاجئة، بل قد يتطور نتيجة تراكم مشاعر سلبية لم تُناقش أو تُعالج بطريقة صحيحة.
ومن أبرز العوامل التي تساعد على ظهوره:
1. تراكم الخلافات: عندما تتكرر المشكلات دون الوصول إلى حلول، قد تتحول مشاعر الغضب إلى استياء مزمن.
2. غياب التقدير: يؤدي تجاهل الجهود والتضحيات إلى شعور أحد الزوجين بأن ما يقدمه لا يحظى بالاهتمام.
3. المقارنات المستمرة: قد تؤدي مقارنة الشريك بالآخرين إلى التقليل من قيمته وإضعاف ثقته بنفسه.
4. ضعف مهارات التواصل: يؤدي استخدام الاتهامات والسخرية بدلًا من الحوار الهادئ إلى تصاعد الخلافات.
5. الشعور بالتفوق: عندما ينظر أحد الزوجين إلى نفسه باعتباره أكثر فهمًا أو ذكاءً أو قيمة، يصبح الازدراء وسيلة لإظهار هذا التفوق.
بناء ثقافة التقدير والاحترام بدلًا من الازدراء:
يرى غوتمان أن من أهم وسائل مواجهة الازدراء بناء ثقافة قائمة على التقدير والاحترام المتبادل.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال ممارسات يومية بسيطة، لكنها مؤثرة في العلاقة الزوجية.
ومن هذه الممارسات التعبير عن الامتنان، والاعتراف بجهود الشريك، والابتعاد عن السخرية، واختيار الكلمات اللطيفة عند الاختلاف.
كما يُنصح بمناقشة السلوك المزعج دون مهاجمة الشخصية.
فبدلًا من القول: «أنت لا تهتم بي أبدًا»، يمكن القول: «أشعر بالحزن عندما لا نجد وقتًا للحديث معًا، وأتمنى أن نخصص وقتًا لذلك».
وقد اشتهر غوتمان بمفهوم النسبة السحرية 5:1، التي تشير إلى أن العلاقات الزوجية المستقرة تتميز، أثناء مناقشة الخلافات، بوجود نحو خمسة تفاعلات إيجابية مقابل كل تفاعل سلبي.
وهذه النسبة ليست قاعدة حسابية صارمة، بل تعبير عن أهمية أن تتغلب مشاعر المودة والتقدير على التفاعلات السلبية.
متى يحتاج الزوجان إلى المساعدة؟
إذا أصبح الازدراء سلوكًا متكررًا، أو تحولت النقاشات إلى إهانات مستمرة، أو فقد أحد الزوجين شعوره بالأمان والاحترام، فقد تكون الاستعانة بمختص في الإرشاد الأسري أو العلاج الزواجي خطوة مهمة.
أما إذا اقترن الازدراء بالتهديد أو التخويف أو العنف أو السيطرة القسرية، فإن الأولوية تكون لحماية الطرف المتضرر وسلامته، ولا يُعدّ الحوار المشترك وحده حلًا كافيًا.
الرسالة الزوجية الناجحة:
إن الازدراء ليس مجرد كلمة قاسية تُقال أثناء الغضب، بل قد يصبح سلوكًا متكررًا يضعف المحبة ويقوّض الاحترام ويهدد استقرار الأسرة.
والحياة الزوجية لا تخلو من الاختلافات، لكن نجاحها لا يُقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرة الزوجين على إدارته دون المساس بكرامة أحدهما.
فالاحترام لا يعني الاتفاق الدائم، والمودة لا تعني غياب المشكلات، وإنما يعنيان أن يظل كل طرف محتفظًا بمكانته وقيمته في قلب الآخر، حتى في أشد لحظات الاختلاف.
وكلما حرص الزوجان على التقدير المتبادل، والتواصل الهادئ، والتعبير عن الامتنان، أصبحت علاقتهما أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، وأكثر قربًا من تحقيق السكينة والمودة والرحمة.
جديد الموقع
- 2026-10-21 *نعم.. نبالغ في حب السعودية، ولا حدود لعشق الوطن*
- 2026-10-21 نجيب محفوظ والقراءة - 1
- 2026-10-21 طباعة فقط عند الطلب
- 2026-10-21 القراءة بين القنفذ والثعلب
- 2026-10-20 مشاركة الفريق السعودي للوكيل الأدبي وكيل السعوديين الكتاب ووكيل الملتقى الدولي للكتاب العربي بباريس النسخة الثالثة
- 2026-10-20 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على خدمات وبرامج جامعة الأمير مساعد بن عبدالرحمن
- 2026-10-20 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس جامعة الأمير محمد بن فهد
- 2026-10-20 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس جامعة الأمير مساعد بن عبدالرحمن
- 2026-10-20 سمو أمير المنطقة الشرقية يدشّن تطبيق «شريط الأمل 2026»
- 2026-10-20 *"مطر".. معرض جديد للفنان أحمد حسين الغامدي بأتيليه جدة الأربعاء*