2026/01/01 | 0 | 47
يأخذني الشعر إلى حياة أخرى
لم تتشكل في ذهني صورة واضحة عن تلك المؤثرات التي قادتني إلى الشعر، ومن ثمّ، إلى تلك القراءات المرتبطة بها، لا سيّما وأني عشت في مدينة «الأحساء» حيث كانت تقاليدها في الكتابة الشعرية ليست مفصولة عن عاداتها وتقاليدها الاجتماعية الموروثة.
فالمناسبات الدينية والاحتفالات الشعبية كانت هي الحاضنة لكل ميل تظهر بوادره عند هذا الشاب أو ذاك. وبالتالي لم أتوقع يوما ما أن ينتهي بي المطاف إلى تبني الكتابة الحديثة «قصيدة النثر»، خلاف ما درج عليه أقراني وأصدقائي الذين أصبح جلّهم مشهورين بالكتابة الشعرية الكلاسيكية. لكن حين ألتفت إلى الوراء، وأسترجع مفاصل معينة من حياة الطفولة، أدرك طبيعة المؤثرات اللاوعي التي ارتبطت بحساسية الشعر عندي، وطريقة التفكير فيه.
ولهذه الطبيعة جانبان، الأول منهما يتعلق بفترة من طفولتي كنت فيها أتأرجح بين مدينتين يفصل بينهما بحر الخليج العربي.
بين مدينة المحرق بالبحرين التي ولدت فيها قريبا من البحر، وبين مدينة الأحساء قضيت شطرا من طفولتي، متنقلا بينهما عبر مراكب خشبية تشق عباب البحر ببطء وكأنها في نزهة وليس للسفر، مع عائلتي في السبعينات الميلادية. منظر البحر وأصوات أمواجه أظنها حفرت عميقا في ذاكرة ووجدان الطفل الذي لم يتجاوز عمره سبع سنوات. بينما الجانب الآخر هو ذلك الأثر الذي تركه جدي لأبي على شخصيتي، فقد كان شغوفا بقراءة قصص التراث وأساطيره كألف ليلة وليلة وسيرة عنترة وسيف بن ذي يزن.. إلخ أمام أحفاده بطريقة ساحرة ومحفزة لعمل المخيلة.
لاحقا حينما بدأت بقراءة كلاسيكيات الشعر العربي وكتابته بحكم الدراسة في الجامعة، كنت مهجوسا بمتابعة كل ما يستجد في الساحة العربية من إنتاج شعري، طفت عواصم عربية، زرت شعراء عرب، وعملت حوارات صحفية معهم كعباس بيضون، عبدالوهاب البياتي، سعدي يوسف، نزار قباني، حضرت مهرجانات شعرية عديدة. كل ذلك أعاد تشكيل ذائقتي الشعرية وربطني بالحداثة الشعرية من أوسع أبوابها. جرى كل ذلك الحراك عندي ونشاطه في فترة التسعينات، وفي نهاية هذا العقد توجّتهُ بإصداري الأول «رجل يشبهني». قد يكون هذا الإصدار واحدا من تلك الدوافع العديدة، الذي رغب جيلي ممن يتطلعون إلى ارتياد أفق الحداثة الشعرية، في تحقيقها.
فبيروت بالنسبة لنا «وأنا أتحدث هنا عن مجموعة من الأصدقاء الشعراء المقربين» لم تكن مركزا جاذبا للحداثة وذاكرتها فقط، بل كانت المصدر والمرجع الثقافي والأدبي الذي كان يجعلنا على تماس مع العالم وما يجري فيه من أحداث وتحولات شعرية وفكرية، على درجة كبيرة من الأهمية للشاعر والمثقف على حد سواء. هي بمثابة الرئة التي يتنفس من خلالها كل شاعر، في تلك الفترة، إذا ما أراد لتجربته أن تتطور وأن تكون في قلب المشهد الشعري الحيوي كما قلت. وهذه إحدى الشروط الملزمة التي لا ترتبط بهذه الجماعة أو تلك، ما دام الأمر يتعلق بالشعر وحراكه في الأفق العربي.
لكن ثمة دوافع أخرى، تخص مسألة الطباعة في بيروت، ففضلا عن كونها المركز الرئيسي للطباعة في العالم العربي بجانب القاهرة، فمن الطبيعي أن يفكر المبدع أو الكاتب في التواجد والحضور، وأن يسعى لإثبات ذاته في أوساطها التي تشع بأسماء ورموز مؤثرة في الثقافة والأدب. ومما يزيد هذا المسعى إصرارا وتشبثا بحباله عند الكثير من جيلي هو الوضع الذي كانت تعانيه مسألة طباعة الأعمال الإبداعية الحداثية مقارنة بالأعمال الكلاسيكية التي كانت تحظى بالكثير من العناية والرعاية والدعم عند الكثير من المؤسسات الثقافية الرسمية كالأندية الأدبية.
صحيح أن الإعلام وبعض الملاحق الثقافية والأدبية في الصحف اهتمت واحتفت في تلك الفترة بالكتابة الجديدة شعرا ونقدا. لكن ذلك لم يكن ليسمح للتمدد أكثر، فالتيار المضاد كان أكثر شراسة وقوة.
جديد الموقع
- 2026-01-01 قراءة في كتاب (الشيخ الأحسائي) 2من2
- 2026-01-01 المعرض الثالث لمنتجي الماعز القزم في الأحساء حضور مميز
- 2026-01-01 "زاتكا"تعلن عن صدور قرار وزير المالية بتمديد مبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين حتى 30 يونيو 2026م
- 2026-01-01 جامعة جدة تطلق ملتقى البحث والابتكار وتكشف عن إنجازاتها واستراتيجيتها الجديدة نشر أكثر من 10000 بحث علمي
- 2026-01-01 صورة ذاتية (سِلْفي) مع كتاب!
- 2025-12-31 *لقاء ثقافي يناقش السرديات الشفهية ومنهجية التوثيق*
- 2025-12-31 القراءة والأنساق الثقافية
- 2025-12-31 الفرق الشعبية في الأحساء بين حفظ التراث وتضييعه
- 2025-12-31 أنشودة الفلاح الأحسائي
- 2025-12-31 *جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل تطلق برنامج القيادة في الرعاية الصحية لمتدربي زمالة طب الأسرة والبورد السعودي*