2026/08/08 | 0 | 66
مقاربة نقدية في كتاب "المرجعية الدينية" للخزرجي
البروفيسور خالد أحمد سِنداوي – فلسطين *
صدر حديثًا (2026م) عن دار لندن للطباعة والنشر (غولدن بوك للنشر) (Golden Book Publishers) كتاب "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حرّ بلا تمذهب سياسي" للدكتور نضير الخزرجي، في طبعة أنيقة جاءت في (166) صفحة من القطع الوزيري. ويُعدّ هذا المؤلَّف إضافةً علميةً نوعيةً إلى حقل الدراسات التاريخية والفكرية المعنية بتاريخ المرجعية الدينية في العراق؛ لما يتّسم به من منهجية توثيقية رصينة، ورؤية تحليلية متماسكة، وسعي جاد إلى استقراء التحولات التي رافقت أداء المؤسسة المرجعية في مختلف المنعطفات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق على امتداد العقود الخمسة الماضية.ولا تنبع أهمية هذا العمل من وفرة ماد
ته الوثائقية فحسب، بل من قدرته على توظيف الوثيقة التاريخية بوصفها أداةً للتحليل والتفسير، لا تقف عند حدود التوثيق أو السرد. ومن ثمّ، يتيح للقارئ الوقوف على طبيعة العلاقة الجدلية بين المرجعية الدينية والواقعين السياسي والاجتماعي، من خلال معالجة علمية تتجاوز الوصف التقليدي للأحداث إلى مقاربة تحليلية تستكشف سياقاتها، وتفسّر أبعادها، وتستجلي آثارها في مسار الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الانطباعية أو الأحكام المسبقة.
وقد اعتمد المؤلف على طيف واسع من المصادر الأولية، شملت الوثائق الرسمية، والخطابات، والبيانات، والشهادات المعاصرة، فجاءت مادته العلمية مؤسسة على قاعدة توثيقية متينة ومتنوعة، الأمر الذي أضفى على الدراسة قدرًا عاليًا من الموثوقية، ورسّخ قيمتها المرجعية في ميدان البحث الأكاديمي. ولم يقتصر جهد المؤلف على جمع المادة التاريخية، بل عمد إلى إعادة تنظيمها ضمن سياقاتها الزمنية والفكرية، رابطًا بين الحدث التاريخي وأسبابه ونتائجه، وبين النص والواقع الذي أفرزه، بما منح الدراسة بُعدًا تفسيريًا يتجاوز حدود التوثيق التقليدي إلى بناء قراءة نقدية تستند إلى التحليل والاستدلال، وتكشف عن ديناميات التفاعل بين المرجعية الدينية والتحولات السياسية والاجتماعية في العراق.
ومن أبرز النماذج التي يستند إليها الكتاب في بيان فاعلية المرجعية الدينية موقف الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري (1842- 1920م) ونجله الشيخ محمد رضا الشيرازي الحائري (1870- 1957م) إبّان الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى وقيادته للحراك الشعبي من مدينة كربلاء، إذ يعرض المؤلّف خطابه بوصفه وثيقة سياسية ووطنية تعكس طبيعة الوعي الذي كانت تتحرك في إطاره المرجعية آنذاك. فذلك الخطاب لا يُقرأ باعتباره بيانًا دينيًا فحسب، بل بوصفه نصًا يؤسس لمفهوم المقاومة بوصفها واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، ويربط بين الدفاع عن السيادة الوطنية وصيانة الكرامة الإنسانية، وهو ما يكشف عن تداخل الوظيفة الدينية مع المسؤولية الوطنية في خطاب المرجعية، ويبرهن أن حضورها في المجال العام لم يكن حضورًا طارئًا، بل امتدادًا لرؤية إصلاحية متكاملة.
ويعزز المؤلف هذا الاستنتاج باستحضار شهادات شخصيات سياسية وعسكرية شاركت في أحداث تلك المرحلة، وهي شهادات لا تُورد على سبيل الاستئناس التاريخي فحسب، وإنما تُوظَّف بوصفها قرائن تفسيرية تكشف حجم التأثير الذي مارسته المرجعية في تعبئة المجتمع وتوجيه إرادته السياسية. ومن ثم، تُسهم هذه الشهادات في رسم صورة أكثر اكتمالًا عن الدور التعبوي الذي اضطلعت به المرجعية، وبخاصة في عهد مرجعية السيد محسن الحكيم (1889- 1970م) في النجف ومرجعية السيد مهدي الشيرازي (1887- 1961م) في كربلاء، بوصفها فاعلًا اجتماعيًا يمتلك قدرة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الموقف الوطني.
وعند تناوله مرحلة ما بعد عام 2003، ينتقل المؤلّف إلى تحليل خطاب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، متوقفًا عند البيانات والفتاوى التي صدرت في ذروة الاحتقان السياسي والطائفي. ويكشف هذا التحليل أن المرجعية انتهجت خطابًا يقوم على ترسيخ السلم الأهلي، وتغليب المصلحة الوطنية، والحيلولة دون انزلاق البلاد إلى صراع داخلي، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا لتعقيدات المرحلة، ووعيًا بطبيعة المخاطر التي كانت تهدد وحدة الدولة والمجتمع.
ويبرز المؤلف أن دعوات المرجعية إلى ضبط النفس، ورفض الانتقام، وصيانة الدم العراقي، لم تكن مواقف ظرفية فرضتها طبيعة الأزمة، بل كانت امتدادًا لمنظومة فكرية وأخلاقية تستند إلى رؤية شرعية ووطنية متكاملة تجعل حفظ الإنسان واستقرار المجتمع في مقدمة الأولويات. ومن هنا، فإن مواقف المرجعية لا تُفهم بوصفها استجابات آنية للأحداث، وإنما باعتبارها جزءًا من مشروع إصلاحي يستند إلى مبدأ المسؤولية الدينية تجاه المجتمع والدولة.
كما يلفت المؤلف النظر إلى قدرة المرجعيّة على المحافظة على استقلاليتها إزاء التجاذبات السياسية، رغم محاولات متعددة لاستثمار مكانتها الرمزية في خدمة مشاريع، أو اصطفافات بعينها. ويُعد هذا الجانب من أبرز محاور الدراسة؛ لأنه يكشف أن المرجعية استطاعت، في كثير من المحطات، أن تحافظ على موقعها الأخلاقي والوطني، وأن تمارس دورها بوصفها سلطة معنوية تُعلي المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية أو الفئوية، الأمر الذي أكسب خطابها قدرًا كبيرًا من القبول والتأثير في المجتمع العراقي.
ولا يغفل المؤلف إبراز البعد الإنساني في شخصية السيد علي السيستاني، من خلال استعراض ما تعرض له من ضغوط وتهديدات خلال مراحل شديدة التعقيد، مع محافظته على خطاب يتسم بالاعتدال والحكمة، ورفضه الانخراط في الاستقطابات السياسية. ويقدم هذا العرض صورة متوازنة للمرجعية بوصفها مؤسسة تجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة الأزمات، وهو ما يعزز فهم طبيعة الدور الذي أدته في الحفاظ على التماسك الوطني.
ومن الناحية المنهجية، يمتاز الكتاب ببناء علمي متماسك، إذ تتكامل فيه المادة الوثائقية مع التحليل التاريخي والنقد السياسي، من غير أن يطغى أحدهما على الآخر. كما يلتزم المؤلف بدرجة عالية من الانضباط المنهجي في توثيق المعلومات، وترتيب الأحداث، ومناقشة الوقائع، الأمر الذي يمنح الدراسة قوة استدلالية واضحة، ويجعل نتائجها أكثر إقناعًا في إطار البحث الأكاديمي.
ومن أبرز عناصر التميز في هذا العمل أنه يتجاوز القراءة التقليدية للمرجعية بوصفها مؤسسة دينية محضة، ليكشف عن أبعادها الفكرية والوطنية والاجتماعية، ويحلل طبيعة تأثيرها في بناء المجال العام العراقي وتوجيه التحولات السياسية الكبرى. كما ينجح في الربط بين الماضي والحاضر، مبرزًا أثر التجارب التاريخية في تشكيل الواقع العراقي المعاصر، وهو ما يضفي على الدراسة قيمة استشرافية تتجاوز حدود التأريخ إلى الإسهام في فهم الحاضر واستيعاب تحديات المستقبل.
وعلى الرغم من أن المؤلف يتبنى رؤية إيجابية تجاه دور المرجعية، فإنّ البناء المنهجي للدراسة، واعتمادها على الوثائق والشهادات المتعددة، يحدّان إلى حدّ بعيد من النزعة التقريرية، ويجعلان الأحكام المطروحة أكثر استنادًا إلى الأدلة والبراهين منها إلى المواقف المسبقة. وتُعد هذه السمة من أبرز مواطن القوة في الكتاب؛ إذ تعزّز موضوعيته، وتمنحه قدرًا معتبرًا من الاتزان العلمي، وإن كان من شأن توسيع دائرة الحوار مع بعض الآراء المخالفة، وإخضاعها لتحليل مقارن، أن يثري المقاربة النقدية ويعمق نتائجها.
وخلاصة القول، يمثل كتاب "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حرّ بلا تمذهب سياسي" دراسة رصينة تجمع بين دقة التوثيق وعمق التحليل، وتقدّم قراءة علمية متوازنة للدور الذي اضطلعت به المرجعية الدينية في تاريخ العراق الحديث. وقد نجح الدكتور نضير الخزرجي في بناء عمل أكاديمي يستند إلى أسس منهجية واضحة، ويزاوج بين الوثيقة والتحليل، وبين التاريخ والفكر، بما يجعل هذا المؤلَّف مرجعًا مهمًا للباحثين في الدراسات التاريخية والسياسية والفكرية، وإضافة معرفية قيّمة إلى المكتبة العربية، لما يتيحه من فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة والمجتمع في العراق المعاصر.
وفي ختام هذه المقاربة، لا يسعني إلا أن أتمنى للدكتور نضير الخزرجي دوام التوفيق والسداد في مسيرته العلمية، وأن يواصل رفد المكتبة العربية بمؤلفات رصينة تجمع بين دقة التوثيق وعمق التحليل، وتسهم في إثراء الدراسات التاريخية والفكرية، وترسيخ ثقافة البحث العلمي الموضوعي. كما أرجو أن يحظى هذا الكتاب بما يستحقه من اهتمام لدى الباحثين والدارسين، وأن يكون منطلقًا لمزيد من الدراسات المقارنة التي تعمّق فهم دور المرجعية الدينية في بناء الدولة والمجتمع، وتستجلي أبعادها الفكرية والوطنية في ضوء التحولات التاريخية التي شهدها العراق والمنطقة.
* أكاديمي وباحث فلسطيني في الأدب العربي والدراسات الإسلامية، مختص في الأدب والفكر الشيعي الإمامي.
جديد الموقع
- 2026-08-08 الموسى الصحية بالأحساء تنجز الأعمال الخرسانية لمستشفى الهفوف بسعة 300 سرير
- 2026-08-08 مبادرة الأسعار التحفيزية لدعم تصدير التمور بالتزامن مع "كرنفال بريدة الدولي"
- 2026-08-08 انطلاق المرحلة الأولى من مقابلات متطوعي كأس آسيا السعودية 2027 في الخبر
- 2026-08-08 سعادة وكيل محافظة الأحساء يستقبل مدير عام التعليم بالمحافظة ويطّلع على نظام التعليم العام الجديد
- 2026-08-08 الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر سلبًا في أداء الأطفال الدراسي
- 2026-08-08 العزيمة ثم المثابرة
- 2026-08-07 هل يختلف من يكتب المدينة من داخلها عمن يكتبها من بعيد؟ العتيق ومشري أنموذجان
- 2026-08-07 *التعليم في الرقيات* .
- 2026-08-07 عشاق القهوة! لا بأس بتناول ما يصل إلى خمسة أكواب قهوة يوميََا، لكن بحذر، حسب بيان من الجمعية الأمريكية للقلب
- 2026-08-07 قواعد تربوية سبع لها أثار كبيرة في تشكيل مستقبل الطفل: وصايا جدة لحفيدة وزوجها