2026/07/10 | 0 | 42
لنهي عن معاداة الآخرين في كلام الإمام السجاد (عليه السلام)
يحث الإسلام المسلمين على التعامل فيما بينهم بالمحبة واليسر واللين واللطف والسماحة، وينهى عن كل ما يسبب العداوة والخصومة والبغضاء بينهم؛ لأن العداوة تشير إلى وجود خلل خطير في العلاقات الإنسانية البينية بين أفراد المجتمع ومكوناته، وتؤدي إلى التنازع والتصارع، وتولِّد الأحقاد والضغائن، وتنتج الكراهية والتباعد بين المتعادين، وربما أدَّت العداوات إلى إلحاق الأذى الجسدي والتعدي على حقوق الآخرين وسلبها.
وتعني "معاداة الناس" لغةً: إظهار العداوة، والخصومة، ومباغضة الآخرين. ويُقصد بها في السلوك الإنساني: اتخاذ مواقف عدائية أو القيام بأفعال تتضمن كراهية وتحريضًا ضد الآخرين، أو ممارسة التمييز العنصري، أو العمل من أجل إلحاق الضرر والأذى بهم.
وإلحاق الأذى والضرر بمن يُظهِر له العداوة قد يكون بالقول كالسب والشتم والتشهير والتعيير والقدح وكل كلام جارح، وقد يكون بالفعل كالضرب، واستخدام العنف الجسدي، وسلب الحقوق ونهبها.
والمؤمن هشٌ بشٌ ليِّنٌ في تعامله مع إخوانه ومن حوله، ولا يسعى إلى إنشاء العداوات مع الآخرين، ولا يتخذ مما يزيد من تسعير العداوة سبيلًا في التعامل مع إخوانه كالطعن والقدح والذم، بل يسعى بقدر استطاعته إلى تأليف القلوب، وإصلاح النفوس، وتعزيز المحبة بين المؤمنين.
للعداوة مخاطر وأضرار جسيمة على الأفراد والمجتمعات، كما أن معاداة الآخرين من الأمور المنهي عنها ما وجد للمحبة سبيلًا، والتآلف طريقًا، وقد نهى الإمام السجاد
عنها، وبيَّن مخاطرها بقوله: «إِيَّاكَ وَمُعَادَاةَ الرِّجَالِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدَمَ مَكْرَ حَكِيمٍ أَوْ مُفَاجَأَةَ لَئِيمٍ»[1] تدعو هذه الحكمة البليغة إلى اجتناب العداوات، وتجنب النزاعات مع الأخرين، وتحذر في الوقت نفسه من صناعة العداوات والصدام مع الآخرين، وخلق الأعداء والخصوم.
إن الإمام السجاد
يدعو في حكمته إلى حفظ العلاقات الإنسانية وتمتينها وينهى عن صناعة العداوة مع الآخرين، لأن الأصل الأخلاقي في العلاقات مع الناس يرتكز على المحبة والتحابب وليس الكراهية والعداوة.
ويشير الإمام
في حكمته النفيسة إلى بعض مخاطر العداوة وأضرارها، ومنها:
1- مكر الحكيم
من يعادي الناس ويخلق له أعداء لن ينجو من التعرض إلى مكرهم وكيدهم، إذ لا يقبل أي إنسان سوِّي أن يسيء إليه أحد، أو يعاديه أحد، وحتى الإنسان الحكيم لن يقبل بأن تلحق به الأضرار الناتجة من إظهار العداوة له، وهذا قد يدفعه إلى التخطيط المدروس للإيقاع بمن يعاديه، والبحث عن نقاط الضعف في شخصيته، وإلحاق أكبر أنواع الأذى والضرر به؛ فمن يعادي الآخرين ويسيء إليهم عليه أن يتوقع منهم الرد بالمثل أو أكثر.
والإنسان الحكيم لن يندفع إلى تصرفات عشوائية ضد من يعاديه، أو يتخذ مواقف ناتجة من الانفعال والعصبية، بل يخطط بذكاء ومكر للإيقاع بمن ألحق به الأذى والضرر، وهو ما سيسبب للطرف الآخر أذية مضاعفة.
2- مفاجأة اللئيم
من مخاطر العداوات هو قيام اللئيم – وهو من لا مرؤة ولا أخلاق عنده- بأفعال غير متوقعة، وأعمال شديدة الأذى؛ لأن اللئيم لا ضوابط ولا قيود ولا أخلاق تمنعه عن فعل أي شيء، فقد يتصرف تصرفات مشينة، وقد يفعل أعمالًا دنيئة، وقد يوقع من يعاديه في المزالق الخطرة والحفر العميقة التي أعدَّها له.
وعلى من يعادي الآخرين ألا يتوقع منهم أن يبعثوا له باقات الورود، أو رسائل الحب والإعجاب، بل سيعدون له ما يسبب أضرارًا وآلامًا نفسية وجسدية واجتماعية به؛ والعاقل الحصيف يجتنب خلق العداوات مع الآخرين ومخاصمتهم، بل يتودد إليهم ويجاملهم ويحترمهم حتى يحظى بمحبتهم واحترامهم أيضًا، وأما الأحمق فهو من يتقن صناعة الأعداء، وخلق العداوات مع الناس، فتراه يعادي فلانًا من الناس، ويخاصم علانًا، ويدخل في نزاع مع آخر، فلا ينتهي من عداوة حتى يدخل في أخرى.
لا يكتفي الإمام السجاد
بالنهي عن معاداة الناس لما فيها من مخاطر ونتائج سيئة، بل يدعو إلى ترك إنشاء العداوة أصلًا وإن لم يكن فيها أضرار، وعدم معاداة أحد من المؤمنين حتى وإن احتملت أنه لا يستطيع أن يلحق بك أي ضرر، إذ روي عنه
أنه قال: «لا تُعادِيَنَّ أحَدًا وإن ظَنَنتَ أنَّهُ لا يَضُرُّكَ، ولا تَزهَدَنَّ في صَداقَةِ أحَدٍ وإن ظَنَنتَ أنَّهُ لا يَنفَعُكَ، فإنَّكَ لا تَدري مَتى تَرجُو صَديقَكَ، ولا تَدري مَتى تَخافُ عَدُوَّكَ»[2] ففي هذه الحكمة الثمينة ينهى الإمام
عن الاستهانة بالآخرين سواء تعلَّق الأمر بكسب العداوات أو خسارة الصداقات؛ فلا تبادر إلى معاداة أحد وإن احتملت أنه لا يستطيع إلحاق الضرر بك، فقد تتغير الأحوال ويصبح الضعيف قويًا، ويكون في مركز القوة والقدرة على فعل الضرر بك؛ ولا تترك صديقًا لأنه لم يقدم لك شيئًا أو مصلحة أو منفعة، فقد تمر في يوم من الأيام بأزمة أو حاجة ولا يستطيع حلها غيره؛ فلا تبادر إلى معاداة أحد، ولا تزهد في صداقة أحد، فمعاداة أي أحد من دون وجه حق حماقة، وترك أي صديق من دون سبب حقيقي خسارة، وهذا معناه أن على الكيِّس الفطن الهروب من العداوات والخصومات قدر الإمكان، وأن يحافظ على العلاقات الإيجابية والحسنة مع الآخرين.
إن الإمام
يركز في هذه الحكمة الذهبية على ترك العداوات مع الآخرين، والمبادرة إلى مقابلة إخوانه بالمحبة والتآلف، وبذل السلام، ولين الكلام، وحسن اللقاء حتى تتعزز المحبة في النفوس، وتشتد عرى الانسجام في القلوب.
وقد اعتبر القرآن الكريم أن تأليف القلوب نعمة من النعم التي أنعم الله بها على عباده، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [3] فتأليف القلوب وتقريب النفوس بين المؤمنين من النعم التي يجب العمل على حفظها وتقويتها.
للعداوة أضرار أخرى غير التي مرَّ ذكرها؛ فهي نار تُحْرِقُ صَاحِبَهَا قبل خصمه، وتُذهب بوقار الإنسان ومرؤته، ويعذب نفسه بنفسه، فلا يشعر براحة بال، ولا استقرار حال، ولا سكينة نفس، ولا اطمئنان قلب.
والعداوة تسلب الإيمان، وتورث النفاق، وتفقد المرؤة، وتمرض القلوب، وتتعب النفوس، وتفسد العقول، ، وتستهلك الطاقات، وتضيع الأوقات، وتورث الهموم والغموم، وتؤدي إلى الكآبة والقلق النفسي والعزلة، وتدمر العلاقات مع الآخرين، وتفقد صاحبها القدرة على بناء علاقات إنسانية قوية ومتينة مع من حوله من الناس.
كما تؤدي العداوة إلى التخاصم والتنازع، وهو يؤدي إلى الفشل كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [4] بينما التحابب والتراحم والتآلف يؤدي إلى النجاح والسعادة.
تعد العداوة بين الأرحام والأقارب من أسوأ أنواع العداوات، وأكثرها إيلامًا، وأعظمها ضررًا عن العداوة بين الغرباء لارتباطهم بالدم والنسب والمشاعر الجياشة.
وتؤدي العداوة بينهم إلى قطيعة الأرحام، وقطع الأواصر العائلية والأسرية، وتورث الكراهية والبغضاء والأحقاد، وتوجب هجر الأرحام لبعضهم البعض، والتباعد بينهم، وغياب الرحمة والمودة، وانعدام الثقة المتبادلة، وتوليد التباغض والتباعد بين الأولاد والأحفاد، وتشتت العوائل والأسر، والتفكك والضعف أمام الآخرين وغيرها من الآثار السيئة للعداوة بين الأرحام والأقارب؛ وهو الأمر الذي يولِّد آلامًا نفسية، ونزاعات عائلية وأسرية قد تصل للمحيط الاجتماعي المرتبط بالأرحام والأقارب فتزداد حجم المشكلة، وتوجد شرخًا في الكيان الاجتماعي.
ومما يؤسف له ما نراه في المجتمع من وجود عداوات وصراعات بين الأرحام والأقارب، وقد يستمر بعضها لسنوات طوال، فتجد الأخ لا يكلم أخاه، والأخت لا تكلم أختها، والابن لا يكلم أبويه، وولد العم في نزاع مع ابن عمه أو ابن خالته أو ابن خاله أو ابن عمته، والعائلة الفلانية تعادي العائلة الأخرى من أرحامها، وهذه الحالة الشاذة قد تعود لخلاف على الإرث أو سوء فهم، أو تنافس على حطام الدنيا، أو خلاف بين الزوجات، أو بسبب تراكمات قديمة، بل أحيانًا تحدث لأتفه الأسباب وأقلها.
والعلاج يكون بالإحسان إلى الأرحام لأنه الأصل، فحتى لو أساؤوا ينبغي الصفح عنهم، ولو قطعوا ينبغي صلتهم فهذا التعامل من الأخلاق العالية، كما ينبغي التغافل عن الأخطاء، والتعالي على صغائر الأمور، والتسامح تجاه المواقف الخاطئة حتى تكون علاقات الأرحام مع بعضهم البعض قوية ومتينة، وترتكز على المحبة والتقدير والاحترام.
كما يجب المسارعة بالطلب من أهل الإصلاح سواء كانوا من نفس العائلة أو غيرها إلى معالجة هذه الخصومات والعداوات العائلية والأسرية، وترطيب الأجواء، وتقريب النفوس، وتأليف القلوب حتى لا تتحول العداوة إلى مرض مزمن ينعكس بدوره على الأولاد والأحفاد، ومن ثم قد تنتقل العداوة من الآباء إلى الأجيال الجديدة في نفس الأسرة أو بين عامة الأرحام والأقارب، وهو ما لا ينبغي أن يحدث أصلًا.
جديد الموقع
- 2026-07-10 قراءة في ديوان وطويت سبعاً
- 2026-07-10 اشتباه)
- 2026-07-10 تعليم الأحساء تكرم الزميل الاعلامي زهير الغزال
- 2026-07-10 خطاب المنبر الحسيني وتحديات ثقافة أدوات التواصل الاجتماعي
- 2026-07-09 * الأحساء: تطوير ورفع كفاءة طريق الملك فيصل الرابط بين الجفر والفضول*
- 2026-07-09 تعليم الاحساء يكرم 60 شخصا تعانوا مع الاتصال المؤسسي
- 2026-07-09 الإشادة الحكومية بالقطاع غير الربحي… مسؤولية تتجدد لصناعة الأثر
- 2026-07-09 *أمين الأحساء: تمكين الحرفيين ركيزة لتعزيز الاقتصاد الإبداعي وصون الموروث الثقافي*
- 2026-07-09 منافذ البيع تنتعش بأكثر من 31 ألف طن من ثمار الخوخ المنتجة محليًا
- 2026-07-09 التين يحلّي موسم الصيف ويُنعش الأسواق بإنتاج نحو 30 ألف طن من أجود الأصناف المحلية