2026/10/10 | 0 | 56
لماذا تتداخل ذكريات الأحداث المتشابهة مع التقدم في السن، وما التبعات الاجتماعية لذلك؟
بقلم إيان ماكدونو، أستاذ مشارك في علم النفس، جامعة بنغهامتون
تبدو الشيخوخة والنسيان وكأنهما متلازمان؛ لكننا وجدت أنا وزملائي أن الذكريات لا تُنسى بالضرورة، بل تصبح أقل دقة مع التقدم في السن. وتوضح دراستنا (1)، المنشورة في مجلة Cerebral Cortex، أن الدماغ مع التقدم في السن لا يستعيد الذكريات كما وقعت تمامًا، بل يميل إلى مزج الخبرات المتشابهة عند استرجاعها، فتختلط بعض تفاصيلها ببعض.
والذاكرة عملية معقدة؛ فحتى عندما تعمل بصورة طبيعية، فإن تذكّر حدث معين يتطلب عدة عمليات مترابطة (2).
لنفترض أنك تتحاور مع أحد أصدقائك. تبدأ المرحلة الأولى من الذاكرة أثناء الحوار نفسه؛ حين تعيش التجربة وتتفاعل معها، وتدرك تفاصيلها من خلال ما تراه وتسمعه وتشعر به، وما ينتابك من انفعالات لحظة وقوعها. ثم تأتي المرحلة الثانية، التي تتضمن تخزين هذه التفاصيل في الدماغ، كما لو كانت محفوظة في خزانة للملفات. أما المرحلة الثالثة فتحدث عندما تحتاج، بعد أسبوع مثلًا، إلى البحث في هذه «الخزانة» عن الملف المناسب لاسترجاع تفاصيل ذلك الحوار مع صديقك. وهذه المرحلة الأخيرة، أي استرجاع المعلومات، هي ما يقصده كثير من الناس عادةً عندما يتحدثون عن «الذاكرة». فالذاكرة، في نظرهم، هي القدرة على تذكّر واستحضار معلومات أو أحداث سبق تخزينها، مع أنها في الواقع تشمل مراحل أخرى أيضًا، مثل استقبال المعلومات وتخزينها.
تخيّل أن دماغك، أثناء استرجاعه معلومات من ذلك الحوار مع صديقك، خلط من غير قصد بعض تفاصيله بتفاصيل حوار آخر أجريته مع شريك حياتك في ذلك الصباح،
وعندما تحاول بعد ذلك تذكّر الحوار الذي دار بينك وبين صديقك، قد يسترجع دماغك، بدلًا من ذلك، تفاصيل الحوار الذي دار بينك وبين شريك حياتك. وقد يكون هذا النوع من الخلط مثالًا على ما يحدث للذاكرة مع التقدم في السن.
ما أهمية فهمنا ظاهرة الخلط بين الذكريات وتأثيرها في حياتنا؟
يُعد تذكّر الأشخاص والأحداث عنصرًا مهمًا في كثير من الأنشطة والتفاعلات الاجتماعية، ولذلك قد يكون الخلط بين أسماء الأشخاص أمرًا محرجًا (3). ولا يقتصر أثر هذا الخلط على الإحراج فحسب، إذ إن الخوف من الخلط بين الذكريات قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية. فقد يشعر الشخص بالقلق من تذكّر موقف بصورة خاطئة، أو من إسناد تفاصيل أو أحداث إلى الشخص الخطأ، ما قد يدفعه إلى تجنّب المواقف والفعاليات الاجتماعية. ومع تكرار هذا التجنّب، قد ينتهي به الأمر إلى العزلة الاجتماعية (4).
يعرف الباحثون بالفعل أن الذكريات لا تُفقد بالضرورة عند تعذّر استرجاعها؛ بل إن حدوث الخلط بين الذكريات واسترجاعها بصورة غير دقيقة أكثر شيوعًا من نسيانها تمامًا (5). أي أن الشخص قد يتذكر الحدث، لكنه قد يخلط بين تفاصيله وتفاصيل حدث آخر، لا من أن تختفي ذاكرة الحدث من ذاكرته كليًا.
سعت الدراسة التي أجراها فريق البحث إلى معرفة متى يحدث الخلط بين الذكريات أثناء عملية الذاكرة، وما الدور الذي يؤديه الحُصين، وهو مركز الذاكرة في الدماغ، في ذلك (6).
يؤدي الحُصين دورًا في مختلف مراحل الذاكرة؛ إذ إن أنماط النشاط العصبي ( neural firing patterns) (7) التي تظهر في المرحلة الأولى من تكوين الذاكرة، أي عند وقوع الحدث للمرة الأولى، مثل حديثك مع صديقك، غالبًا ما تتكرر أثناء تخزين الدماغ للذاكرة، ثم تتكرر مرة أخرى عند استرجاعها لاحقًا.
مقطع فيديو يسلط الضوء على دور الحُصين الأساس في عملية الذاكرة: .
https://youtu.be/KkaXNvzE4pk?si=RJqIxoeZgq3hMgyX
في دراستنا، صوّرنا أدمغة أشخاص شباب ومتوسطي عمر وكبار سن أثناء مرورهم بالمراحل الثلاث نفسها من الذاكرة. وأثناء وجودهم في جهاز التصوير، عُرضت عليهم لفترة وجيزة صورتان: وجه في أعلى الشاشة، ومشهد أو شيء في أسفلها، مثل غابة أو تفاحة. وطُلب منهم تخيّل الشخص في الصورة العليا وهو يتفاعل مع الغابة أو التفاحة في الصورة السفلى. واعتبرنا كل زوج من الصور تجربة مستقلة عليهم تكوين ذاكرة عنها.
وطُلب منهم أن يتخيلوا الشخص في الصورة العليا وهو يتفاعل مع المشهد أو الشيء في الصورة السفلى. واعتبرنا كل زوج من الصور «حدثًا» مستقلًا.
في دراستنا، صوّرنا أدمغة أشخاص شباب ومتوسطي العمر وكبار السن أثناء مرورهم بالمراحل الثلاث نفسها من الذاكرة. وأثناء وجودهم في جهاز التصوير، عُرضت لهم لفترة قصيرة صورتان: وجه في أعلى الشاشة، ومشهد أو شيء في أسفلها، مثل غابة أو تفاحة. وطُلب منهم تخيّل الشخص في الصورة العليا وهو يتفاعل مع المشهد (كأن يتمشى داخل الغابة، مثلًا) أو التفاحة (كأن يكون ممسكّا بتفاحة أو يأكلها) في آسفل الشاشة. اعتبرنا اقتران كل صورة وجه بصورة الغابة أو التفاحة تجربةً مستقلة يتعين على المشاركين تكوين ذاكرة عنها
بعد ذلك، استراح المشاركون لمدة 20 دقيقة، بينما واصلنا تسجيل نشاط أدمغتهم. ثم خضعوا لاختبار الذاكرة. في كل مرة، ظهرت في أعلى الشاشة صورة وجه سبق أن رأوها، وتحتها أربع صور. وكان عليهم اختيار الصورة التي سبق أن عُرضت مع ذلك الوجه. كررنا الاختبار عدة مرات لقياس قدرتهم على تذكّر الروابط بين الوجوه والمشاهد والأشياء التي عُرضت معها في التجارب المستقلة المختلفة.
وجدنا أن كبار السن كانوا أكثر احتمالَا للخلط بين الذكريات مقارنةً بالشباب. فعلى سبيل المثال، كانوا أكثر احتمالّا لتذكّر الوجهٍ بصورة خاطئة على أنه كان مقترنًا بالغابة، مع أنه عُرض في البداية مقترنًا بتفاحة. كما كان كبار السن أقل احتمالًا لتكرار أنماط النشاط العصبي نفسها التي ظهرت عند تكوين ذاكرة معينة وتخزينها واسترجاعها. والمثير للدهشة أن كبار السن، حتى عندما كرروا أنماط النشاط العصبي الأصلية، كانوا أكثر احتمالًا للخلط بين ذكرياتهم.
تقدم دراستنا دليلًا جديدًا على أن الحُصين يبدأ، مع التقدم في السن، في تغيير الذكريات بطريقة تؤدي إلى الخلط بين الذكريات.
أسئلة ما تزال قائمة عن دور الحُصين في الخلط بين الذكريات عند كبار السن
تشير الدراسات التي أُجريت على الشباب، بما في ذلك دراستنا، إلى أن الحُصين يُفترض أن يُظهر أنماط النشاط العصبي نفسها عند تذكّر حدث ما، كما كان يُظهرها عند وقوع الحدث في المرة الأولى.
لكن كبار السن الذين وقعوا في الخلط بين الذكريات أكثر من المشاركين الأصغر سنًا أظهروا أيضًا أنماط النشاط العصبي نفسها. فما نمط النشاط العصبي الذي يظهر في الدماغ عندما يتذكر كبار السن حدثًا بصورة صحيحة؟ وهل تساعد مناطق أخرى في الدماغ، خارج الحُصين، في ذلك؟
لم تقدم دراستنا إجابة واضحة عن هذه الأسئلة.
ما يزال الباحثون يدرسون طريقة تواصل مناطق الدماغ المختلفة مع بعضها بعض. ومن المجالات الواعدة في علم الأعصاب فهم يؤدي التحفيز الكهربائي للحُصين (8) في منع فقدان الذاكرة أو استرجاع الذكريات المفقودة.
وقد تسعى التدخلات المستقبلية إلى تقوية الحُصين لمنعه من تغيير ذكرى معينة بعد تخزينها. ولدى الباحثين بالفعل بعض الأفكار لتحقيق ذلك، منها ممارسة التمارين الرياضية المكثفة، والتدريب على اليقظة الذهنية والتحفيز الدماغي (9)، وحتى تسجيل إشارات تساعد على التذكر في الهواتف الذكية (10).
لكن ما يزال يتعين على الباحثين التحقق مما إذا كان تغيير نمط نشاط الحُصين يمكن أن يؤدي إلى ذكريات ثابتة ومتسقة بمرور الوقت.
الهوامش
1- https://academic.oup.com/cercor/article/36/7/bhag114/8758582
2- https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/acn3.52290
3- https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/13872877251330149
4- https://journals.sagepub.com/doi/full/10.5014/ajot.2023.050151
5- https://psycnet.apa.org/doiLanding?doi=10.1037/0278-7393.26.5.1170
6- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12194864/
7- https://psycnet.apa.org/doiLanding?doi=10.1037/0278-7393.26.5.1170
9- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0301051117300030?via=ihub
10- https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2214285119
مصدر الرئيس
جديد الموقع
- 2026-10-10 قبل أن تضغط " إرسال "
- 2026-10-10 افراح الغزال والحواج بالهفوف
- 2026-10-10 (جَدِّي الذي دَلَّني على طريقِ جماليَّاتِ النص)
- 2026-10-10 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الخامسة: الأنعام... حين تصبح النعمة آية*
- 2026-10-10 قراءة في كتاب أعلام آل أبي بوخمسين
- 2026-10-10 قراءة في كتاب الكتابة وإلهام القراءة
- 2026-10-10 العلاقات بين الأجيال.. فجوة أم اختلاف صحي؟
- 2026-10-09 الفتح يوقّع اتفاقية رعاية وشراكة مع شركة سويتر
- 2026-10-09 الفتح يوافق على إعارة الحارس عبدالهادي العلوان إلى النصر
- 2026-10-09 الفتح وخالد العطوي ينهيان العلاقة التعاقدية بالتراضي