2026/06/30 | 0 | 205
العمل التطوعي: بين إشراق الإخلاص وظلمة «الأنا»
شهد مجتمعنا في السنوات الأخيرة نهضةً معرفيةً وتنمويةً مباركة، تجلّت في نشوء عددٍ من الجمعيات واللجان الخيرية والثقافية والاجتماعية، يقودها ثُلّةٌ من شبابٍ واعٍ يحمل همّ الإصلاح وروح المبادرة؛ فمن لجان البر، والزواج الجماعي، والإرشاد الأسري، وعلوم القرآن، إلى المؤسسات المعنية بإحياء ذكر أهل البيت (عليهم السلام).
وهذا الحراك التطوعي ليس نشاطاً اجتماعياً عابراً، بل هو مظهرٌ من مظاهر الوعي الحضاري، وتجسيدٌ لقيمةٍ إيمانيةٍ سامية؛ إذ ينطلق المتطوع في أصل قصده طالباً رضا الله تعالى، ممتثلاً لقوله سبحانه:
{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].
غير أن العمل النبيل قد يفقد صفاءه حين يتسلل إليه داء «الأنا»، فتتحول الخدمة من عبادةٍ يُبتغى بها وجه الله، إلى وسيلةٍ لبناء مجدٍ شخصي أو طلبِ وجاهةٍ اجتماعية؛ وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وآله) من هذا المنزلق حين قال:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قيل: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء».
ومن أبرز المظاهر التي قد تكشف تسلل حب الذات إلى بعض الأعمال التطوعية:
١- حجب الحقوق ونسبة الجهد إلى الذات
حين تُختزل الإنجازات الجماعية في شخصٍ أو دائرةٍ ضيقة، ويُغفل فضل المشاركين، يفقد العمل بركته؛ فالنجاح ثمرةُ تكاملٍ لا صناعةُ فرد. وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«لا يُفسِدُ على رؤوس الأعمال إلا استبدادُ الرأي».
٢- استثقال النصح والنفور من المراجعة
فالمخلص يرى النصيحة عوناً لا انتقاصاً، ويعتبر النقد باباً للتقويم لا سُلّماً للخصومة؛ أما من تستحكم فيه الأنا فيضيق صدره بكل صوتٍ يخالفه.
٣- التمسك بالمواقع واحتكار الإدارة
حين تتحول المؤسسة العامة إلى مساحة نفوذٍ شخصي، ويُغلق باب تداول المسؤولية، يذبل روح التطوع ويضيق مجال المشاركة، بينما الرسالات الكبرى تقوم
على الشورى وتكامل الأدوار.
٤- التعصب الضيق وإفراغ العمل من رسالته
عندما يُصبغ النشاط بلون العائلة أو المنطقة أو العلاقات الخاصة، يفقد العمل التطوعي روحه الإنسانية الجامعة، ويتحول من رسالةٍ إلى دائرةٍ مغلقة.
٥- خنق الموهبة ومزاحمة الكفاءات
إذ يخشى بعضهم من بروز غيره، فيهمّش الطاقات ويؤخر المبدعين، بينما الإخلاص الحقيقي يفرح بامتداد النجاح واتساع دائرة العطاء.
ختاماً:
إلى أولئك الذين صفَت نياتهم، وبذلوا أوقاتهم وجهودهم، وعملوا بصمتٍ لا يطلبون جزاءً ولا ظهوراً؛ أولئك الجنود المجهولون في الأرض، المعروفون في السماء… هنيئاً لكم ما أخفيتم من خير، وما قدمتم من أثر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويكفيكم وساماً قوله تعالى:
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9].
جديد الموقع
- 2026-07-01 هل غسل الأرز قبل طبخه ضروري بالفعل؟”
- 2026-07-01 اربعة عشر شابًا رحلوا في طرفة عين
- 2026-07-01 قصائد على إيقاعات التأمل والحياة في بيت الشعر
- 2026-07-01 *د.مجد الحدادين استشاري الجراحة العامة وجراحة الجهاز الهضمي بمستشفيات الحمادي.. في حديث عن:* *التعلم الذاتي في مجال المهن الطبية وأهميته*
- 2026-07-01 تعليم الأحساء يكرم 100 متميزاً من قياداته ومنسوبيه
- 2026-06-29 الشعر الولائي .. بين النخبوية والشعبوية
- 2026-06-29 كتب طبعت بعد موت مؤلفيها - 2
- 2026-06-29 كتابة بالدموع.. دوستويفسكي
- 2026-06-29 السيد علي الناصر السلمان والقراءة
- 2026-06-28 ضعف التركيز لا يعني ضعف الذكاء، بل قد يوحي بعمليات دماغٍية معقدة