2026/07/07 | 0 | 290
التكريم في زمن العطاء… ثقافة الوفاء وبناء الإنسان
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. الرحمن: 60
ليس التكريم هديةً عابرة، ولا درعًا يُقدَّم في احتفال ثم يُنسى، بل هو لغة حضارية تعبّر عن رقي الأمم، وميزانٌ يُقاس به مقدار وفائها لمن صنعوا وعيها، وأثروا ثقافتها، وأسهموا في بناء الإنسان قبل بناء المكان. فالأوطان لا تنهض بالمنجزات المادية وحدها، وإنما تنهض بعقول أبنائها، وبأصحاب الرسالات الذين يضيئون الطريق للأجيال.
ولطالما تساءلت: لماذا نؤجل كلمات الشكر حتى يغيب أصحابها؟ ولماذا تتحول كثير من حفلات التكريم إلى مناسبات تُقام بعد الرحيل، فيتسلّم الأبناء أو الأحفاد دروع التكريم نيابةً عن صاحبها؟ أليس الأجدر أن يرى المبدع ثمرة عطائه بعينيه، وأن يسمع كلمات الامتنان وهو لا يزال قادرًا على مواصلة الإبداع؟
إن تكريم الراحلين خلقٌ نبيل، لكنه لا يغني عن تكريم الأحياء. فالمبدع وهو في أوج عطائه يحتاج إلى كلمة تقدير تشد من أزره، وإلى لفتة وفاء تؤكد له أن سنوات التعب لم تذهب هباءً. وحين يشعر الإنسان بأن مجتمعه يقدّر جهده، فإنه يزداد إخلاصًا وعطاءً، ويصبح نجاحه دافعًا لنجاحات أخرى.
ولأنني أؤمن بهذه القيمة إيمانًا راسخًا، فقد كان من أعظم المحطات التي أعتز بها ذلك التكريم الذي حظيت به في مهرجان سوسة للمبدعات العربيات بالجمهورية التونسية، الذي احتفى بثلاث عشرة عربية مبدعة من مختلف أنحاء الوطن العربي، وكان لي شرف أن أكون واحدة منهن.
لم يكن ذلك التكريم بالنسبة لي مناسبة شخصية فحسب، بل كان لحظة شعرت فيها بأن سنوات البحث والكتابة والعمل الثقافي وجدت صداها خارج حدود الوطن، وأن الإبداع الصادق قادر على أن يصل إلى القلوب أينما كان. وقوفي على منصة التكريم بين نخبة من المبدعات العربيات كان مصدر فخر وامتنان، لأنه أكد لي أن الثقافة العربية فضاء واحد، وأن المبدع الحقيقي يحمل وطنه معه أينما حلّ.
وقد تضاعفت سعادتي عندما بادرت أثنينية النعيم، بعد عودتي من تونس، إلى تكريمي في لقاء ثقافي كريم، في بادرة تعكس أصالة الوفاء، وتؤكد أن المجتمع الذي يحتفي بمبدعيه إنما يحتفي بقيمه وهويته. لقد كان ذلك التكريم امتدادًا لمعنى جميل مفاده أن النجاح لا يكتمل إلا حين يجد التقدير من أبناء الوطن قبل غيرهم.
ومن المحطات التي أعتز بها كذلك، ذلك التكريم الذي أحاطتني به أسرتي بعد حصولي على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة من جامعة الملك فيصل. لم يكن احتفالًا بشهادة أكاديمية فحسب، بل كان احتفاءً برحلة طويلة من الصبر والاجتهاد، وبسنوات من البحث والمثابرة حتى تحقق الحلم بفضل الله.
لقد كان لذلك التكريم أثر عميق في نفسي، لأنني شعرت أن أسرتي لم تكن تحتفل بالنتيجة فقط، بل كانت تحتفي بكل خطوة في الطريق. كانت فرحتهم الصادقة أكبر من أي وسام، وأيقنت أن أعظم صور التكريم هي تلك التي تصدر من القلوب المحبة، لأنها تمنح الإنسان طاقة جديدة، وتشعره بأن نجاحه مسؤولية ورسالة قبل أن يكون إنجازًا شخصيًا.
ولأنني أؤمن بأن الوفاء يُمارس قبل أن يُقال، فقد كان لي شرف المبادرة عام 2001 إلى إقامة حفل تكريم كبير للأستاذة القديرة رباب الشيخ بمناسبة تقاعدها من مهنة التعليم. لم يكن ذلك الحفل احتفاءً بانتهاء مسيرتها الوظيفية، بل كان احتفاءً بتاريخ من العطاء في تربية الأجيال، وإيمانًا مني بأن المعلّم يستحق أن يُكرَّم وهو يرى أثر رسالته في طلابه ومحبيه.
وقد ازددت يقينًا بعد تلك التجربة بأن التكريم لا يمنح الفرح للمكرَّم وحده، بل يرسّخ في المجتمع ثقافة الاعتراف بالجميل، ويزرع في نفوس الشباب الإيمان بأن الإخلاص في العمل لا يضيع، وأن الأوطان تحفظ لأبنائها المخلصين جميل صنيعهم.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى أن نجعل التكريم مشروعًا ثقافيًا مستدامًا، لا مناسبة موسمية، وأن نحتفي بالأدباء والمبدعين والعلماء والمعلمين والمفكرين والفنانين وأصحاب المبادرات الإنسانية وهم بيننا، يسمعون كلمات التقدير، ويشعرون بقيمة ما قدموه، ويواصلون عطاءهم بروح أكثر إشراقًا.
فالتكريم ليس نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية جديدة، ورسالة تقول للمكرَّم: لقد رأينا جهدك، وقدّرنا عطاءك، وننتظر منك المزيد. وهو في الوقت ذاته رسالة إلى المجتمع بأن الأمم العظيمة تُبنى بسواعد المخلصين، وتبقى شامخة لأنها لا تنسى أصحاب الفضل فيها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الكلمات، أن الوفاء لا يحتاج إلى مناسبات، بل يحتاج إلى قلوب تعرف قيمة الإنسان، وتدرك أن كلمة شكر في وقتها قد تساوي عمرًا من السعادة، وأن درعًا يُقدَّم في حياة صاحبه أغلى من عشرات الدروع التي تُرفع بعد رحيله.
كرِّموا الإنسان في زمن عطائه، فإن أجمل الأوسمة ليست تلك التي تُعلَّق على الصدور، بل تلك التي تستقر في القلوب.
جديد الموقع
- 2026-07-07 مركز خدمات ترخيص الآليات والسائقين بعجمان يستقبل وفداً من هيئة الطرق والمواصلات بدبي لتبادل أفضل الممارسات
- 2026-07-07 *مدرسة آمنة بنت الإمام جابر بن زيد تفوز بالمستوى الذهبي في مبادرة المدارس المعززة للصحة*
- 2026-07-07 وفد من الأحساء يقدم الشكر لصاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية ونائبه على الجهود المبذولة
- 2026-07-07 آداب التواصل المهني في بلدية الجفر
- 2026-07-07 قراءة في كتاب الموسوعة العالمية للأساطير الشعبية
- 2026-07-07 قراءة في كتاب وعي الذات وعي الحياة
- 2026-07-06 غاليتي و القمر
- 2026-07-06 من تنظيم نادي مدار الثقافي.. أمسية عن لياقة القراءة
- 2026-07-06 العمل التطوعي من الرفاهية إلى الجدّية
- 2026-07-06 أسماء بوخمسين.. امرأة تحمل الحلم وتزرع القراءة