2026/06/23 | 0 | 72
مجلس وأثر
بقلم سعيد محمد حسن ال مبارك
أجد نفسي في كل موسمٍ حسيني حائراً في البحث عن مجلسٍ متميز، لا بمعايير الحضور الكثيف، ولا بسعة المكان أو جماله، ولا حتى بسهولة الوصول إليه ووفرة المواقف القريبة، ولا بدرجة علم المحاضر، بل بمعيارٍ مختلف تماماً؛ مجلسٍ يُقاس بقدر ما يتركه من أثرٍ جميل في الداخل، أثرٍ يبقى بعد انتهاء المجلس، ويستمر بعد مغادرة المكان، ويعيد تشكيل شيءٍ في الوعي أو القلب.
ومن هذا المنطلق كانت هذه التغطية المتواضعة لبعض ما وفقني الله لحضوره من المجالس خلال الأيام الأولى من شهر محرم، وما استوقفني فيها من محاضرات وتجارب تستحق أن تُذكر.
ثم بدأت رحلتي منذ الأيام الأولى على هذا النحو، أتنقل بين المجالس وأستمع إلى أطروحات متعددة، أبحث عن الفائدة حيثما كانت، وأتأمل في تنوع الأساليب في طرح القضايا الدينية والفكرية والاجتماعية والفلسفية والتاريخية.
إلى أن حضرت إحدى الليالي مجلس سماحة الشيخ سعيد الخويلدي في مسجد الامام زين العابدين (ع)، حيث كان الحديث عن الخير والشر وعلاقتهما بالإنسان والحياة. وقد استطاع أن ينسج الموضوع بصورة متماسكة تجمع بين التاريخ والعقيدة، وتُطعَّم بأمثلة اجتماعية قريبة من واقع الناس، بأسلوب سلس يناسب الصغير والكبير، والمتخصص وغير المتخصص، مما جعل المحاضرة قريبة من الجميع ومتصلة بحياة كل مستمع.
ثم أكملت رحلتي بين المجالس الأخرى، لأجد نفسي بعد أيام في مجلس آخر يكون فيه الشيخ سعيد الخويلدي أيضاً، وهذه المرة كان الحديث عن الحب ودوره الفاعل في حياة الإنسان. وأكثر ما لفت انتباهي ارتباط الحضور بالموضوع وتركيزهم الشديد مع كل فكرة تُطرح، لما يمتلكه الشيخ من قدرة على ربط المفاهيم بحياة الناس اليومية، فلا يشعر المستمع أن الحديث بعيد عنه أو مجرد طرح نظري.
ومن الجميل كذلك أن الشيخ لا يغفل عن إدخال لمسات خفيفة ولطيفة أثناء المحاضرة؛ ابتسامة هنا، وطرفة تاريخية هناك، أو فكرة تحمل شيئاً من الظرف والعمق في آن واحد، مما يجدد انتباه الحضور ويزيد من تفاعلهم. ثم يصل بالمجلس إلى عبارته المؤثرة: “وهل الدين إلا الحب”، قبل أن يختم بأبيات شعرية جميلة تعيد ربط الموضوع بالمصيبة بصورة طبيعية ومعبرة جداً.
أما ليلة شيخ الأنصار حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه، فقد كان الحديث عن “الأنا” وأثرها في شخصية الإنسان وعواقبها الوخيمة، مستعرضاً نماذج قرآنية لمن غلبتهم الأنا كإبليس وفرعون والنمرود، ثم انتقل إلى أبعادها الفلسفية والاجتماعية والشخصية، وربطها بمفهوم النفس كما ورد في القرآن الكريم: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، والراضية المرضية.
وكان من أجمل ما طُرح في تلك الليلة التأكيد على ضرورة ذوبان الأنا أمام الله سبحانه وتعالى، وكذلك أمام الوالدين، وأن التواضع والانكسار لهما من أعظم صور الرقي الإنساني والإيماني. وكعادته، لم يترك الموضوع في إطاره النظري، بل ربطه بالحضور والمجتمع والواقع، ثم أوصله بسلاسة إلى مصيبة سيدنا الإمام الحسين (عليه السلام)، ليبين كيف ذابت الأنا تماماً في نفوس أنصاره يوم كربلاء لا سيما صاحب الليلة شيخ الانصار.
ومن الفقرات اللطيفة التي رسمت الابتسامة على وجوه الحضور في تلك الليلة، استشهاده بقصيدة جميلة لأمير الشعراء أحمد شوقي، جاءت بصورة طريفة وعميقة في آنٍ واحد، لتجسد كيف يمكن للإنسان أن يقع أسيراً لـ”الأنا” حتى بعد أن تتهاوى كل أسباب التفاخر من حوله:
يحكون أن رجلاً كردياً
كان عظيم الجسم همشرياً
وكان يُلقي الرعبَ في القلوبِ
بكثرةِ السلاحِ في الجيوبِ
ويُفزع اليهودَ والنصارى
ويُرعب الكبارَ والصغارا
وكلما مرَّ هناكَ وهُنا
يصيحُ بالناسِ: أنا! أنا! أنا!
نمى حديثُه إلى صبيِّ
صغيرِ جسمٍ، بطلٍ، قويِّ
لا يعرفُ الناسُ له الفتوَّه
وليس ممن يدَّعون القوَّه
فقال للقومِ: سأُريكمُ به
فتعلمون صدقَه من كذبِه
وسار نحو الهمشريِّ في عجلْ
والناسُ مما سيكونُ في وجلْ
ومدَّ نحوه يميناً قاسيه
بضربةٍ كادت تكونُ القاضيه
فلم يُحرِّك ساكناً، ولا ارتبكْ
ولا انتهى عن زعمه، ولا تركْ
بل قال للغالبِ قولاً ليِّناً:
الآن صرنا اثنين: أنتَ وأنا
وقد كانت هذه الأبيات موفقة جداً في إيصال الفكرة، إذ لم تكن مجرد طرفة شعرية، بل تجسيداً بسيطاً وعميقاً لكيفية تضخم الأنا حتى في لحظة السقوط، وكأنها ترفض أن تنكسر حتى أمام الحقيقة.
ويتميز الشيخ، في تقديري المتواضع، بذاكرة قوية، وأسلوب سلس، واختيار موفق للشواهد والأبيات الشعرية، إضافة إلى قدرته على بناء الموضوع بصورة تجعل المستمع يتابع الفكرة من بدايتها إلى نهايتها دون عناء، مع ربط مستمر بين الفكر والعقيدة والواقع الاجتماعي، ثم العودة بسلاسة إلى مدرسة سيدنا الإمام الحسين (عليه السلام) وما تحمله من دروس وقيم خالدة.
وهنا أصل إلى نهاية هذه التغطية المتواضعة لما وفقني الله لحضوره من المجالس الحسينية حتى اليوم السادس من شهر محرم.
ونسأل الله التوفيق لجميع الخطباء والرواديد وخدمة أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وأن يرزقنا حسن الاستفادة من هذا الموسم العظيم، وأن يعيده علينا وعليكم بالخير والبركة، وأن يخلد في قلوبنا ذكرى سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، رمز الإيثار والبطولة والموقف والتضحية.
ولا يفوتني أن أوضح أن هذه التغطية لم تكن سوى انطباعٍ واقعي وصادق عمّا حضرت واستفدت منه… وليس لأن اسم الشيخ كاسمي سعيد
السلام على الحسين،
وعلى علي بن الحسين،
وعلى أولاد الحسين،
وعلى أصحاب الحسين.
جديد الموقع
- 2026-06-23 الوقف والتنمية الثقافية .. قراءة في المرتكزات والآفاق
- 2026-06-23 كيف نجعل من عاشوراء مناسبة للتقارب
- 2026-06-23 لماذا نبكي ونذرف الدموع؟
- 2026-06-23 مشاعر الحزن تدوم أطول من غيرها من المشاعر الأخرى
- 2026-06-22 الدكتور حجي الزويد يحسم الجدل: توقف علاج الحديد مبكرا قد يعيد فقر الدم حتى بعد تحسن التحاليل
- 2026-06-22 *الشيخ خالد الراشد يشكر القيادة الرشيدة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة*
- 2026-06-22 سمو محافظ الأحساء يرعى توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة تطوير الأحساء ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد
- 2026-06-22 *وزارة التعليم تعتمد منصة (مدارس) لتسهيل تسجيل الطلاب في التعليم الخاص وتعزيز تجربة أولياء الأمور*
- 2026-06-22 ترقية تركي بن خنيصر إلى رتبة عميد في شرطة المنطقة الشرقية
- 2026-06-21 (جَبَلُ الفيلِ عُلاك)