2026/05/31 | 0 | 29
ما الغاية من الأحلام؟
في إحدى الليالي، رأى ألبرت أينشتاين في المنام أنه كان يتمشى في إحدى المزارع، فوجد قطيعًا من الأبقار محاصرًا بسياج كهربائي. وبعد أن كهرب المزارع السياج، ارتدت كل الأبقار على أعقابها فجأة. كونه قريبََا منها، لاحظها ألبرت تقفز جميعها في وقت واحد. لكن بالنسبة لعين المزارع الواقف في الطرف الآخر من الحقل، بدت وكأنها تقفز واحدة تلو الأخرى بفاصل زمني قصير جدََا، في شكل موجة. استيقظ أينشتاين، ومن هنا أصبح هذا الحلم مصدر إلهام لفكرة نظرية النسبية المنسوبة إليه. وهي أن ملاحظات الزمن والأحداث قد تختلف باختلاف موقع المُشاهد أو المراقب وحركته.
تُعدّ الأحلام من أقدم الظواهر البيولوجية. وتمثل ظاهرة إنسانية قديمة؛ وقد ارتبطت الأحلام ارتباطََا وثيقََا منذ فحر التاريخ بتجربة النوم عند الإنسان. لكن رغم أنها تعد مصادر إلهام للأفكار والإبداعات والاكتشافات، إلّا أنها ظلّت لغزًا محيرًا، تاركةً العلماء والفلاسفة والفنانين، على حدّ سواء، في حيرة، يسعون بحثََا عن فك شفراتها.
في الكثير من ثقافات السكان الأصليين، مثل شعب إيسا إيجا في منطقة الأمازون البيروفية، يُعدّ الحلم تجربة مقدسة لاكتساب المعرفة أو حلّ المشكلات من خلال رواية وتفسير أو تعبير الأحلام. ولكن في القرن الماضي تقريبًا، مكنت التطورات التكنولوجية باحثي علم الأعصاب من دراسة الأحلام، باعتبارها موضوع بحثَ علمي للإجابة على سؤالٍ لطالما حير وشغل بال الباحثين: ما الغاية من الأحلام؟
الخلود إلى النوم
يُعدّ الدماغ البشري مركزََا رائعًا. فهو يحوي حوالي 80 مليار خلية عصبية تتواصل بينها، وهكذا يعمل من خلال ذلك الدماغ، وتنتج هذه الخلايا مجتمعةً ذبذبات كهربائية تُعرف بالموجات الدماغية. وهناك خمسة أنواع من موجات الدماغ - ألفا، وبيتا، وثيتا، ودلتا، وغاما - يشير كل منها إلى حالة ذهنية مختلفة بين اليقظة والاسترخاء والنوم العميق والأحلام
باستخدام تخطيط كهربية الدماغ (EEG) وهو فحص يُسجّل النشاط الكهربائي في الدماغ، اكتشف باحثون أنه عندما نكون مستيقظين، يُصدر دماغنا موجات بيتا وغاما. ولهذه الموجات تأثير مُنشط، وتساعدنا على البقاء يقظين ومنخرطين في التركيز والأنشطة الذهنية.
الشل: نطاقات التردد المختلفة للتذبذبات العصبية، أو موجات الدماغ: دلتا، ثيتا، ألفا، بيتا، وجاما (مرتبة من الأعلى إلى الأسفل).
لكن خلال مرحلة الانتقال من اليقظة إلى الاسترخاء ومن ثم إلى حالة النوم، تتناقص موجات بيتا بشكل ملحوظ، وتزداد موجات ألفا قوةََ، لأن الدماغ ينفصل تدريجيًا عن المؤثرات الخارجية. تُنظّم هذه الموجات الانتباه وتحدد المعلومات التي يجب التركيز عليها وتتجاهل أو تصفي المعلومات الحسية الأخرى (المشتتات)، حتى لا يُرهق الدماغ باستقبال كمية هائلة من المعلومات الحسية. بعبارة أخرى تعمل موجات ألفا بمثابة حارس بوابة للحد من كمية المعلومات غير المهمة التي ترهق الدماغ، وذلك لتوفير الهدوء المطلوب قبل النوم.
وقد بينت دراسة حديثة (1) بقيادة روبرت ديسيمون Robert Desimone ، مدير معهد ماكغفرن McGovern، أن بإمكان الشخص تعزيز انتباهه وتركيزه، وذلك بالتحكم في موجات ألفا الدماغية باستخدام تقنية التغذية العصبية الراجعة [التغذية العصبية الراجعة (نوروفيدباك neurogdback) العلاجية هي تقنية غير باضعة تعمل على تحسين نشاط الدماغ، وذلك بتسجيل وتحليل الموجات الدماغية، ما من شأنه أن يساعد المريض على التعرف على الأنماط غير الطبيعية لنشاط الدماغ وتصحيحها].
يبدو أن زيادة موجات ألفا تُحسّن الانتباه والتركيز. لكن الباحثون ما يزالون يجهلون فترة استمرار هذا التحسن، أو ما إذا كان بإمكان الشخص التدرب على التحكم في أنواع أخرى من موجات الدماغ بالطريقة نفسها، لذا يجري التخطيط لإجراء المزيد من الدراسات لاستكشاف اجابات على هذه الأسئلة.
انتاج موجات ألفا أيضًا مرتبطة بحالات ذهنية هادئة، مثل الاستغراق في أحلام اليقظة، أو ممارسة تمارين اليقظة، أو الاستماع إلى صوت هطول المطر. ومع شرود أذهاننا، تستمر عدة مناطق دماغية في النشاط، بما في ذلك "شبكة الوضع الافتراضي (2)". سوزان ويتفيلد-غابرييلي Susan Whitfield-Gabrieli، برفسور علم النفس في جامعة نورث إيسترن وباحثة منتسبة لمعهد ماكغفرن، أوضحت أن اضطرابات هذه الشبكة مرتبطة باضطرابات دماغية متنوعة، منها الفصام والاكتئاب واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. وتقول إنه بمعرفة كيفية عمل هذه الدوائر العصبية في الدماغ المرتبطة بشرود الذهن، قد يتمكن الباحثون من ابتكار خيارات علاجية أفضل للمصابين بهذه الاضطرابات.
أخيرًا، عندما ندخل في حالة تشبه الحلم، يقل نشاط قشرة الفص ما قبل الجبهي في الدماغ، المسؤولة عن كبح جماح الاندفاعات (النزوات) (3)، تدريجيًا. في هذه الحالة، تحدث طفرة في موجات ثيتا، ما يؤدي إلى نافذة وعي غير مقيدة (طليقة)؛ حيث تصبح مراقبة (التحكم في) العقل ضعيفََا، ما يسمح برؤية أحلام عميقة visceral dreams وأفكار إبداعية. ونتيجةً لذلك، يستطيع العقل ربط الأفكار بطرق غير مألوفة أو انفعالية أو خيالية. ولهذا السبب غالبًا ما تبدو الأحلام غريبة، أو رمزية، أو إبداعية، أو منفصلة عن الواقع المألوف. فالأحلام العميقة هي أحلام تبدو واقعية من الناحيتين البدنية والانفعالية، وغالبًا ما تتضمن أحاسيس ومشاعر قوية، مثل الشعور بالسقوط، أو بالألم، أو بالخوف والذعر، أو بالحزن، أو بالحب، قد تبدو هذه الأحلام واقعية، لا مجرد تخيلات ذهنية. إلى درجة أنها تستمر بعد الاستيقاظ. تتعلق هذه الأحلام عادةً بتجارب انفعالات قوية، أو بتوتر، أو بالأصابة بصدمات نفسية (مثل اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية)، أو بحُمى شديدة، أو بعد تناول بعض الأدوية.
الدماغ الحالم
يقول ديراج روي Dheeraj Roy، باحث ما بعد الدكتوراه في مختبر غوبينغ فينغ Guoping Feng بمعهد ماكغفرن: "في كل مرة نتعلم فيها شيئًا جديدًا، يحدث ذلك بسرعة فائقة، حيث يسجل الدماغ حينها معلومات هائلة باستمرار وبسرعة فائقة جدََا، ولكن كيف نستوعب كل ذلك؟" يساعد النوم والأحلام الدماغ على الاستراحة، وفرز، وتنظيم، وتفسير كل تلك المعلومات الهائلة، التي كسبها قبل النوم، حتى يمكن فهمها واستيعابها واستخلاص المعاني منها وتخزينها بشكل أكثر فعالية.
يقول روي: "هنا يأتي دور الأحلام". فخلال النوم، تخزن الذكريات المكتسبة أثناء النهار تدريجيًا بشكل دائم وتُرسخ في الذاكر طويلة الأمد في الدماغ. ويضيف روي أن الأحلام تتأثر بترسيخ هذه الذكريات أثناء النوم. هذا يعني أن الأحلام تتشكل من خلال تنظيم الدماغ للذكريات (للأحداث السابقة) وترسيخها أثناء النوم. ووفقًا لهذا، قد تحدث الأحلام لأن الدماغ يعمل بنشاط على هذه الذكريات - يعيد ترتيبها ويراجعها ويربط بين تلك التي تبدو مترابطة - أثناء النوم، حيث أن معظم الأحلام تتكون من تجارب وأفكار ومشاعر وأماكن وأشخاص سبق أن مررنا أو التقينا بهم في حياتنا.
ترتبط بعض اضطرابات الدماغ، مثل مرض باركنسون، بأحلامٍ جلية vivid dreams مزعجةٍ (حيث يدرك الشخص أنه يحلم حينئذ (4)) وأنماطٍ غير منتظمةٍ لموجات الدماغ (نشاط دماغ غير طبيعي) أثناء النوم.
ويأمل الباحثون في معهد ماكغفرن أن يساعد ذلك على فهم آليات عمل الدماغ بشكل أفضل لمساعدة مرضى باركنسون وغيرهم من المصابين باضطرابات الدماغ.
لذا، ربما لا تحمل الأحلام معانٍ ورموزًا وحكمةً بالطريقة التي لطالما تخيلناها، وإنما هي ببساطة انعكاسٌ لعملياتٍ بيولوجيةٍ مهمةٍ تجري في أدمغتنا. ولكن مع كل ما كشفه العلم عن الأحلام ومدى ارتباطها بالإبداع والذاكرة، يبقى الجوهر الساحر للتجربة الإنسانية المشتركة بين جميع البشر نقيًا وغير متأثر بتفاصيل الحياة اليومية السلبية.
جديد الموقع
- 2026-05-31 اختتام مسرحية (جنون بشر) على مسرح ثقافة وفنون الأحساء
- 2026-05-31 معايدة أسرة العيسى.. لقاء عائلي يجسد قيم الوفاء وصلة الرحم في الهفوف
- 2026-05-31 افراح الخميس والمحمد بالاحساء في قاعة كتارا
- 2026-05-30 الدكتور هيثم شاولي: نجاح حج هذا العام يعكس تكامل الجهود الأمنية والصحية والتنظيمية لخدمة ضيوف الرحمن
- 2026-05-30 افراح الرمضان والشواف بالهفوف في الكرستال
- 2026-05-30 سمو محافظ الأحساء يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة نجاح موسم حج 1447هـ
- 2026-05-30 معالي رئيس الشؤون الدينية يرفع التهنئة للقيادة الرشيدة بنجاح موسم حج 1447هـ
- 2026-05-30 رئيس ديوان المظالم د. الأحيدب يهنئ القيادة بنجاح موسم الحج، مشيدًا بدعمها وحرصها على خدمة ضيوف الرحمن
- 2026-05-30 اتحاد الطائرة يتعاقد مع طاقم فني وإداري لقيادة المنتخبات الوطنية
- 2026-05-30 *الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهنئ القيادة الرشيدة بمناسبة نجاح موسم حج هذا العام 1447هـ*