2026/02/10 | 0 | 248
حين يغيب العالم ... ويبقى الأثر
العمر رحلة، وقد ابتدأ السيد علي الناصر السلمان رحلته من الأحساء، أرض النخيل، ذات الجذور الضاربة في الأرض، ارض الكرم والعطاء واستقر في الدمام، على ضفاف البحر، فاستعار من الموج عمقه، ومن الأفق اتساعه، ومن الصبر سكونه رغم الحركة. أمّا النجف، أرض الإمام علي عليه السلام، وأرض العلم، فكانت حلقة الوصل التي شدّت البداية إلى النهاية، وجعلت الرحلة دائرةً مكتملة المعنى.
ومن هذه الأمكنة الثلاثة تشكلت شخصية السيد؛ فمن النخيل أخذ سخاء العطاء ومن البحر أخذ عمق الرؤية واتساع الصدر، ومن عليٍّ أخذ عبق الحكمة، ومحبة الناس، وسموّ الخُلُق
لم يكن رحيل السيد علي مجرّد خبرٍ يُتداول، بل هو انطفاء نورٍ كان يضيء بهدوء، دون أن يطلب من الضوء أن يُشار إليه. برحيله، تفقد الأحساء أحد علمائها، وتودّع الدمام رجلًا اختار أن يكون قريبًا من الناس كما كان قريبًا من العلم، فجمع بين الوقار والإنسانية، وبين الصمت العميق والحضور المؤثّر.
كان من أولئك الذين إذا حضروا سكن المجلس، وإذا تكلّموا أصغت المعاني قبل الآذان، وإذا سكتوا تركوا في الصمت دلالة. لم يكن يسعى إلى تصدّر، بل إلى تثبيت معنى، ولم يكن يطلب أثرًا، لكن الأثر كان يتبع السيد كظله
في النجف الأشرف، لم يتعلّم السيد علي الفقه فحسب، بل تعلّم كيف يكون الفقه خُلُقًا، وكيف يتحوّل العلم من محفوظات إلى بصيرة حيّة. هناك، في جوار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، تشكّلت شخصيته العلمية والإنسانية معًا؛ مدرسةٌ تُعلّم العدل قبل الجدل، والحكمة قبل الخصومة، والزهد الذي لا ينفصل عن الشأن العام.
عاد من النجف عالمًا متزنًا، يحمل روح المدرسة العلوية في منطقه، وهدوءها في اختلافها، وصلابتها في الحق دون صخب أو ادّعاء. فكان علمه يمشي على الأرض، لا يحبس نفسه في الكتب، ولا يتعالى على الناس.
كان الإمام علي (ع) حاضرًا في منطقه وإن لم يُسمَّ، وفي مواقفه وإن لم يُستدعَ. تعلّم من سيرته أن الكلمة مسؤولية، وأن الاختلاف امتحان أخلاقي، وأن العالم يُقاس بقدر ما يجمع القلوب لا بعدد من يغلبهم في الجدل.
لذلك، لم يكن من أهل الصدام، بل من أهل البيان، يختار العبارة التي تُصلح، ويؤمن أن الحكمة إذا خرجت من قلب صادق بلغت القلوب بلا عناء.
ورغم أنني لم أكن من المواظبين على حضور مجلسه، إذ حالت بيني وبين ذلك ظروفي العملية في الرياض وإقامتي في الأحساء، إلا أن الجلوس معه – ولو على فترات متباعدة – كان يحمل أثرًا لا يُنسى. كانت الجلسة معه تبعث في النفس هيبةً بلا رهبة، ومحبةً بلا تكلّف، وطمأنينةً تشبه السكينة.
وكان رحمه الله، لا ينسى السؤال عني، ويسأل إخوتي المقيمين في الدمام عن أحوالي، في لفتة تكشف معدن الرجل؛ عالمًا لم يُشغله علمه عن الناس، ولا وقاره عن الود، ولا مقامه عن الوفاء.
وما زلت اتذكر حادثة مسجد الدمام، حين امتحن الخوفُ المكان، وحين داهم العنفُ بيتًا من بيوت الله، هجم الإرهاب على المسجد، لا ليكسر الجدران فحسب، بل ليختبر القلوب.
هناك، لم يهتزّ السيد علي، لم يتراجع صوته، ولم ترتجف كلمته. استمر في خطبته، كأن السكينة كانت أسبق من الرصاص، وكأن الطمأنينة التي حملها عمرًا وقفت حارسًا بينه وبين الفزع.
لم يستمدّ هدوءه من غياب الخطر، بل من حضور اليقين، ومن صلابةٍ تعلّمها طويلًا في مدرسة عليٍّ، حيث الشجاعة ليست اندفاعًا، بل ثباتُ القلب عند الامتحان في تلك اللحظة، كان المسجد أوسع من الخوف، وكانت الكلمة أعلى من العنف، وتجلى الايمان صلابة ورحمة
لقد نعى سماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) السيد علي الناصر، ولم يكن النعي مجرّد تأبين، بل شهادة مقام تُكتب بميزانٍ دقيق. فالمرجعية لا تُكثِر من القول، لكنها إذا قالت، قالت بقدر.
وهذا التأبين يعني أن الراحل كان موضع ثقة علمية وأخلاقية، وأنه يمثّل الامتداد الصادق لمدرسة النجف في الاعتدال والاستقلال وخدمة الناس، وهي منزلة لا تُنال بالألقاب، بل بالعمر الذي يُنفق في الصدق.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع):
«موتُ العالِم ثُلمةٌ في الإسلام لا يسدّها شيء»،
وها نحن نقف اليوم أمام هذه الثلمة، نشعر بفراغها، لكننا نلمح في أطرافها نورًا لا ينطفئ؛ نور الأثر، وصدق السيرة، وذكرٍ حسنٍ لا يُصنع ولا يُشترى
وما زال السيد عليٌّ في سفره، لكن الطريق تبدّل، وانكشف الحجاب. لم تعد الرحلة انتقالًا في الجهات، بل رجوعًا إلى الأصل. خفّت خطاه حين ثقلت روحه بالصدق، وسكنت حين اكتملت الدائرة، فارتقى من عالم المُلك إلى عالم الملكوت، لا بجناحين، بل بطمأنينة العارفين.
ترك وراءه ضجيج الأرض، ومضى إلى سعة لا تُقاس، حيث لا أسماء تُنادى، ولا وجوه تُعرّف، بل حضورٌ خالص، ونورٌ يُستعاد.
هناك، حيث لا فراق،
ولا سؤال، ولا تعب…
عاد الروح إلى موطنها،
وقد قالت كلمتها الأخيرة: الرضا
رحم الله السيد علي الناصر،
فقد عاش كما ينبغي للعلماء أن يعيشوا،
ورحل كما يرحل الصادقون… بهدوء، وبأثرٍ باقٍ.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا