2017/04/11 | 0 | 1571
المجتهد رحمة، لا تجعلوه زحمة
و(الرحمة) سجية العلماء بالخصوص (المجتهد) فلا يصل لهذه الرتبة حتى يُمحص علمياً وخلقياً. لذا سيرة وسريرة (المجتهد) تجسد الخلق المحمدي. ومن اللطيف (الرحمة) إذا أثقلتها(نقطة) فوق حرف (ر) صارت (زحمة) وضيق، وتدافع. وهذا من جماليات اللغة العربية، فنقطة أو حرف تقلب المعنى رأساً على عقب، في نفس السياق.
وجزماً (المجتهد) رحمةً للنَّاس، بمنهجيته الإيمانية وفق من أرسله تعالى ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والاختلاف بين المجتهدين، أو وبين البشر إرادة إلهية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ . فنجد استنباط (الفتوى) والمنهجية البحثية وغيرها من الاختلافات تستوعبها، وتحتملها الشريعة السمحاء، هو أمر اعتيادي وإيجابي، وكما يقول أحمد شوقي:
ما الذي أضحك مني الظبيات العامرية ألأني أنا شيعي وليلى أموية ؟
واختلاف الرأي لايفسد للود قضية!
لكن ما نعيشه، وتفرزه المجتمعات، في أغلب الدول لا ينسجم وأخلاقيات الإسلام و(المجتهدين) المبنية على سيرة نبينا وأهل بيتهﷺ. فنرى الخطابات، والبيانات (مذيلة بالتوقيعات، والوقيعات)، وشبكات التواصل الإجتماعي متخمة بالصراعات، والتنابزات، والتسقيطات، والتحريضات، وهتك الشخصيات. وتحريف وتزييغ خطب منبر الجمعة من توعية للمؤمنين بما ينفعهم، ونكء الجراحات واجترار الماضي واستنهاضه، بأسماء مستعارة بنفس إجرامي. بما فيه من مآسي وآلام، إلى تصفية حسابات شخصية وتأجيج الضغائن والعداوات، وتوجيه الرأي العام وتهييج البسطاء بالاحترابات والغوائل.....
وعلى ذلك طفحت على السطح مناظر وتصرفات مقززة. من ذلك ما نشاهده فبمجرد دخول أحد المشائخ المستهدفين بالتحريض والتسقيط، يسارع من في قلبه ﴿غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالخروج بطريقة بعيدة عن القيم الأخلاقية الإنسانية. وتراه أيضاً في محفل آخر يترك مجلسه لتجنب السلام على المؤمنين، مع كونه صاحب مُوجِب. والسؤال الذي يفرض نفسه إذا كان هذا خلق (القدوة) فكيف تكون نفسيات وأخلاقيات من يغذيهم هَذَا؛ في منابره، ومجالسه بإفتراءاته، وتحريضاته، وكتاباته؟ وأيضاً كيف تكون سلوكيات من استطاع استنساخهم بممارساته، وهم أشد خطراً منه وأكثر فتكاً (المسخن أحر من المطبوخ).
وكذلك السؤال المطروح إذا كان (المجتهد) رحمة؟ فمن المسؤول بجعله (زحمة)؟
حقيقة بعض وكلاء (المجتهدين) ليست لديهم القدرة، والقابلية بتنمية ذواتهم، لتتكون لديهم مقومات القيادة الواعية من علم، وأخلاق، وزهد، ونزاهة. وبالمقابل لا زالت تنجب لنا (الأحساء الخلاقة) علماء أتقياء لهم شعبية وحضور علمي وإجتماعي، بينما بعض الوكلاء المذكورين (محلك سر) ولا يطور نفسه كما ذكرنا، ولا يعرف يقول كلمتين نافعتين، وكل همه الفتن والتحريض. من هنا تنشأ الاحترابات الاجتماعية، والعداوات المستدامة. وذلك مخافة سحب البساط من تحت قدميه. فترى هؤلاء الوكلاء المحرضين يترصدون لكل من يهدد وجودهم من المشائخ الكبار علماً، وخلقاً، وحضوراً، وفصاحةً، ليبعدهم عن دائرته.
وكلما تصدرت وجاهة أصحاب العطاءات وذاع صيتهم وعلت مكانتهم، تصدوا لهم بقضهم وقضيضهم، بالخطابات، والكتابات، والبيانات، العلنية والخفية. حتى تتساقط القامات السامقات واحدة تلو الأخرى. وهؤلاء المضللين مع الأسف نجحوا في جعل الرابطة بين أفراد المجتمع تعتمد بالمقام الأول على رابطة (المجتهد) حتى يحاربون من يتهمونه باختلافه معهم في هذه الحيثية. ويهمشون الروابط الأقوى، وعن وعي وإصرار يرفضون نهج الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وۚما نطقت به الزهراء -عليها السلام-: "وَ طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنَا أَمَاناً لِلْفُرْقَةِ ...".
وبهذا المسلك المشين نبتعد عن خلق القرآن الكريم وتعاليم نبينا وأهل بيتهﷺ. ونقصي ونقضي على علمائنا وأصحاب الفكر، لصالح (صناع الكراهية). ويتحول المجتمع من العيش بسلام و(رحمة)، إلى سخام و(زحمة)، وتصادم وضيق ونكد، ويتشذر المجتمع إلى:
1- مؤيد وداعم للمحرض، ومنفذ أجندته، ابتغاء الجنة، أو تقاطع المصالح.
2- رافض للمارسات والانتهاكات من المحرض ضد (المعني)، مع تحمل المقاطعة، وتشويه الصورة، والغيبة والإفتراء، والتلفيق.
3- متمسك بالحياد ومنشغل بنفسه لعمل توازن بين الطرفين، وهذه شريحة كبيرة، تقع عليها مسؤولية التوعية، والتنبيه، وتبتعد عن دورها مخافة (الرهاب الإجتماعي).
4- شريحة ترى الصراع ظاهرة غير واعية. وعليه رفضت الصراعات والتحقت بجماعات أخرى أقل تصادماً.
والشرائح الأربع الآنفة الذكر بطبيعة الحال غير متجانسة. وربما نجد أصحابها يتعمدون عدم إفشاء السلام، أو السلام بفتور، وتوصل العداوات قطيعة الرحم متمثلة في حظر الزيارات والمناسبات والمصاهرات، والخروج من المجالس بقدوم (المعني) في الخصومة. والحرب بسلاح (الْأَعْيُنِ) بنظرات الإزدراء والشزر. كل هذا يحدث من اتباع المذهب الواحد. والسؤال لصالح من هذه الأخلاقيات؟ وهل أخلاق وأحقاد منفذوا منهجية التحريض تدخلهم في الحسابات، والوجاهات، والمكتسبات؟ بطبيعة الحال لا! المنفذون الأشاوس للتحريضات ينطبق عليهم:
وَمَا هَجرتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعلِنَةً لا ناقَةَ لي في هذا ولا جَمَلُ.
والغريب في الأمر أن من يتفنن في الضغائن ، والأدوار السخيمة ينفذها برحابة صدر، لأن المحرض أكد كعادته أن مسلكهم يسكنهم جنان الفردوس! وهذه مشكلة كبرى تقصم وتقضم المجتمع؟
وحل هذه المشكلة ببساطة اجتناب من يثير الفتن، والنظر تجاه (المجتهدين) باعتبارهم علماء لعموم المسلمين، وليس (ملكية خاصة). فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فكذلك من يسير على نهج النبي رحمة للعالمين يوطد المحبة والألفة والحنان. وهذا ما يقوم به (المجتهدون) عيناً، أو يفترض أن يقوموا به، على مدى التاريخ. باختصار نحن ضيقنا على أنفسنا، وعملنا حدوداً وحواجز والحال (المجتهدين) للجميع، وعلاقتنا بـهم بالدرجة الأولى من زاوية (الفتوى). لكن مع الأسف الشديد الوكلاء بجميع الدول جذروا ورسّخوا أن الشخص له مجتهد واحد لا شريك له.
وبالتالي أصبحنا تكتلات أشبه بالأحزاب السياسية، وفقدنا عدم وضوح الرؤى والرؤية العقدية والفكرية والإستهلالية. ولو كانت نظرتنا (للمجتهدين) على حد سواء باعتبارهم العلمي، وأنهم جميعاً على نفس القدر من الاحترام والتقدير، وأن آرائهم الطيبة أشبه بطبق الفاكهة مقدم للجميع دون استثناء، يأخذ كل منا بما يوافقه من حكم (فقهي) بعيداً عن التأطير الضيق. فقطعاً هذا المسار يقرب القلوب ويؤلفها، ويذوب الحزازيات والحواجز بين المجتمعات. ويكشف بعض الوكلاء والمشائخ الذين لا هم لهم إلا التسقيط، ليصمدوا ويقتاتوا من جراحات المؤمنين وتفتتهم.
ومما يدعم هذا الرأي أن الرسائل العملية المطروحة من العلماء للمقلدين، تجيز التبعيض في التقليد، بل بعضهم جعل التبعيض واجباً بمواطن خاصة. وستكون المحصلة من هذه الرؤية أن (المجتهدين) للمسلمين كافة، يؤخذ منهم الحكم الشرعي في العبادات. وهذا يقوي المجتمع ويوحده. أما تحجيم (المجتهدين) واستصدار صكوك ملكية حصرية وإعلانها من منابر الجمعة، لا يفعلها إلا أصحاب التضليل والرؤية الضيّقة، من ديدنهم تنفيق وتسقيط السابقين، واللاحقين الأجواد الأخيار. بادعائهم الصلف ملكيتهم الحصرية لتراث وعلوم أهل البيت -عليهم السلام- ومن سار على نهجهم كالأوحد والأرشد، والكوهر، وملا صدرا، وغيرهم. فهل يعقل أن نستنكر ونرفض ونحاسب:
1- الأستاذ جورج قرداح على أساس مسيحيته؟ ونحارب كتاب (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية)؟
2- عبدالرحمن الشرقاوي بذريعة سنيته؟ ونتصدى لكتاب (علي إمام المتقين). بحجة نحن أحق منه بالإمام علي -عليه السلام- ؟
3- الفيلسوف الفرنسي هربكورين كونه تطرق للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي؟
4- الشيخ محمد أبي زهرة كونه ألف كتاب (الإمام الصادق) ونحاربه لأنه تكلم عن إمامنا الصادق، لأننا المنتسبين للإمام الصادق -عليه السلام- مذهباً، ونحن أحق منه بالإمام؟
5- الشيخ محمد عبده يماني وزير الإعلام السعودي (الأسبق)، ونرفض كتابه (علموا أولادكم محبة بيت آل النبيﷺ. بمنطق أنك غير شيعي؟
ولو أسهبنا في هذا الموضوع القائمة تطول. والمؤمنون العقلاء يرحبون بمن يكتب عن علمائهم وهذه ظاهرة صحية ودليل انفتاح وانسانية. ومن يقف ضد هذا الانفتاح الثقافي إنسان (مغلق) وبعيد عن الاسلام، وأخلاقه، وتعاليمه. ومن يؤسس لثقافة أن الأئمة المعصومين -عليهم السلام- أو العلماء كالأوحد أو المجدد أو الوحيد الخرساني ملكية خاصة، فهو واهم وادعاؤه باطل.
الفكرة:
المجتمعات تفكر فيما يوحدها ويؤلفها، وترفض التشرذم وترفع الصوت عالياً أمام كل المفتنين المزيغين. وتأخذ بالفكر النيّر بهدف الرحمة لا الزحمة. من ذلك تجربة أخواننا في الإمارات العربية المتحدة وتحديداً إمارة دبي، حيث تمكن أخواننا هناك على جعل الرابطة الحقيقية بين أطياف المجتمع تبنى على وشائج التوحيد والنبوة وأهل البيت -عليهم السلام- والولاء
للوطن. من خلال مؤسسة مدنية تضع استراتيجيات محكمة مدروسة بعيداً عن التشنجات والعواطف. هذا الرؤية تنطلق من خلال مركز الرسولﷺ. وتجعل العلاقة بينها وبين (المجتهد) منحصرة في التعبد بالفتوى فقط. لهذا علاقتهم مع بعضهم البعض، ومع أخوتنا، ومع الدولة ممتازة ومتماسكة.
وقد تشرفنا بزيارة خاصة للمركز نضمها الأستاذ علي البحراني -بورضوان- بمظلة (المقهى الثقافي) ورأينا كيف تمكن أخواننا بدبي من إنجازات إنسانية عظيمة، عن طريق الإعتراف بتفكير (أصحاب العِقال) وإشراكهم في قيادة المجتمع بما لديهم من تخصص وامكانيات يفتقدها بعض (من فشل في بدراسته ولبس صايته).
والجدير ذكره أن الميرزا حسن الحائري من أوائل من أستعان بأصحاب الفكر والرؤى وكون لجنة تقدم الحلول وتذلل الصعاب. لبناء المجتمع من خلال تراكم الخبرات التي أسسها العبد الصالح الميرزا حسن -قدس سره- . هذا الأرث الإصلاحي كفيل أن يخلصنا من كراهية المحرضين، وهو موضوع مقالنا القادم 240 بعنوان (أين نحن من إنسانية الميرزا حسن؟).
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا