2017/09/09 | 0 | 1909
المجتمعات.. والقضايا الأخلاقية
والقاسم المشترك للقصتين، ومن باب الإنصاف للذكر والأنثى أنهما بأسماء أبطالها فأحسن القصص باسم (يوسف) والأخرى باسم (مريم). وأيضاً الشهود في القصتين أطفالاً رضعاً (سنتناول شهادة الشهود فيما بعد). أما في مقالنا سيقتصر حديثنا عن المجتمع وكيف يتفاعل وقضاياه الأخلاقية. وسنبدأ بقصة السيدة مريم -عليها السلام-، بعد ولادتها مباشرة إذ صور القرآن حالتها بأجمل تصوير: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ سورة مريم: (28). من عظمة القرآن الكريم أنه اختزن وصاغ ردة فعل المجتمع بأسلوب بديع إزاء ما يراه قضية أخلاقية. وكذلك التصوير النفسي psychological لصاحبة القضية، حتى تنير لنا الطريق من ذلك:
1- ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ الثقة بالنفس تتجلى بأبهى صورها، فهنا تصوير دقيق لثقة البريء، فالسيدة مريم بذاتها مع طفلها دون مواربة ﴿...أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا﴾ لأنها واثقة من نفسها. وعندها إيمان بالله تعالى لنصرتها، مع العلم أن القرآن يذكر: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ لكن مع ذلك لم تطلب التزكية والتبرئة من زكريا -عليه السلام- وهو النبي المعصوم. وهذا درس لنا أن لا يستجدي ويتذلل أحدنا إذا كان في موقع (المتهم) التزكية. كما أنه لا يملك أحد حق التزكية في مواطن الشبهة، مهما كانت مرتبته العلمية، أوالعملية. لأن ذلك فيه هضيمة وظلامة للخصم باعتباره كاذباً ومفترياً، ويجب الاقتداء بنبي الله زكريا -عليه السلام-، فإنه لم يتدخل في تزكية مريم مع كفالته الإلهية!؟ وعليه لا يحق لفرد كائناً من كان التبرئة أو الإدانة إلا بمحاكمة عادلة، ولن يوجد أحد أصدق وأفضل من إمامنا أميرالمؤمنين -عليه السلام- ومع ذلك قَبِل أن يجلس قضائياً مع خصمه اليهودي، في قصة نعرفها جميعاً. وبناء على ما سبق، لا الإدانة، ولا التبرئة، إلا بحكم قضائي. مع عدم إغفال وتهميش أدلة الاتهام الثبوتية المثبتة في الحل السلمي.
وأيضاً تعطينا الآية درساً ذو أهمية عُظْمَى مفاده أن الواثق من نفسه يذكر تفاصيل قضيته ولا يبترها، أويسترها أويهدم مكان فعل الفاحشة فتكون قضيتة وطريقة حلها محصلتها: (كرٌ، وفر) [كرٌ: مغطس للاغتسال عن الجنابة. فر: من الفرار والهروب خارج الوطن]. وكذلك ليس من المعقول أن يضج ويغضب المجتمع وتتحرك الوفود، وتعقد الاجتماعات، وتنسق اللقاءات، وتلقى الخطب في المساجد، والجوامع بالأحساء والكويت، دون ذكر تفاصيل أخطر قضية أخلاقية، تشهدها منطقة الأحساء، بل الخليج العربي. والأنكى أنها تدرج ضمن الشذوذ الجنسي. هذا غير مقبول! واستخفاف بالناس وعقولهم!
والقرآن الكريم الفيصل والحكم، ولقد وثق قضية في هذا النسق فبين أن السيدة مريم -عليها السلام- مع رضيعها ﴿...أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه﴾. كما تبين الآية، مع تصوير الحالة النفسية الصعبة للسيدة مريم -عليها السلام- حيث ﴿قَالَتْ: أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾. ولن يكون أحد بالوجود عدا المعصومين أزكى وأتقى وأصدق من السيدة مريم -عليها السلام- وهي قدوة لنا ومع ذلك كما بين الله تعالى عرضت مشكلتها على قومها، ووثقها القرآن عندما ﴿...أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ولم (تفر) من قومها بل أَتَتْ إليهم مباشرة.
كذلك من لديه قضية (خاصة إذا كان رمزاً) أن يعرضها ويبينها بتفاصيلها وتسجيلاتها وصورها، حتى يتحقق للأتباع هل هي مفبركة؟ أو مركبة ومدلسة؟ لأنه لا يعقل أن يعمل شخص ما، تسجيلات خطيرة ضد بريء تهدد كيانه ومرجعيته وعائلته، والمتضرر لا يحرك ساكناً؟ ويكتفي بـكسر (الكر) الذي ظهر في التسجيل (صوت وصورة) أوالفرار من الوطن كسيراً منكسراً. ثم سؤال يفرض نفسه بقوة، لماذا لا يُلاحق قضائياً من قام بالتسجيل؟ وهذا سؤال يطرحه عقلاء المجتمع! وعندنا ولله الحمد في وطننا قانوناً حازماً، يحاسب ويعاقب كل من يعبث بأمن الوطن واستقراره والتشهير بالمواطنين.
2- خاطبها ﴿قَوْمَهَا﴾ باسمها مجرداً دون ألقاب ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ لأن مجتمعها ﴿قَوْمَهَا﴾ في دور الناقمين المحاسبين لها فيما يرونه ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾. من هنا نستنتج أن المجتمعات لا ترحم في القضايا الأخلاقية. وتجرد الشخص من ألقابه مهما كانت الألقاب التي يحملها، وفِي بعض الأحيان إن كان المذنب شيخاً يجرده المجتمع الناضج الواعي، من صايته وعمامته، وربما لحيته، ويتركون الاتمام به، بمجرد يثبت عليه العمل القبيح الشنيع. لأن بقاء الشاذين جنسياً خطر على الأعراض، والشرفاء فقط يرفضون بقاءه.
3- تم مناداتها وتعريفها بأنها ﴿أُخْتَ هَارُونَ﴾ سياق القرآن يبين بوضوح كيف المجتمع يستدعي القرائن، والسجلات فذكر ﴿هَارُونَ﴾ للسيدة مريم ولسان حالهم أَنْتِ ﴿أُخْتَ هَارُونَ﴾ فكيف يصدر منك: ﴿شَيْئًا فَرِيًّا؟﴾. ولهذا عندما وُجِد صواع الملك في متاع بنيامين شقيق يوسف -عليه السلام- قال أخوته: ﴿قَالُوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
4- ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. نستفيد من الآية الشريفة أن المجتمع يذكر كل شخص بفعله. كما تعطينا الآية جانباً تربوياً كون الأب والأم تقع عليهما المسؤولية الكبرى في التربية، وأيضاً نستفيد أن المجتمعات تقوم بنبش تاريخ الأبوين للوقوف والتحقق في القضايا. فإن كان أفراد الأسرة على مستوى رفيع من القيم والأخلاق تكون في الغالب لصالح من هو في موقع الشبهة. أما إذا سُجل على الأبوين أو أحدهما، أو إخوانه، أو أخواته -لا قدر الله- قضية أخلاقية، فإنها تضيق الخناق على المتهم.
5 - المجتمعات الناضجة تحاسب صاحب القضية مباشرة. وتطلب منه توضيحات عن مشكلته ومع من؟ هل مع امرأة بجريرة المتعة؟ أو شاب غُرر به والعياذ بالله؟ أو غير ذلك؟ فمجتمع السيدة مريم -عليها السلام- لم يذهبوا لكفيلها زكريا -عليه السلام- مع العلم أن كفالته إلهية كما تنص عليه الآية الشريفة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. إذ ليس من المعقول أن يُنتظر قومها مدة طويلة حتى يصلوا كفيلها! ويطلبوا النظر بالقضية؟ ومن جهة ثانية ليس من المعقول طرح القضايا على الكفيل؟ لأن الكفيل سيكون بطبيعة الحال مع مصلحته، ويدافع عمن يهمه وتتقاطع اهتماماته ومصالحه معه، وتوجد مسألة جد هامة في حالة إدانة المكفول تقع المسؤولية على الكفيل، ويوجه له العتاب والتقريع بأن كفالته وثقته في غير محلها، وبالتالي يكون غير جدير بالصدارة وإبداء الرأي، لأنه لم يحسن كفالته، ودقة اختيار ثقته. من هنا فضل قوم مريم -عليها السلام- المواجهة مع صاحبة الشأن وليس الكفيل المعصوم زكريا -عليه السلام-. وهذا ما ينبغي أن يفعله من يطالب بحقوقه التعامل مع صاحب الشأن مباشرةً، وعلى المذنب الاستجابة للمطالب حتى لا تتأزم الأمور وتصل للدوائر الحكومية التي تملك القدرة والتمكن لإنهاء القضايا، وغير ذلك هدرٌ للوقت وضياع الحقوق، وبقاء أصحاب الموبقات في كرهم وغيهم ونفاقهم.
همسة:
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. المقال موجه للذين يأكلون الطيبات من المؤمنين الغيارى، نعم الغيارى على دينهم وأولادهم وبناتهم. فمن يأكل ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ يعمل ﴿صَالِحًا﴾ قولاً وفعلاً. و﴿الطَّيِّبَاتِ﴾الآية تخاطب الرسل وتظهر أن نتيجة الأكل الطيب مقدمة للعمل الصالح في الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُل﴾ فما بالك بسائر الناس. أما من تكونت نطفته من الأكل الحرام -أجارنا الله وإياكم- فإن قوله وفعله وكتابته بعيدة عن ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. فهؤلاء ليسوا المستهدفين، وليس الكلام موجه لهم وإن انطبقت عليهم بعض الشواهد.
الفكرة:
القضايا الأخلاقية بالقرآن الكريم معالجتها وتعاطيها من خلال المجتمع والذي تم طرحه بالمقال، ولفظة ﴿قَوْمَهَا﴾ تظهر بوضوح أن (الشاهد يرى ما لا يراه الغائب). والمجتمعات الناضجة تستطع حل مشاكلها وليست بحاجة لاستعطاء الحلول من الخارج، فهل عَقمت نساء (الأحساء الخلاقة) أن تلد أصحاب الفكر والرؤى والمشورة، وقد وصفهم خير الخلق نبيناﷺ حين ضيافته لعبدالقيس من هجر: "عبدالْقَيْسِ خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِمُ الأَشَجُّ الْعَصَرِيُّ، غَيْرَ نَاكِثِينَ وَلا مُبَدِّلِينَ وَلا مُرْتَابِينَ". فإلى متى نبقى مختطفين نتلمس بتلهف وبشغف استماع آراء الخارج وتوجيهاتهم للأحساء "خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ" في كل صغيرة وكبيرة ؟
ومما سبق تعرضنا لمعالجة القضايا الأخلاقية من واقع المجتمع وفق ما ورد وجاء بالقرآن العظيم، من خلال المجتمع الناضج لأنه الأولى بحل قضاياه مباشرة مع أصحابها. أما التوجيه الإلهي في حل القضايا الأخلاقية سيكون بمقالنا القادم 250 بعنوان ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾.
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا