2026/03/18 | 0 | 276
القراءة في كتاب وداع الربيع
قراءة في كتاب وداع الربيع – شرح دعاء الإمام السجاد(ع) في وداع شهر رمضان المبارك -، للمؤلف/ آية الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي. الطبعة الثالثة :1441 هـ/2020م.
حوار العشق مع شهر رمضان المبارك:
(السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَ يَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ وَ السَّاعَاتِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ، وَ نُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَ أَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً، وَ مَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ أَلِيفٍ آنَسَ مُقْبِلًا فَسَرَّ، وَ أَوْحَشَ مُنْقَضِياً فَمَضَّ السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجَاوِرٍ رَقَّتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَ قَلَّتْ فِيهِ الذُّنُوبُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَ صَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الْإِحْسَانِ السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا أَكْثَرَ عُتَقَاءَ اللَّهِ فِيكَ، وَ مَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَمْحَاكَ لِلذُّنُوبِ، وَ أَسْتَرَكَ لِأَنْوَاعِ الْعُيُوبِ)
1- السلام على شهر رمضان المبارك:
من دعاء الوداع عبارة عن خطاب موجه لنفس شهر رمضان المبارك، وحوار عشق في مقام توديع هذا الشهر الفضيل. ففي الفصول السابقة، تحدثنا عن خصائص الوداع وحكمه ومنافعه. لكن، لقراءة هذا فائدة الدعاء في غير وقته الخاص - أي نهاية شهر رمضان المبارك - أخرى بالنسبة إلينا لا يحصل عليها مودعوه؛ إذ نجدهم يقولون في توديعه: (ما أعظمك من فرصة كانت حاضرة بيننا، ورحلت عنا)، بينما بوسعنا نحن في غير مقام الوداع أن نزيد معرفتنا بقدر هذه النعمة، ونعد أنفسنا للاستفادة من الفرصة التي ستسنح لنا في المستقبل، ولا نكتفي بالحسرة بعد انقضاء هذا الشهر.
فمن الطبيعي أن يتطرق الإنسان حين الوداع إلى إيجابيات الذي يودعه، حيث نرى وجود المسألة ذاتها في هذا الدعاء الشريف الذي أشار إلى حسنات شهر رمضان المبارك في قالب عشرين سلاما تقريبا.
(السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ)؛ في هذه الجملة، يُشبه الإمام الشهر الفضيل بصاحب ورفيق، ويقول: من بين الأوقات التي مرت علي، وكنت مصاحبًا لأقسامها المختلفة، كانت صحبتك الأكثر فائدة بالنسبة إلي.
(وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ والسَّاعَاتِ)؛ وهذه الجملة بيان تقريبي لعبارة (شهر الله الأكبر).
(السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ)؛ فعادةً، تكون الآمال أمرًا بعيد المنال، ويستدعي تحقيقها مدّة من الزمن. لكن، في هذا الشهر، تكون مقدمات الآمال مكثفة، بحيث إنّ العمل الذي يتطلب القيام به شهرًا من الزمن يُمكن أداؤه في يوم واحد. وأبرز مثال على هذه المسألة أن المؤمنين يتمنون طيلة السنة إدراك ليلة القدر، لكن هذه الليلة تكون قريبة جدا منهم في شهر رمضان المبارك، لأنها تقع في لياليه، كما أنه يتيسر للإنسان في هذا الشهر أداء العديد من العبادات التي قد لا تسنح له الفرصة للقيام بها في ظروف الأخرى. ففي شهر رمضان المبارك، تُعدّ أنفاس الصائمين، بل وحتى نومهم عبادة.
2- طرق الوصول إلى الكمال:
من أبرز المسائل المطروحة في هذه الفقرة من الدعاء مسألة رقة القلوب ونقصان الذنوب في شهر رمضان المبارك (رَقَتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وقَلَّتْ فِيهِ الذُّنُوبُ)، وهي حقيقة جربناها نحن فيه إلى حد ما، لا سيما في ليالي القدر التي يترافق فيها التضرع والمناجاة والتوبة والاستغفار مع رقة القلب. لكن هل يختص ذلك بشهر رمضان فقط، بحيث تصير القلوب حين طلوع الهلال من الشهر الفضيل رقيقة بشكل طبيعي، أم أن لرقة القلب هذه أسباب تتحقق في شهر رمضان؟.
والسؤال الآخر هو: ما هو الجيد في رقة القلب؟
فالبعض يرى أنّ رقة القلب ضعف نفسي أو بدني أو عصبي، وأن الأقوياء لا يرخون حواجبهم، ولا يُسمع لهم أنين، ولا يُرى منهم بكاء أو تأثر، وتعتبر هذه الطائفة من الناس هذه الحالة نوعا من الشجاعة والقوة والبسالة في حين أن هذه التصوّر - طبقًا لثلة من الآيات والروايات - لا يصح على إطلاقه كحد أقل، بل إن الرقة تكون مطلوبة في بعض الحالات، بحيث إذا لم تتحقق فيها، فإن ذلك يكون علامة على المرض.
وفي الحقيقة، فإنّ رقة القلب بما هي كيفية نفسانية وعاطفية -تعرض للإنسان في ظروف خاصة وتستتبعها حالات انفعالية كالبكاء والتأوه والتأثر - ليست في حد نفسها ممدوحة ولا مذمومة، بمعنى أنها لا تملك بحد ذاتها أي قيمة أخلاقية إيجابية أو سلبية. فجميع القوى التي أودعها الله تعالى في بدن الإنسان وروحه، آلات، ومن شأن استخدامها في الوقت المناسب أن يصل بالإنسان إلى الكمال، فإذا كانت رقة القلب سببًا في تقرّب الإنسان إلى الله تعالى وغفران ذنوبه، فإنها ستكون جيدة. ولهذا، ينبغي استعمال هذه الآلة والوسيلة في طريق الزلفى إلى الله تعالى، وعلى الإنسان ألا يسمح بتسلّل القسوة إلى قلبه، بحيث يرتفع عنه كل أثر لرقة القلب حتى في الظروف الملائمة.
3- آثار ذكر الله في قلب المؤمن وجسده:
جرى في بعض الآيات القرآنية الكريمة استخدام ألفاظ ذات مد اليل تحذيرية جدا في وصف المؤمنين، وأنّ قلوبهم تهتز عند ذكر الله تعالى، ولا يخفى أن هذا التعبير القرآني مختلف عن التعبيرات التي تحكي عن خشوع المؤمنين وخوفهم، نظير: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:1- 2] وكذلك: ﴿ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ ﴾[ فاطر: 28]. فقد ورد في سورة الأنفال أن إحدى صفات المؤمنين اهتزاز قلوبهم عند ذكر الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2].
فقد يغفل المؤمن أحيانًا عن ذكر الله بسبب انهماكه في مشاغل الحياة لكن ذكر اسم الله تعالى يُؤدّي، فجأةً، إلى تحقق التوجه لديه، حيث يهتز قلبه، ويقول مع نفسه: لماذا أغفل عن ذكر الله تعالى مع أنني في محضره؟!. ولا يخفى أن هذه الحالة مؤقتة، وليس المراد من الآية ضرورة أن يكون قلب المؤمن وجلًا على الدوام، فهذه الحالة انفعالية تحدث في قلبه جراء انتقاله من الغفلة إلى التذكر.
وفي آية أخرى، يقول البارئ عزّ وجلّ في وصفه للمؤمنين: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]، فحينما تعرض هذه الحالة على قلب المؤمن، فإنّها تُحدث آثارًا في جسده أيضًا، نظير حالة الخوف التي تقترن بصفرة الوجه. نعم، يبقى أن الله تعالى يقول في تتمة هذه الآية: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ﴾[ الزمر: 23] وعليه، فإن المؤمن لا يكون في وجل دائم، بل إنّ هذه الحالة الانفعالية تحدث في لحظات بعد حصول توجه خاص، ثم تختفي بعد ذلك.
4 -رقة القلب وقسوته في سبيل الله تعالى:
في مقابل مدح الله تعالى في كتابه العزيز لرقة قلب المؤمنين، فقد ذمّ أيضًا المبتلين بقسوة القلب. وإن من بين أبرز موارد الذم الواردة في القرآن الكريم تشبيه قلوبهم بالحجارة، بل بما هو أشد منها، كما نقرأ في الآية الشريفة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].
حيث يقول البارئ عزّ وجل في بيان كيفية صيرورة قلوبهم أشد من الحجارة: أحيانًا، قد تنفطر الحجارة، ويجري منها الماء، بل إن بعض الحجارة قد تهوي من خشية الله تعالى، لكن قلوب هؤلاء لا تُبدي أي تأثير، ولا تجري من عيونهم أي دمعة حين مواجهتهم لبعض المؤثرات التي من شأنها عادةً ملء الآماق بالدموع؛ فهذه المسألة هي على درجة من الأهمية، بحيث نجد الله تعالى يُذكر بها عدة مرات في القرآن الكريم.
وعليه، فإن امتلاك قلب بهذه القسوة ليس علامة على الشجاعة، بل إنه عبارة عن مرض روحي. فمن المفروض أن يتصف الإنسان برقة القلب في ظروف معينة، كأن يُصاب الطفل بمرض مثلا، فتتأثر أمه لذلك، وتبكي بسبب عطفها وشفقتها عليه، حيث إنّ هكذا تأثر مسألة طبيعية. لكن، ليس من الصواب أن يستسلم الإنسان أمام كل واقعة، ويتأثر بسرعة، وتسيل دموعه جراء ذلك.
5- رقة القلب في شهر رمضان المبارك:
شهر رمضان المبارك من الأوقات التي ترقّ فيها القلوب، ويبدو أن الحديث عن هذه الرقة ليس حديثًا عن ظاهرة غيبية، بل إن البارئ عز وجل قد جعل هذا الشهر بنحو ترق فيه القلوب، أي إن الأوامر والأحكام والآداب التي وضعها فيه تُساعد على رقة القلب، وترفع الموانع التي تصد عنها، ومن بينها الإفراط في الأكل، فحينما يأكل الإنسان كثيرا، يشعر بثقل واضح يمنعه من البكاء حتى عند الاستماع للعزاء، وبما أن أحكام شهر رمضان المبارك قد صيغت بنحو يتعين على الإنسان أن يشعر بالجوع لساعات طوال، فإن هذا المانع (أي الإفراط في الأكل) سيرتفع شيئًا فشيئًا، لكن بشرط تجنّب الإسراف بعد الإفطار.
ومن الموجبات الأخرى لزيادة رقة القلب: التعرض المتكرر لأسبابها؛ فعلى سبيل المثال، من الممكن أن لا يتأثر الإنسان في الأيام والجلسات الأولى لمراسم العزاء، لكن مع تكرار المشاركة فيها، يحصل له التركيز تدريجيا، ويُصبح مستعدا للتأثر، وتقوى قابليته على الاتصاف برقة القلب. ويُعد شهر رمضان المبارك فرصة مؤاتية للإنسان للاستغفار، واستحضار ذنوبه، وذكر الله تعالى، ويُساعد تكرار هذه الأمور طيلة الشهر الفضيل في رفع الموانع التي تصد عن رقة القلب، فيُصبح الإنسان معتادا على أسباب الرقة، ومستأنسًا بها، ويضحي مستعدا أكثر للتأثر.
لقد تحدثت الروايات عن مجموعة من الأسباب التي تؤدي إلى رقة القلب وتنوره، كأكل الحلال، لكننا غير مطلعين على التفسير العلمي والعقلاني لها، وتسلّم بها تعبدا، فرغم أن من الممكن أن تثبت آثار هذه الأسباب عن طريق التجربة، غير أن غاية ما يُدركه العقل أن شهر رمضان المبارك يقتضي حقيقة اتصاف الإنسان تدريجيا برقة القلب نتيجة لإحساسه بالجوع، وتركيزه على المسائل العاطفية والإحساسية، فيُصبح مستعدا أكثر للتوبة والاستغفار والالتجاء إلى الله تعالى.
جديد الموقع
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا
- 2026-04-01 كيف وصف روائي بدقة الهبوط على القمر
- 2026-04-01 أفراح البجحان والراشد تهانينا
- 2026-03-31 أمير المنطقة الشرقية يستقبل منسوبي مرور المنطقة الشرقية ويثمن جهودهم في رفع مستوى السلامة على الطرق
- 2026-03-31 سمو أمير المنطقة الشرقية يطلع على التقرير السنوي لهيئة تطوير المنطقة لعام 2025م
- 2026-03-31 إنقاذ مريضة من نزيف داخلي حاد في مستشفى الأمير سعود بن جلوي بالاحساء
- 2026-03-31 سمو محافظ الأحساء يطّلع على نتائج المرحلة الأولى ويدشّن المرحلة الثانية لمبادرة صيانة المساجد بالمحافظة
- 2026-03-31 حفل معايدة لمنسوبي بر الفيصلية .