2017/05/15 | 0 | 1916
الشيخ عبدالله المزيدي .. أخلاق وتسامح
صاحب أخا ثقة تحظى بصحبته
فالطبع مكتسبٌ من كلّ مصحوب
كالريـــــحِ آخــــذةٌ ممّــا تمرّ بــهِ
نتنـاً من النتن أو طيباً من الطيب
والشخصية التي سنتناول الحديث عنها عايشت وصاحبت الثقاة وأكتسبت الطباع الطيبة، من علماء تعجز الألسن عن ثنائهم. ألا وهم (البيت الإحقاقي). فهم بحق مدرسة إنسانية أكتسب منها شيخنا الجليل السيرة الطيبة العطرة ونهل منها العلوم والأخلاقيات الكثير الكثير. والتي تتجلى بصورة ناصعة في شخصية شيخنا عبدالله بن نجم المزيدي من خلال المحاور التالية:
1- مقومات تربوية
التربية الإيجابية أساس الحياة. ويرتقي الإنسان بالتربية. حتى الحيوان إذا تمت تربيته يكون أكثر قيمة. وكما يقول الميرزا حسن -طيب الله تربته- في رسالته الإنسانية، حتى الجماد يحتاج تربية. فالرخام والحجر الأصم إذا نحته الفنان وحوله إلى عمل فني هو تربية لهذا الحجر، لهذا يرتقي الرخام والحجر ويباع بأعلى وأغلى الأثمان. ودعماً لهذا الرأي قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ فنلاحظ قوله ﴿ وَرَبَتْ ۚ﴾ مشتقة من التربية فإذا اهتزت الأرض وربت النتيجة تكون: ﴿أَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. وهكذا التربية الطيبة تجعل الإنسان بهيج بأخلاقه وتعامله، ويعطي صورة جميلة لأسرته وجماعته ووطنه. والله سبحانه والناس يحفظون للأسرة حسن تربيتهم لإبنائهم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. وشيخنا الجليل عبدالله المزيدي تربى في بيت إيمان وتقى وحب و مودة، فكان الشيخ ثمرة هذا النبات الطيب.
2- سجايا ذاتية
كلنا يعلم أهمية التربية وتأثيرها في تكوين الشخصية. لكن يبقى عامل مهم وهو القابلية لدى الشخص. فنجد أبناء أنبياء أفعالهم مشينة، تصل للقتل العمد، كفعل قابيل، كما يبينه الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ مع أن مهمة الأنبياء تربية المجتمعات، لكن القابلية ذاتية، وتتفاوت من لشخص لآخر. ومن ذلك أيضاً ما ذكره تعالى بخصوص أبناء يعقوب - عليهم السلام-: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. فقابلية الشخص وسجيته هي الجاذبة للقيم والأخلاق والطباع الحسنة. وشيخنا المزيدي بذاتيته السمحة تطبع بجميل الأخلاق والتسامح. إبتداء من تربية بيته الآمن الذي قدم للمجتمع هذا الأنموذج الرائع. وازداد جمالاً وروعةً بمصاحبة الثقاة الطيّبين وهم مراجعنا العظام الميرزا علي. وأخيه الميرزا حسن وإبنه الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي -طيب الله تربتهم-.
3- مرتكزات أسرية
المزيدي أسرة عريقة لها أمجاد، على مر التاريخ الإسلامي، وحسب ما جاء في أدبيات هذه الأسرة بموقعهم: "هي عائلة عربية عريقة يرجع أصلها إلى قبيلة بني أسد، انزاحت العائلة من اليمن في القرن الرابع الهجري إلى العراق. وحصلت على الإمارة في الكثير من المناطق لمدة قرن، ونصف القرن، من الزمان ثم انتهت أمارتهم، وتفرقوا في البلدان والمناطق. وقد اشتهرت عائلة المزيدي بالعلم والشعر والإمارة".
وقد حكموا (المزيدي) في العراق في القرن الرابع الهجري في عدة مناطق. وبالتحديد في منطقة (النيل) وهي منطقة على الفرات بين بغداد والكوفة. وأيضاً حكمهم امتد إلى الفرات الأوسط. وقد تعاقب ثمانية أمراء من أسرة المزيدي على الإمارة، وهذه مدة طويلة في وقت الدولة العباسية التي اعتبرت (الإمارة المزيدية) صمام أمان لها من غارات البدو وصد هجوم الأعداء. واستمر حكم (المزيدي) بالعراق 158 عاماً. من عام 387 إلى 545 هجرية. وقد ذكر الشيخ عبدالله المزيدي في حديث معه، أن آخر من حكم من أسرته الأمير علي بن دبيس المزيدي. وقد ذكر ذلك (بن كمونه) في ديوانه.
طبعاً هذا التاريخ التليد لأسرة المزيدي هو سر تواضع الشيخ المزيدي وابتسامته الصادقة. فالشيخ أبو صادق - كما يحلو للميرزا حسن تسميته، سليل مجد. لهذا عندما يقلده الميرزا حسن وابنه الميرزا عبدالرسول - طيب الله تربتهم- وكذلك الميرزا عبدالله الوكالة الشرعية ويكون (كلامه كلامهم) لا تتغير أخلاقياته، لأنه سليل مجد وجاه. والآباء والأجداد يقولون (كل يعمل بأصله) فهو يتعامل مع الناس بصدق وحب وحنان، بأصله ومعدنه الطيب. ولا يعمل بالخفاء بالتحريضات وتفتيت المجتمع، وعمل تكتلات، وتجيّش البسطاء. وإنما يعمل بالإصلاح والصلح، وكل الكويت تشهد له بأخلاقه وسماحته مع المأتلف والمختلف، ولم يثير طوال حياته نعرات التشرذم كالتقليد، ليستخدمها ضد خصومه. لأنه باختصار لا خصوم له وهو حبيب الجميع، لأن ذاتيته وسجاياه راقية، وهو خير من يمثل مراجعنا ويعرف بحكمته (أن كلامه كلامهم) وما يصدر منه يصدر منهم. وبهذا فهو وكيل صادق خليق بالثقة لإيمانه وأمانته. ويحظى بالتقدير والاعتزاز لدى المرجعية، والدولة الكويتية، والمؤمنين.
4- خبرات وظيفية
الوظائف الحكومية تعطي رؤية واعية، ومتقدمة لمن يلتحق بها. فتجد الموظف يعرف أبجديات النظام من صادر ووارد، ويعرف المحاسبة، والمعاقبة. ويكتسب معرفة ردة الفعل على أساس مقابلته الجمهور، ويدرك كيف يتعامل مع النَّاس بالحسنى لأنه محاسب أمام مرؤوسيه على كل صغيرة وكبيرة. ناهيك عن كسر جماح النفس من خلال تعوده خدمة المراجعين. والأهم من ذلك استشعاره أن كل كلام ينطقه يحسب له، أو عليه. لهذا كل من عمل في وظيفة سواء حكومية أو شركات، أو أعمال خاصة، أو مهن يتأثر بها سلباً أو إيجاباً، حسب طبيعة العمل. وهذه القاعدة لها استثناءات بطبيعة الحال.
وعليه نجد شيوخنا الذين عملوا في وظائف حكومية أو أهلية، أغلبهم أفضل وأنجح في التعامل مع المجتمع. والأمثلة على ذلك كثيرة منهم الشيخ عادل الشواف، الذي يعمل في دائرة تربوية. الجميع يشهد له بحسن الخلق والقدرة على التعامل مع الناس، بكافة توجهاتهم وشرائحهم بأخلاق راقية، تجسد الخلق المحمدي الأصيل. لذا إنعكس هذا المسلك العادل مع الناس بتوافد المؤمنين للإئتمام به زرافات. وكذلك الشيخ علي بن محمد آلِ شبيث. بأخلاقه الطيبة وسماحته. والشيخ جواد الجاسم، الذي تأتم به الجماعة في مسجد الإمام الرضا -عليه السلام- كل جمعة بأعداد غفيرة مع صعوبة الأجواء صيفاً أو شتاءً، أضف لذلك أن المسجد مكشوف، كونِه لم يكتمل البناء، مع الأخذ في الاعتبار ما حدث من أعمال إجرامية، ومن أخطار محدقة من الداعشيين. والشيخ حسين العايش، الذي يتمتع بذائقة راقية في عرضه لأطروحاته، مع عدم قبول بعضها مثل (مناقشة الشيخ الأحسائي -يرحمه الله- في مفردة الخلق). ومن النماذج المشرقة الشيخ الدكتور جواد الخرس، الذي يحسب له اعادة التجديد في الدروس الحوزوية وفق الأسس المنهجية الحديثة. ويدخل في هذا النسق الشيخ عبدالله المزيدي الذي عمل في وزارة الشؤون الإجتماعية في بداية حياته في 4-7-1959م، ثم انتقل للعمل في وزارة الكهرباء عام 1963م بدولة الكويت. هذه الخدمة الوطنية منحته الانفتاح على الغير وتقبل الآخر، وحسن التعامل، والتعود على خدمة الناس دون تمايز. ومعرفة كيف تدار الأمور الإجتماعية بالعقل والحكمة والموعظة الحسنة.
5- مكتسبات إنسانية
الشيخ عبدالله المزيدي يحسب له تعلقه بالمساجد منذ نعومة أظافره. ونشاطه الدؤوب لخدمة المؤمنين بدأ مبكراً. فقد عُرف عن الشيخ المزيدي انخراطه بالعمل الخيري منذ حياة الميرزا علي الحائري الإحقاقي، في ريعان الصبا. ثم واصل دوره الإيجابي في حياة الميرزا حسن الحائري الإحقاقي، حيث امتدت فترة مرجعيته 35 عاماً، من عام 1386 إلى 1421هـ، هذه الفترة استفاد منها الشيخ المزيدي أيما استفادة، وذلك لأن الميرزا حسن أشتهر بإنسانيته وأخلاقه العالية، وحبه للنظام حيث يكرر دائماً -طيب الله تربته الزكية- : "وراء كل نظام ناجح عقل راجح". هذه الفترة التي عايشها مع الميرزا حسن صقلت شخصية، وحاز فيها على ثقته بتعينه وكيلاً بالكويت.
وثقة الميرزا حسن بالشيخ المزيدي تواصلت وترسخت في حياة الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي، بإبقائه وكيلاً بالكويت. واعتباره الرقم الأول. هذا الرصيد من تراكمات الثقة من المراجع الثلاثة أكسبه مقومات إنسانية وإجتماعية. وجعلت هذه الثقة ملازمة حتى وقتنا الحالي، حيث أعلن الميرزا عبدالله -أيده الله- في خطبة الجمعة 11- 4-1438ـ من الدقيقة 13:42 ما نصه: "... وفي الخاتمة أشكر وأقدر الجماعة، وبالأخص المشائخ العِظام، وعلى رأسهم وكيلي الأول في الكويت الحبيبة، معتمدي ورجائي الأخ الفاضل الأمين الشيخ عبدالله نجم المزيدي أبا صادق حفظه الله تعالى".
الفكرة:
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليهم السلام- في وصف تأثره وتأسيه بنبيناﷺ، حسب ما ورد بخطبته القاصعة: "وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ". هذا هو منهجية من يتبع القدوة كما رسمها لنا -عليه السلام- لأن المحب والتابع هو مطيع للأوامر:
تَعْصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ
هذا محالٌ في القياس بديعُ
لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْــتَهُ
إنَّ الْـمُحِبَّ لِمَنْ يُـحِبُّ مُطِيــعُ
هذه المنهجية تجدها لدى شيخنا النجم الصادق عبدالله المزيدي، فأخلاقه وتسامحه وسيرته توافق سيرة مراجعنا العظام، كما أمرنا الله تعالى وأنبياؤه وأوصيائه -عليهم أفضل الصلاة والسلام-، هذه السيرة والمسيرة الطيبة، في هذا الوكيل الذائع الصيت، تتمثل كذلك في شخصية الشيخ حسين بن الشيخ علي آل شبيث فهو مثال للأخلاق الإسلامية قولاً وعملاً، وسيكون مقالنا 243 يتناول السيرة المشرقة تحت عنوان (لنتشبث بأخلاقيات الشيخ حسين آل شبيث).
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا