2017/02/06 | 0 | 2322
(الرضعة الأولى) خطر يهددنا
. ومن سياق القصة يتبين ما للرضاعة من أهمية في التنشئة! ليس للأنبياء فقط؟ وإنما للناس أجمع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. و من جهة ثانية لا يقتصر الأمر في (الرَّضَاعَة) على الغذاء المادي فقط. وإنما متلازمتها الرضاعة العقدية، والفكرية، واللغوية، ولله در الشاعر الولائي في وصفه هذه الحالة: لاعــذب الله أمــي أنــها شـربت حب الــوصي وغــذتنيه فــي اللبن وكان لي والد ٌ يهوى أبا حسن فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن والمراد مما تقدم معرفة التأثير والتأثر حينما ينشأ مثل هذا الشاعر في كنف والديه في أجواء تربوية كلها ولاء، وحب لمحمدٍ و آلِه، واعتقاد بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليهم السلام- فمن البديهي أن يظل هذا الشاعر الولائي متمسكاً بنواجذه على معتقده مهما اعترضه من تهديد أو ترغيب. وتتفاوت التربية العقدية وفق أبجديات كل مذهب فيما يعتنقه؛ إبتداء من أيقونة خلفاء رسول الله ﷺ، زد على ذلك كل مذهب فيه تفريعات وفي التفريعات تفريعات .
هذا في الدين الإسلامي، وقِس على ذلك تفاوت الإختلافات في المسيحية، واليهودية، إضافة للديانات الغير سماوية. وكل هذه الاعتقادات حصيلة (الرضعة الأولى) وكل عنده اعتقاد راسخ بمعتقده. فإذن (الرضاعة) تجذر للرضيع المعتقدات بتعددياتها. ولو كان هذا الرضيع في حضن (بوذية) جزماً سيعتنق (البوذية) وهكذا؛ كما بالحديث المتواتر: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ". والنتيجة أن التنشئة منذ(الرضعة الأولى) من الأبوين -بغض النظر عن الإستثناء- كما عبر عن ذلك أبو العلاء المعري: ويَنشأُ ناشىءُ الفتيـــانِ مِنّا على ما كانَ عَـــوّدَهُ أبُــــوه ومــا دانَ الفـــــتى بحجاً؛ ولكنْ يُعَلّمُهُ التّدَينَ أَقْرَبوه وطفـل الفـــارسي له وُلاةٌ بأفعالِ التَمَجـــــسِ دَرّبوه ثم بعد أن يكتمل بناء هذا الرضيع الجسدي والعقدي؛ تتكون لديه قناعة أن ما يعتقده حق مطلق متوارث: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. وكما يقال في (الأحساء الخلاقة): (زل جبل و لا تزيل طبع)، فربما نستطيع إزالة جبل لكن استحالة إزالة طبع تطبع عليه إنسان. ولهذا من العبثية والفوقية مناقشة الآخرين في معتقدهم غاية هدمه، ولا يملك الحق أياً كان؛ إكراه الناس على معتقد يفرض عليه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ والناس بمعتقدها مقتنعة (وكل بعقلهِ راضٍ). و كل ما سبق من الاختلافات بتعددياتها لا ضرر منها ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. لكن يكمن الضرر والخطر في التحريض الممنهج؛ ضد هذا الدين، أوالمذهب، أوالفرقة أوالفرد بالإفتراء والتضليل والاستهزاء والتشكيك في نزاهته، وذمته،
وضخ الكراهية والبغضاء عبر شبكات التواصل الإجتماعي (الأبواب المضيئة)، والخطب والمحاضرات، بالذات خطب الجمعة التي حرف بعض المشائخ مسارها الإسلامي من تنمية الحب والألفة إلى تناول المؤمنين بالأسم الصريح بهدف التسقيط، من غير اكتراث بالمبادىء الأخلاقية الإسلامية، من قبل مشائخ بأمس الحاجة للتّربية. ونعت المراد أذيتهم بألفاظ مقززة يحاسبون عليها: (منافق، مشرك، زنديق، كافر، فاجر، عدو العلماء، عدو الصحابة، مؤذي المراجع، كلب ممطور، و ضال مضل ... ). وبعدما يتم تغذية الناس بهذه المفردات البغيضة الشنيعة، يقومون بتأجيجها وجعلها أسلحة فتاكة بيد الجهلة والهمج الرعاع بدثار الدين، من قبل من يفترض منهم نشر الفضيلة، والمحبة. لكن مع الأسف الشديد واقع الحال يظهر هؤلاء أس البلاء في بث الفتن واستنهاض الأحقاد الدفينة، وعلى ذلك كل المستقبلين لهذه التغذية تتكون لديهم ثقافات وقناعات، على ضوئها يتم تعاملهم، وسلوكهم، بأخلاق صلفة سمجة مع (المعنين) المراد محاربتهم، وإسقاطهم، بتوجيه مباشر ممن يطرحوا أنفسهم أصحاب وصاية و دراية.
بعدها يكون من الصعوبة بمكان أن تتغير هذه القناعات التحريضية، لأن الركيزة على (الرضعة الأولى) التي اُستقبلت أولاً. وهذا هو المقصود من طرحنا بوصفه (خطر يهددنا). وخطر (الرضعة الأولى) يستفحل أيضاً بين الأفراد، متمثلاً بتكوين الصورة الأولى ومبعثها (الفُجر في الخصومة) فمتى إبتدأ أحدهم بتشويه سمعة من يريده من باب العداوة والإنتقام، فإن هذا التعدي بالبهتان والإفتراء يُعد (الرضعة الأولى) ومن الصعوبة تغير هذه الصورة، لأن التشويه هدم، وتحسين الصورة بناء، وشتان ما بين الهدم و البناء! مع الأخذ في الاعتبار التبعات المؤلمة المتعلقة بالقيل والقال في العلاقات الاجتماعية والمصاهرة. ومما سبق نستنتج خطورة الموضوع، وعلى ذلك علينا مخافة الله، وتحري الدقة فيما يقال للناس بالذات خطب الجمعة، والقنوات الفضائية، وكذا شبكات التواصل، سيما فيما له صلة بالرموز الدينية؛ لأنه متى ما أهتزت صورة علماء الدين، تصدعت القدوة: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً .. . فشيمة أهل البيت كلهم الرقص و لهذا من الخطأ الفادح، و العمل القبيح تقسيط علماء الدين بالذات إذا صدر هذا التسقيط والتشهير من العلماء أنفسهم، ومتى ما اهتزت صورة أحدهم أثرت سلباً على البقية (الخير يخص و الشر يعم).
وكل الصرعات والإحترابات الاجتماعية والاقتتال كما يحدثنا التاريخ أُثله الْكَلام من قيل وقال، وأبلغ ما قيل في هذا السياق: أَرَى خَلَلَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نَارٍ فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ضرام فإن النار بالعيدان تذكى وإن الحرب أولها كلام الفكرة : كل الأخطار التي تحيق بالإنسانية نتاج (الرضعة الأولى) بمعنى عندما يبادر من هم في موقع القبولية من علماء، و مثقفين، وإعلامين بتغذية الناس بالضغائن، والكراهية، ويدعمون ذلك بأدوات السخرية، والتنابز بالألفاظ، والبهتان، والإفتراء، والقدح، والشخصنة. ويصبح المتلقي كالطفل يستقبل (الرضاعة) التحريضية فقط؛ بمن يراد التشهير بهم وإسقاطهم دون وعي أو مناقشة، فقط يسمع وفي ظنه أن ما يسمعه الحق المطلق، لثقته وإنخداعه في (المرضع) بعنوانه الديني أوالثقافي؛ هنا تكمن الخطورة وتهديد المجتمع. والحل يتجلى في حرصنا كل الحرص على (الرضعة الأولى) لأنه كما يقال (من سبق لبق). فنبدأ بزرع القيم والأخلاق والمعتقد الصحيح واحترام من نختلف معهم، نحسن الظن بغيرنا قولاً وعملاً. والأخذ بنهج أمير المؤمنين: "الناس صنفان: أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق " قبل أن يسبقنا غيرنا في تربية أبنائنا سلبياً؛ ويحولهم بتغذيته المريضة إلى أدوات احتراب، ودمار، وخراب، وتفجيرات وقتل﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ لتحقيق أهداف نرجسية شيطانية. ومسك الختام قول للإمام الصادق -عليه السلام- يلخص طرحنا: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة". الكافي: 6/47، حديث 5. واستكمالاً للموضوع سيكون مقالنا 235 بعنون (ملكية المفلسين) خطر يهددنا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الأَشْرَارِ، وَمِنْ كَيْدِ الفُجَّارِ، ومِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ إلاَّ طَارِقَاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنْ.
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا