2026/02/14 | 0 | 529
ليت الذين نحبهم لا يرحلون
يرحلون وإليه يرجعون، فإنا لله وإليه راجعون.
بالأمس كانوا ملء السمع والبصر، يروننا ونراهم، نصغي إليهم وهم يعبرون لنا عن حبهم ومشاعرهم، يجلسون ويأكلون ويشربون معنا. حين وُلدوا سعدنا بهم وهم يبكون، وحين رحلوا بكينا عليهم بدل الدموع دماً.
يرحلون وتعز ألسنتنا عن التعبير، وتتكسر أقلامنا عن كتابة كلمة حزن فيهم، وقد تجف مآقينا على البكاء عليهم، فهم أكبر من كلماتنا ودموعنا، فالتعبير عن الأحاسيس والعواطف والمشاعر والانفعالات صعب مستصعب دونه خرط القتاد، ولو كنا أشعر من المتنبي، وأبلغ من قِس بن ساعده الإيادي، وأفضل من عبد الحميد الكاتب.
يرحلون ولكن دمع الروح لا يكفكف عليهم مهما حرصنا، ونتمنى أن يتأخروا عن الرحيل ولو لحظات؛ لنودعهم ونسمعهم ونلقي عليهم النظرة الأخيرة، ولكن هيهات فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
يرحلون... آه لو يرجعون وليتهم يرجعون، في رجعوهم حياة لقلوبنا! كم برحيلهم قصرنا في تواصلنا معهم ولو برسالة أو سلام من بعيد، كأن رحيلهم فاجأنا وأيقظنا أننا لم نرهم، ولم نكحل عيوننا بالنظر إلى جمالهم، ولم نشنف أسماعنا بكلماتهم.
يرحلون وكأنهم برحيلهم إلى الله يستعجلون، وإليه يفرون، وهم في حظره ملك الموتِ عاجزون عن وداعنا!
يرحلون ونحن لا نعلم من ظاهرهم إلا خيراً، ولا نذكرهم إلا بمحاسنهم. كم فرطنا في جنبهم في التعبير لهم عن مشاعرنا نحوهم حباً وتعجباً.
يرحلون لا كرحيل يوسف عن يعقوب، ولا كرحيل موسى عن أمهِ -عليهم السلام- بل يرحلون بأجسادهم وأرواحهم وأنفسهم وقلوبهم رحيلاً لا رجعة فيه لنا إلا بذكراهم وكأننا لا ندري أنهم سيرحلون!
يرحلون عنا، ونحتفظ في قلوبنا عنهم بنفوسهم الرائعة وصورهم الجميلة، وأخلاقهم الدمثة وضحكاتهم، وذكرياتنا معهم الأغلى من الذهب.
يرحلون ورحيلهم ألم يقض مضاجعنا بالبكاء عليهم والحزن الدائم، فأرواحهم وقلوبهم تسكن قلوبنا ومهجنا وأرواحنا.
يرحلون فلا تنسوا من يرحلون بدمعةٍ ولو في السنةِ مرة، فالبكاء عليهم يرقق القلب، ولا تنسوا زيارتهم، وإذا مررتم عند أسوار مقابرهم فتذكروهم بفاتحة الكتاب، ولو عند الباب فتنفعهم يوم الحساب، فتخفف عنكم المصاب.
يرحلون فتذكروهم بدعوة في ظهر الغيب فهم نجومٌ هوت في سماء الحب إلى تحت الأرض.
يرحلون فيأخذون معهم راحتنا وهدوءنا وابتساماتنا وضحكاتنا، فنبكي عليهم ونعرف أنهم لن يعودوا.
يرحلون وتغرب شمسهم من حياتنا ليس من جهة الغرب فقط، بل من كل الجهات الأصلية والفرعية، ونبقى ننتظر متى تشرق شمسهم من جديد، ولكن لا جديد تحت الشمس.
يرحلون وحزننا لا نستطيع أن نختصره بالبكاء أو النواح أو الندب أو الآهات أو بتدبيج كلمات الرثاء مع أن ذلك تخفيف عن ألمنا فيهم.
يرحلون وما يظهر علينا بعدهم من حزن هو مشاعر وانفعالات وأحاسيس وعواطف لا نستطيع إخفاءها مهما حاولنا.
يرحلون وبرحيلهم قد تظلم حياتنا إن كنا نعتمد عليهم في المنشط والمكره في حياتهم، فرحيلهم ليس كالماء لا لون ولا طعم ولا رائحة له، فهم كانوا في حياتنا كالماء الزلال لهم طعم ولون ورائحة.
يرحلون وبرحيلهم مسنا الضر، ومن منا لا يبكي على رحيلهم، ونرجو أن نكون لهم خير خلف.
يرحلون وقد كنا نغضب أو نحقد على عزيز منهم، مثل: أب أو أم أو قريب فندعو عليه ونتمنى رحيله وبعد رحيله نندم فتذهب نفوسنا حسرات عليهم.
يرحلون وبعدهم تصبح حياتنا موحشة، مؤلمة، حزينة، كأنهم أتقنوا فن الرحيل؛ لنتقن فن الحزن عليهم!
يرحلون فنهيل عليهم التراب كأننا نهيله على أجسادنا، فهم السابقون ونحن اللاحقون، ومصابنا بهم جلل عظيم، وبرحيلهم مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين.
يرحلون بآجال مكتوبة، وأعمار محسوبة، ونفوسٍ محبوبة وجرحنا بهم لا يندمل، وحزننا عليهم سرمد، وليلنا مسهد إلى أن يختارنا الله إليهم بالرحيل.
يرحلون وليس في رحيلهم بدٌّ أو اعتراض، وليس في رجوعهم للدنيا أمل، يسكنون قلوبنا ووجداننا.
يرحلون فنتذكرهم بأشيائهم الصغيرة كرائحة عطرهم، أو لونهم المفضل أو أكلاتهم اللذيذة، فقد كانوا في حياتنا كالحلم، وحين رحلوا استيقظنا قائلين: توقفوا عن الرحيل لم نشبع منكم!
يرحلون وليس علينا إلا الصبر الجميل، وسيأخذنا الرحيل إليهم فما أجمل الرحيل إليهم!
منهم تعلمنا معنى الرحيل، وليس بيننا وبينهم حاجز إلا التراب نقبله ونبلله بدموعنا. برحيلهم أصبحت أفئدتنا فارغة لولا أن ربط الله على قلوبنا بالإيمان.
يرحلون ويأخذون قلوبنا معهم، ويتركون ذكرياتهم في قلوبنا، فنتذكرهم برؤية أولادهم، نراهم فيهم فنحِّن إليهم ونحتضنهم ونشمهم فنتذكرهم ونترحم عليهم، فبذكرهم تطيب قلوبنا.
هم أكبر من الكلمات، يحتاجون إلى الدعوات، فيا رب اكلأهم من النيران، وارحمهم يوم يفر المرء من أخيه بدخول الجنات، وأنت أرحم بهم من الأمهات.
يرحلون ونقول لهم: ناموا بسلام في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، طوبى لكم وحسن مآب. فالسلام عليهم يوم ولدوا، ويوم ماتوا، ويوم يبعثون أحياء.
ملاحظة: عنوان المقال عنوان ديوان لمحمد الدامغ.
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية