2014/05/10 | 0 | 3769
لماذا أحذَر من علي شريعتي؟
نشأ شريعتي في بيئة فكرية متّقدة في ظلال والده المفكِّر محمد تقي شريعتي. انخرط الابن في ريعان شبابه بحركات النضال والتحرير وسخّر خبرته اليسارية لاحقًا للتصدّي للنظام الشاهنشاهي في إيران وعمل على التنظير الفكري تمهيدًا للثورة في المدارس والجامعات والميادين, حتى لُقِّب بـ “مهندس الثورة الإسلامية”. نال شريعي شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السربون بباريس وهناك صاحبَ الفيلسوف الوجودي سارتر وغيره من النخبة. إلا أن ذروة عطاء شريعتي الفكرية تكوّنت في حسينية الإرشاد التي أسّسها مع رفيقه الشهيد مطهّري. كان شريعتي آلةً فكريّة متنقّلة لا تتوقّف عن إنتاج الأطروحات والنظريات, حتى اُغتيل قبل قيام الثورة بسنتين, فلم يُكتب له أن يرى ثمار عطاءاته الغزيرة.
بعد سنوات من رحيل شريعتي, تأسست دار الأمير اللبنانية وأخذَت على عاتقها جمع آثار شريعتي وترجمتها للقارئ العربي في مشروعٍ اُطلق عليه “سلسلة الآثار الكاملة”. بلغت اصدارات الدار نحو ٣٠ كتابًا -أغلبها مأخوذ من محاضرات وخُطَب صوتية. حفَرت هذه الكتب طريقها لأحضان الفرد الشيعي وتلقّفها الشباب بلهفة وحماس شديدين لما عُرِف عن لغتها اللاهبة وأسلوبها الذي يُلامس حماس الطليعة الشبابية. اندرجت مؤلفات شريعتي تحت إطارين عامّين:
١) ماهوَ موجّه للداخل الشيعي والمؤسسة الدينية في إيران كما في الكتاب اللاذع (التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي) -والذي يتداوله الشباب بكثرة مقارنةً بغيره.
٢) وأما الإطار الآخر فيتداول الإشكالات الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي, كما في كتاب (دينٌ ضد الدين) -وهذه الكتب نوعًا ما نخبوية فكرية ولم تلقَ رواجًا واسعًا.
قبل أن تقرأ: هذه التدوينة تعالج بشكلٍ خاص النوع الأول من مؤلّفات الشهيد شريعتي وقد اخترتُ التركيز على ذلك بسبب انتشارها وتعلّقها بموضوع النقاش.
نأتي الآن لإجابة السؤال الذي أحضَرنا إلى هنا: لماذا أحذَر من علي شريعتي؟
١) الكتب الخِطابية
في مقدمّة كتاب (التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي), يكتب محمد حسين بزّي, مسؤول دار الأمير, التمهيد التالي: “من باب الأمانة العلمية أنْ أشير إلى أنّ بعض هذه الأعمال هي أصلًا محاضرات مسجّلة على كاسيت, وقد قام الإخوة المترجمون بتفريغها وتنسيقها موضوعيًا, ولا يخفى على متتبّع أنّ التأليف شيء والمحاضرة والخطابة شيء آخر“. وأما كتاب (النباهة والاستحمار), فقد كان هو الآخر عبارة عن سلسلة محاضرات ألقاها شريعتي في حسينية الإرشاد وجَمَعتها الدار العالمية للطباعة والنشر وفرّغتها بين دفّتي كتاب. كتابه المثير للجدل (معرفة الإسلام) هو الآخر عبارة عن سلسلة دروس لطلبة الآداب بجامعة مشهد, وهكذا في العديد من المؤلفات.
وهنا تنشأ الإشكالات, فالخِطابة والمحاضرات عادةً ما تتداخل فيها عوامل شائبة تؤثّر على المحتوى ودقّته. فالخِطابة تتكِّئ كثيرًا على المبالغات في الطرح والانفعالات العاطفية والدلالات اللغوية التي يختزنها صدر الخطيب أو يُلقيها على إطلاقها دون شرحٍ وتوضيح. في كتابه الشهير (سيكولوجية الجماهير), يكتب عالم الاجتماع الفرنسي (جوستاف لوبون): “الخطيب الذي يريد جذب الجماهير ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة. ينبغي عليه أن يُبالغ في كلامه ويؤكّد بشكل جازم ويكرّر دون أن يحاول إثباث أي شيء, وهذه هي الطريقة التي يستخدمها الخطباء في الملتقيات الشعبية.” بالإضافة إلى ذلك, ينبغي مراعاة عاملَي الزمان والمكان التي اُلقيت فيها محاضرات شريعتي والتي كان لها عظيم الشأن في تكوين المحتوى. زمان شريعتي هو ١٩٦٥-١٩٧٧: زمن التجييش والإعداد الثوري, وأما مكانه فكان في معقله الخاص في حسينية الإرشاد أو كلّية الآداب بجامعة مشهد. كما أنّ المحاضرين المتمكّنين -كالمُعلّم شريعتي- عادةً ما يُهندسون حديثهم ليلائم الفئة المستمِعة, والذين كانوا من فئة الطلبة والشباب المتعطّش والمتّقد حماسةً. زِد على ذلك, الأثر الأكثر سلبًا في أسلوب المحاضرات: غياب مِجهر المراجعة والتنقيح, فما يتفوّه به الخطيب يُنقَش للتاريخ دون تحريرٍ وتعديل, خلافًا للتأليف الكتابي. هذا الخلل انتبه له العملاق شريعتي بنفسه. فحينما استشعر بعض الهفوات هنا وهناك, وعندما شعر بثقل المسؤولية ودنو أجله بسبب ترصّد المخابرات الإيرانية, أرسل الرسالة الأخيرة إلى نجله وفيها طلبَ شريعتي من أقرانه -كالشهيدين مطهّري وبهشتي- أن يقوموا بمراجعة أطروحاته خاصةً تلك الأفكار التي جُمِعَت في كتب وهي في الأساس كانت مجموعة محاضرات١. تواجُد هذه العوامل يجعلني أخطو خطوةً للوراء كلّما قرأتُ كتابًا مُستسقىً من محاضرات صوتية -وهذا لا يخص كتب شريعتي فقط.
وأمّا عن سبَب غضب شريعتي ضد الطبقة الدينية فأعتقد كما اعتقدَ مطهّري بأنّ شريعتي رأى رجال الدين ضِلعًا أساسيًا في مثلّث الظلم والاستبداد -نسبةً إلى مثلث ماركس المعروف فيه بأن الدين والدولة ورؤوس الأموال تقف بوجه الناس والشعوب. فأعتَقِد أنّ شريعتي بهجومه على رجال الدين هو في الحقيقة يهاجم النظام الحاكم الذي كان يمهّد للثورة عليه, إلا أنّ العِقْد قد انفرط ربّما حتى توسّعت دائرة الانتقاد بدون ضوابط واضحة.
٢) موقف الفيلسوف مطهّري
الشهيد المفكّر مطهّري يُعدُّ أحدَ أعلام الفلسفة الإسلامية وروّاد النهضة فيها في القرن العشرين. له العشرات من المؤلّفات المهتّمة ببناء الشخصية الإسلامية وبمناقشة المطالب الأخلاقية والفلسفية. وكما أسلفنا, كوَّنَ الشهيدان مطهّري وشريعتي ثنائيًا عظيمًا في حسينية الإرشاد. يحضر لهما الآلاف من الشباب. كانت كتاباتهما اليومية عبر الصحف والمجلّات تشكّل هاجسًا لدى السُلطات ومنارةً للثوّار, حتى وصفَ رفسجاني دور مطهّري في لقاءٍ تلفزيوني بأنّ “منزل الأستاذ كان مركزَ هداية الثورة.” كانا الشهيدان رفيقَي نضالٍ وقلم. ولكن!
في صيف ١٩٧٠, وبعد سنة من إفتتاح حسينية الإرشاد, انسحبَ الشهيد مطهّري من منبرها وانفصلت عُرى الوثاق بين رفيقَي الأمس. حيث اتّخذ موقفًا سلبيًا من بعض نظريات شريعتي. ولقد تبيّن موقفه واضحًا في الرسالة التي تُعرف في الأوساط الفكرية الإيرانية بـ”الرسالة التاريخية”, وهي الرسالة التي بعثها مطهّري إلى الإمام الخميني في منفاه في العراق. في هذه الرسالة بثّ مطهّري همومه وفتح عن قلبه. وهذه اقتباسات مقتضبة لبعضٍ ممّا وردَ في الرسالة:
“الله أعلم أيّ بلاء كان سيقع على الإسلام والحوزة لولا أنّ الله تعالى قد مكرَ به… وأقسم بالله لو اقتضت المصلحة استخراج أصول نظريات هذا الشخص ومقارنتها بنظريات الإسلام الأصيل لتبيّن أنها ضد أصول الإسلام وأنْ لا أساس متين لها… ومن المناسب لمعرفة حقيقة شريعتي أنْ يطّلع جنابكم المحترم على مجموعة مقالاته المنشورة في جريدة (كيهان), ومما يُؤسَفُ له أنّ هنالك إقبالٌ كبير على قراءة هذه المقالات… ومع ذلك فإني أحمِل ما ورد من انحرافات ومغالطات في كتبه على الخير وحُسن الظن لا الخصومة والعداء.”٢
٣) مَطالِب المراجعة والتصحيح
لم يكن شريعتي مُتعاليًا ومُكابرًا فوق النقد. كان يعتقد بأنّ كتاباته قد اختلطَ فيها الكثير. وينقل السيّد المؤرّخ حسن الأمين أنّ شريعتي “صرّح أمامه أنّ هناك بعض الأمور التي جاءت في بعض كتبه ومحاضراته خاصةً التاريخية والعقائدية بحاجة إلى إعادة نظر وتدقيق وأنّ [شريعتي] كان سيقوم بذلك, ولكن الموت أسرع.”٣
نعود مجدّدًا إلى رسالة مطهّري. حيث ذكرَ فيها بأنّه قام بمراسلة شريعتي لتنبيهه ببعض الأفكار المناهِضة للإسلام وطلبَ منه تنقيحها ومراجعتها, كما دعاه إلى مناظرةٍ بحضور لفيف من العلماء والمفكّرين. إلّا أنّ هذه المَطالب لم تتحقّق. ولذا استنجدَ مطهّري بالخميني, الأب الروحي ومُعلّمهم جميعًا, حيث كتب: “من المناسب أن تُراجَع كتبه وتُصحَّح -من قِبل الشيخ الذي لديه إجازة خطّية من شريعتي- قبل طباعتها. ولكن الذي يبدو وللأسف الشديد بأنّ أولئك الأشخاص الذين نصبوه مُجدِّدًا للإسلام كانوا قد اتخذوا قرارًا مُسبقًا بنشر آثاره. وإنّني أظن بأنّه من الجيّد أن توصوا معارفكم في أمريكا وأوروبا بأن يتمهّلوا في طباعة كتبه حتى يتمّ تصحيحها“. نستطيع أن نربط بين هذه الرسالة ورسالة شريعتي لنجله والتي طالبَ فيها أقرانه بالقيام بتنقيح بعض الكتب والمحاضرات, فلربّما استمع شريعتي لنداءات رفيقه, ولو متأخرًا!
٤) جهاز الاستخبارات (السافاك)
أعتقد أنّ نظام الشاه البوليسي كان له أثرَين سلبيّين على إنتاج شريعتي:
١) أرادَ الشاه ضرب أعصاب الثورة بعضها ببعض, وأراد الإيقاع بين رموزها, فقام جهاز استخباراته بتحريف بعضًا من مؤلّفات شريعتي وتزويرها لإثارة رجال الدين ضدّه, حتّى تولّوا مهمّة طباعة هذه الكتب بالملايين وتوزيعها مجّانًا في شوارع طهران.٤
٢) لم يترك جهاز القمع الشاهنشاهي شريعتي في شأنه. قد تمّت مضايقته كثيرًا, كما جرَت عادة الأنظمة الأستبدادية في مواجهة رموز الحَراك الشعبي. فبعد إغلاق حسينية الإرشاد, تمَ زجّ شريعتي في السجن مع والده لمدّة سنة ونصف, حتى اُطلِق سراحه بسبب ضغوطاتٍ شعبية. لم يهدأ الشاه حتى اغتال شريعتي في عمليةٍ استخباراتية مُحكَمة بعد شهورٍ قليلة من هجرته إلى لندن. اُستُشهِدَ شريعتي وهو في ذروة نضوجه الفكري حيث لم يتجاوز الـ٤٤ عامًا. بلا شك أنّ هذا الرحيل المفاجئ حرَمَ العالَم أجمع من عطاءات باحثٍ عظيم, كما حرَمَ شريعتي من مراجعة وإنضاج بعض أطروحاته. فكما ذكر السيّد الأمين, كان شريعتي في صدد تنقيح إنتاجه الفكري إلا أنّ رصاصات (السافاك) كانت أكثر إخلاصًا في أداء مَهامها.
ومضة: أعتقد أنّ ثمّة مشكلة في تعاملنا مع القراءة, فعادةً ما نرتكب المغالطة المنطقية الشهيرة: “الأبيض والأسود”, والتي تجعلنا نؤمن بحكمٍ مُطلق تجاه الكاتِب. بالطبع هذا مأزق, فهناك دومًا منطقة رمادية ينبغي مراعاتها, فأي إنتاجٌ بشري ليس خيرًا محض وليس شرًّا محض, وهذا ما ينطبق على مؤلّفات شريعتي -وغيره. بالطّبع هناك التحيّزات الفكرية والانطباعات المُسبقة التي نُسقطها على الآخرين وأعمالهم أيضًا.
—–
جديد الموقع
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس أمناء مؤسسة جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز ويطّلع على تفاصيل ملتقى دراية بنسخته الثالثة
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس أمناء مؤسسة جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز ويطّلع على تفاصيل ملتقى دراية بنسخته الثالثة
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس أمناء مؤسسة جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز ويطّلع على تفاصيل ملتقى دراية بنسخته الثالثة
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس جامعة حفر الباطن ويؤكد دعم القيادة للابتكار وتنمية الكفاءات الوطنية
- 2026-04-04 الهميلي تتألقُ في يوم المرأة العالمي
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟