2014/11/12 | 0 | 1689
الدالوة.. ١١٥٧ هـ
بعد سويعات قليلة من وقوع الاعتداء الآثم في الدالوة, أعلنت الداخلية إلقاء القبض على خلية إرهابية “لها علاقة بالجريمة “ في عدّة مدن -توالت الاعتقالات لاحقًا لتصل إلى أكثر من عشرين فردًا. مما نتج عن تلك المواجهات استشهاد رجلَي أمن ومقتل أحد المطلوبين. لم يمضي أكثر من يوم حتى توجه وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف إلى الأحساء وبالتحديد إلى موقع الاعتداء في حسينية المصطفى ليجلس بمعيّة أصحاب العمائم, في مشهدٍ رومانسي حالم هو الأضخم من نوعه. تبعته لاحقًا زيارة أمير المنطقة الشرقية إلى نفس المكان ومع نفس المُستضيفِين. في يوم التشييع المهيب, نافست صور شهيدَي الواجب صور الشهداء الثمانية, وقد لُفّت الجثامين بالعلم السعودي في مشهدٍ غير مألوف في الساحة المحلية. هذا كله يحدث بينما الشعارات الوحدوية والخطابات الوطنية تملأ أرجاء المكان.
هذه المجريات ساهمت في طبع تلك الصورة الأبوية الحانية للنظام والدور البطولي له, وتساوَت السُلطة في المخيلة الشعبية مع المغدور بهم في مذبحة الدالوة, حتى بدا الجميع في مستوى واحد من التضحية. دعونا نقف خطوة للوراء لننظر إلى الصورة الكبيرة, الصورة المتجردة من أي تفاصيل فوضوية.
الدرعية, ١١٥٧ هـ, زُرِعَت البذرة الأولى لما سيُعرف لاحقًا بالدولة السعودية وذلك عبر التزاوج الشهير بين الزعامة الدينية بنسختها السلفية متمثّلةً بالشيخ محمد بن عبدالوهاب, والسُلطة السياسية متمثلةً بأمير الدرعية حينها محمد بن سعود. تشكّل هذا التحالف ليكون العمود الفقري لنظام الحكم في المملكة عبر دولاتها الثلاث. شروط الحلف هذه, والتي تفضي إلى “الإطباق على الشرك والجهل” كما في رواية ابن بشر, حدّدت معايير دينية محدّدة تنطلق منها الدولة في رؤيتها وفي تحديد علاقتها مع باقي المكوّنات الشعبية. أي أن أساس الحكم والمواطنة في هذه البلاد اليافعة انطلق من معيار الهوية الدينية (والمذهبية) في المقام الأول. استمرت الشراكة بين الشيخ والامام مع انبعاث الدولة السعودية الثالثة وفرضت هذه الرؤية نفسها على أداء كافة أجهزة الدولة البيروقراطية بعد تشكّلها من وزارة الخارجية وحتى وزارة التعليم. اليوم، هذه الآيدولوجية التي انعقدت قبل ثلاثة قرون ما زالت هي الفيصل, مع اختلاف درجة فاعليتها حسب الظروف الموضوعية وبراجماتية النظام.
المنهجية السياسية التي تحتكم للمعيار أعلاه أدّت إلى خللٍ بنيوَي أنتجَ ثنائية مذهبية سواءً على الصعيد السياسي أو الاجتماعي: أدّت إلى تشكيل قطبيَ (نحن) و (هم). (هم) هنا يدخل فيها كل مَن لم يتبع طريقة ابن عبدالوهاب مثل الشيعة الذين ينتمون لطغمة “المشركين” في الأدبيات الوهابية, وهم ليسوا بأفضل حال من أهالي حريملاء والزلفي -سابقًا- الذي حاربهم الشيخ لـ”تطهير البلاد من الشرك والارتداد”, حسب رسائله. وما كانت معاهدة أهل الأحساء للأمير عبدالعزيز بن الرحمن صيف ١٩١٣ في استعدادهم لمبايعته شريطة أن يصون حرّيتهم الدينية ويوفّر لهم الأمان إلا دليلًا على توجّس شيعة المنطقة من اعتداءات “تطهيرية” قد يرتكبها متحمّسو “إخوان من طاع الله” وباقي المؤمنين بمنهجية الشيخ. نعم تمكّن الملك عبدالعزيز من البقاء على هذا العهد, إلا أنّ الإيدولوجية نفسها ما زالت متماسكة.
تنامت الدولة السعودية بكافة أجهزتها, وحملت معها إرثها القديم في ثنائية السنة والشيعة. هذا التمايز أحيانًا يكونُ فاقعًا كما في مناهج التعليم التي تؤصّل تكفير الشيعة وفي خطب المساجد ووسائل الاعلام التي تدعو جهارًا نهارًا لسفك الدماء الشيعية, وأحيانًا أخرى يكون هذا التمايز مضمورًا خافتًا كما في استبعاد الكفاءات الشيعية من المناصب الإدارية والحسّاسة. هذا على المستوى الرسمي, أما على المستوى الشعبي فلا أعتقد أننا بحاجة لتبيان الفجوة الواسعة بين الفريقين, وما زالت هذه الفجوة في اتساع مطّرد كمنتجٍ جانبي للصراع الاقليمي, وكانت آخر تجلّياتها -على ما يبدو- جريمة الدالوة.
نستطيع ربما أن نوازي جريمة الدالوة بأحداث ٩\١١. فكما دخل النظام في سلسلة اصلاحات مهمّة ومراجعات شاملة بعد مأزق سبتمبر لردم الهوّة بين مُسلميه والعالم, يتوجّب عليه الآن القيام بالمثل لسد الفجوة بين المواطنين أنفسهم. كان النظام صارمًا في النظر للأسباب الجذرية التي أدّت لـ”غزوة نيويورك” على مستوى المناهج والاعلام والمساجد, وستكون من الحكمة كذلك غربلة الخلفية الثقافية والسياسية التي أنتجت جريمة الدالوة. علينا أن نقوم بمكاشفة صادقة لاتفاق ١١٥٧ هـ لنعيد صياغته وصياغة مُنتجاته وفقًا لمبادئ المواطنة الحديثة التي تحيّد الهويات الدينية والعِرقية والقبلية لنصل إلى مستوى الهوية الوطنية الجامعة, ولنضع نهايةً لثنائية مُربِكة لا تتلاءم والزمن الحاضر. نعم نظام ١٩٩٢ يلمّح إلى مثل هذه الرؤية ولكنه ما زال مهمّشًا في الكثير من بنوده خاصة فيما يتعلّق بالمادة الثانية عشر الداعية لـ”تعزيز الوحدة الوطنية”. الحلول المقترحة كقوانين التحريض والكراهية وإغلاق القنوات ستكون خطوة للأمام ولكنها ستبقى مجرّد مسكّنات لأعراض مرضٍ مزمن, وهذا ما يرجوه أشد المتفائلين إن راعينا الواقعية.
جديد الموقع
- 2026-04-04 الهميلي تتألقُ في يوم المرأة العالمي
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"