2014/01/07 | 0 | 2142
تقلبات النفيسي
في برنامجه «لقاء الجمعة» حول مطالبته في خطاب له في تونس بتشكيل مجموعة استشهادية لخطف الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، قبل أن يتراجع معتذراً، لما في ذلك من دعوة صريحة لانتهاك قانون دولة ذات سيادة. لكن ما شهدناه هو أن المديفر أحرج النفيسي، علامات الحرج بدت جلية على ملامح الضيف الذي تفاجأ بالسؤال الصادم وكأن شيئا أربك سيناريو الإخراج المتفق عليه بين الضيف ومضيفه.
من العادة أن الخروج عن النص يضفي تألقاً أكثر على العمل المسرحي خاصة إذا ما أتقنه المؤدي بعودة سلسة لسياق النص. برع مقدم البرنامج في معالجة الموقف بمهنية عالية، أما النفيسي فلم تخذله البديهة في الاستدراك والعودة مجدداً للعب «دور الضيف» وتحريك دفة الحوار بحيث يلتبس الأمر على المتلقي بين الضيف والمضيف.. فالأسئلة تشي، كما هي تماماً الأجوبة، بشكل من التواطؤ المسرحي يلعب فيه المفكر الكويتي الدور الأبرز.
لم يعد النفيسي شأن أي مفكر مستضاف في برنامج تليفزيوني مجرد «مفكر على السريع» ضمن ظاهرة لاحظها «بورديو» وتبين من خلالها العلاقة السلبية بين «العجالة الطارئة» والفكر: أن يفكر الضيف على هوى الجمهور أو وفقاً لإرادة المؤسسة الإعلامية، أو المضيف الذي يدير عجلة النقاش وفق اتفاقية مسبقة.
يقبع النفيسي بين المفكر العجول/النجم والمفكر «الباطني الانعزالي المتعالي على العامة والجمهور لما يتطلبه الفكر من تأنٍ مناقض لانهماك «الميديا» بالفلاش والإثارة وتوابعهما. إنه يحمل في داخله مزايا الأنموذجين: هدوء وعين ثاقبة تنم عن روح منغمسة في تأملاتها، وفي نفس الوقت، صخب ملازم لرجل عُرف بأطروحاته الجدلية. هذا التمازج كفيل بسحر المتلقي، فالنفيسي بارع في الاصطياد، يرغمك على الإصغاء، صوته الهادئ والمعبر عن فطنة ودهاء يوقعك سريعاً في شراكه.
اللافت في اللقاء هشاشة الفخ. فالسكينة الصوفية في البدء استحالت إلى ضجيج انتمائي وصراخ مكتوم يفضح على الفور ذلك النزوع الاصطفافي، المفكر الأكاديمي والمحلل السياسي وجد نفسه في سياق مرافعة دفاعية/ هجومية للذود عن الجماعة على طريقة «نحن وهم».
ليس مفاجئاً، لمن تابع النفيسي، هذا السقوط المدوي، فالتاريخ الشخصي والفكري مملوء بالتموجات المارثونية، اللقاء نفسه تجسيد مختزل للوثبات المدهشة في فكر الرجل، فلئن كانت البداية اتسمت برصانة الأكاديمي والمثقف المحايد والمهموم بإشكاليات النهوض الثقافي والحضاري وتجاوز الواقع بكل مثالبه شأن أي مثقف «طلائعي»، فسرعان ما تهاوى اللقاء نحو استعراضات غرائزية وخطابية فجة، تحمل انحيازًا بدائيًا للذات الجماعية: «نحن الأمة وهم الطائفة».
يبقى أن للنفيسي وجوهه الأخرى، فلهذا الأكاديمي والمتحدث اللبق تنقلاته المذهلة، أقنعة واتجاهات ورؤى تتشابك وتشكل خلطة تجمع بين نزوع «إخواني» حيناً، وتكفيري حيناً آخر، أو بين إصلاحية إحيائية وبين سلفية أصولية: إن الإصلاحي الساعي لإصلاح الخطاب الديني في كتابه «مستقبل الصحوة الإسلامية» الذي يلح فيه على ضرورة ترشيد الخطاب الديني والدفع به نحو معالجة إشكاليات راهنة كمسائل التنمية والعمل السياسي والعصرانية وفتح باب الاجتهاد
وتأويل النص بما يتلاءم مع الحاجات والتحديات الراهنة وكل ذلك ضمن «روشتة» لانتشال الحركات الإسلامية من غيبوبتها، نجده يتحول إلى سلفي يقرأ النص بحرفيته وبتعاليه على سيولة التاريخ وصيرورة العقل.. أما الإخواني الداعي إلى حل الإخوان «في لقاء المديفر» فقد كان ينزع إلى خطاب إقصائي/تكفيري يلح على القطيعة مع الآخر بذريعة أن التكفير في جوهره مفهوم قرآني «كما في أحد خطاباته على اليوتيوب».
يترافق مع هذا المزيج في كل «وجبة شهية» قدر من الأحاديث المرسلة، بحيث تتوه الأدلة والبراهين والوثائق في متاهة «السوالف» من كل حدب وصوب.. ذات مرة تحدث عن «وليد السناني» الموقوف على خلفية قضايا إرهابية واصفاً إياه بالدكتور «في لقاء بقناة الجزيرة مع أحمد منصور ضمن برنامج بلا حدود»،
ولما أطل علينا السناني «في لقائه المتلفز مع الإعلامي داوود الشريان في برنامج «الثامنة»» تبين أن الرجل لم يكمل دراسته أصلًا، بل حرم أبناءه من التعليم لما فيه من شبهات تتنافى مع رؤيته الخاصة للدين. إنها سقطة، ربما لم يحسب لها حساب، لكنها بالتأكيد ستجعل كل حديث أو تصريح أو حتى تحليل مستقبلي محل شك وريبة.
هذا الاستطراد المرسل شأنه المصادرة، يصادر كل شيء لحسابه، المرأة والتاريخ والأمة، كل شيء معد للاستئثار، وعلى حساب الموضوعية والأمانة والخطاب المعرفي، إن المفكر النفيسي يخون ذاته كمفكر، فإذا كانت الأمة مصادرة لصالح الجماعة المتخيلة «الطائفة أو القبلية» فالتاريخ هو ما يكتبه المنتصر، القرامطة –كمثال- موضوع تاريخي ملتبس، لكنه مع النفيسي واضح وضوح الشمس.
أما المرأة فحديث ذو شجون، لا خلاف حول النهوض والقضية النسوية لكن النفيسي المنتصر للمرأة ينكمش لصالح النفيسي/ الداعية والواعظ الذي يحث على تأطير أو مصادرة إسلاموية للقضية النسوية تحيل المرأة إلى مجرد ربة منزل، وهكذا يقول في كتابه العمل النسوي في الخليج، الواقع والمرتجى: «يحسبون الفتاة المذيعة التي تقدم أغاني ما يطلبه المستمعون ضمن قوة العمل والإسهام الاجتماعي بينما لا يعدون ولا يحسبون المرأة «ربة البيت» التي تعد الطعام وتكنس الغرف وتغسل الملابس وتراجع دروس الأطفال وغيرها من المهام الخطيرة والجليلة والثمينة. لقد آن الأوان لتقييم وتثمين دور ربة البيت تقييما اقتصادياً واجتماعياً يليق به»!!
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*