شعر وأدب واندية ادبيه
2026/10/25 | 0 | 56
قراءتي في رواية (العاري)- حسين العلي
هل تجعل المدخلات التعليمية والدينية والتنشئة الاجتماعية أي شخصية أكثر تساؤلا وصراعا مع نفسها ومجتمعها؟ وهل تجعلها أكثر تمردا على واقعها، حتى يصل بها الحال إلى أن تعيش صراعا وجوديا في إثبات ذاتها، من خلال استنكار الواقع وما تراه من أحداث ووقائع؟ وهل يكون كاتب الرواية، الذي يعيش في مجتمع محافظ، أكثر استدعاء للأسئلة والاستفسارات من ذاكرته المشحونة بالمتناقضات، مما يجعله في صدام بين قيمه والسلوك الاجتماعي؟ وتتضح هذه التساؤلات الذاتية المحيرة عندما ينتقل المرء من مكان إلى آخر يختلف عنه في طبيعته وثقافته، ضمن جغرافيا مفتوحة لا تحدها الحدود بقدر ما تتسع فيها الأفكار والعادات والتقاليد، فتتضح صور التصادمات الفكرية والثقافية في ذهنه.
إن نظرة كاتب القصة والرواية إلى الحياة تختلف عن نظرة بقية أفراد المجتمع، فهو حساس لكل مشهد اجتماعي، مهما كان صغيرا أو تافها. وإحساسه العميق وخياله يجعلان منه يرى ما لا يراه غيره، فيفحص النفس البشرية ويحلل السلوك الاجتماعي. ويحمل ذاكرة مفعمة بالصور الذهنية، تتفاعل في عقله الباطن أحداث كثيرة منذ الطفولة المبكرة، فيصبح اللاشعور لديه أكثر فاعلية في استحضار المناظر الاجتماعية وتصوير اللوحات السلوكية. وتقفز إلى ذهنه أسئلة واستفسارات حياتية ووجودية لا تخلو من تناقضات يعجز عن الإجابة عنها، فيتركها هربا من عجزه عن تفسير كل ما يحدث.
هكذا هو الروائي حسين العلي، المختلف في شخصيته ونظرته إلى التاريخ الاجتماعي، إذ يحمل من الأفكار والتحليلات النفسية ما يجعله راصدا حاذقا للسلوك الفردي والثقافة الاجتماعية المتراكمة، فيرسمها في مخيلته صورا اجتماعية يحللها في هيئة شكوك وأسئلة، بسبب ما يرصد من تناقضات في السلوك الفردي والاجتماعي. وهذا ما يلاحظه القارئ في روايته (العاري)، المليئة بالأفكار الشخصية والتساؤلات حول شؤون الحياة والوجود.
هل أراد الكاتب، من خلال شخصية البطل واستنادا إلى عنوان الرواية، تعرية الشخصية الاجتماعية أو تعرية الأفكار الاجتماعية على لسان البطل؟ أعتقد أن الكاتب لم يختر هذا العنوان من غير قصد، بل ربما أراد به التعبير عن المعنى الحقيقي للعري الفكري، من خلال كشف ثقافة الفرد أو تعرية التناقضات الاجتماعية التي يعيشها الإنسان، حين يستتر في الظلام خلف أفكار وقيم تنكشف حقيقة السلوك المرتبط بها في وضح النهار.
من الواضح أن كاتب الرواية، حسين العلي، ربما أراد مزج انطباعاته الشخصية بما يشاهده في واقع المجتمع الذي يعيش فيه، فكأنه يسجل انطباعاته عن واقعه الأصلي، ويقارنها بما يراه خلال رحلته السياحية، عاقدا مقارنة بين التأثيرات الثقافية والاجتماعية. وغالبا ما يكون الروائي أكثر دقة في الملاحظة وأكثر حساسية تجاه سلوكيات الأفراد والمجتمع. وتُروى أحداث الرواية بضمير المتكلم، من خلال شخصية البطل التي تراقب وتدقق في كل كلمة وكل مشهد. وأحيانا يجعل البطل من نفسه الفاعل والحاكم على السلوك، والمتسائل والمبرر له، وهي نتيجة لمخزون ذاكرته المملوء بالمعلومات والمشاهد المتناقضة.
وقد قفزت هذه التساؤلات من ذاكرته حين سافر إلى جنوب شرق آسيا، فالجغرافيا بطبيعتها ومجتمعاتها تثير الذكريات والمخزون الفكري. يقول بطل الرواية على لسانه: « من منا نقي من منا صافي في السريرة»، وهو اعتراف ذاتي داخلي بالتلوث الاجتماعي، يعبر فيه عن الجماعة ويسائل المجتمع، نتيجة معايشته واقعا مريرا، وكأن الإنسان، ما دام يعيش في وسط اجتماعي تغلب عليه الأهواء والمصالح، يتأثر بمحيطه الاجتماعي.
لذا نجد بطل الرواية، وعلى لسانه في موضع آخر، يقول: «بالبسمة احتقر الم الزمان». فهو يداوي آلامه وجروحه بالابتسامة المتصنعة أو الكاذبة، ويبتسم في وجه الأوجاع الاجتماعية، ربما لأنه يشعر بالاغتراب الذاتي، منفصلًا عن الواقع الاجتماعي. وأحيانا يؤدي هذا الانفصال إلى ازدواجية في الشخصية بين ما يتمناه الإنسان في داخله وما يراه في واقعه. بل إن المجتمع قد يفرض هذه الازدواجية حتى يتعايش الفرد مع بيئته الاجتماعية، ويُقبل عضوا منتميا إلى المجتمع، يقضي من خلاله مصالحه، لا اقتناعا، بل مسايرة.
وما يؤكد هذه الفلسفة لدى بطل الرواية قوله: « بل كنت ساعتها مهبولا وسعيدا بهبلي، لأنها فرحتي اليتيمة أن اعيش الهبل من اوسع أبوابه». يبدو إنها مرارة ذاتية أن يعيش المرء شخصية غير شخصيته من أجل أن يكون سعيدا بهبله، فيغض الطرف عما يراه ويعيش في واقع متناقض حتى يشعر بالاغتراب الروحي. فالهروب من الواقع بتصنع شخصية الهبل يصبح وسيلة للعلاج ومصدرا للسعادة.
وفي عبارة تدل على العري الجسدي والفكري والتحرر من القيود الذاتية، يقول البطل: «فارتحت كثيرا، وكيف لا ارتاح وانا عاري في بلد لا يحاسب العراة»، كأنها توحي هذه العبارة برغبة في الانكشاف الذاتي والاجتماعي لدى شخصية الرواية، ويمكن التعبير عن العري هنا بوصفه كشفا لحقيقة الناس بعضهم أمام بعض، لا على المستوى الجسدي فحسب، بل على مستوى الأفكار أيضا.
ولأن للمكان تأثيرا في الإنسان، حتى في أفكاره، يقول البطل بضمير المتكلم: «لاني ادرك المكان له آثاره». وقد أكد ذلك من قبل في حديثه مع نفسه: « على أن أغير مكاني، أن اهاجر من ذاتي عبر تغيير المكان، فتتغير ذاتي»، لهذه العبارة دلالتها الفلسفية في شخصية بطل الرواية، فالمكان له مذاق خاص في تغيير الآراء، والمرء حين ينتقل بين الأماكن تتغير نفسيته بحسب طبيعة الجغرافيا. فالمكان ليس أبعادا ومساحة فحسب، بل إن طبيعته ومجتمعه يؤثران في المزاج والروح.
ولأن الرواية اعتمدت على شخصيتين محوريتين في حياة البطل، هما زليفيا وأنيتا، فعلى الرغم من تكرار اسم زليفيا أكثر في الرواية، يُفهم منها أن شخصية أنيتا أقرب إلى روحه وتحظى بإعجابه، ربما لما تحمله من ثقافة وفلسفة في الحياة، وما تختزنه من معرفة بثقافات الشعوب والأديان. يقول البطل: « ثم تذكرت أنني أخذت كتاب من كتب أنيتا في خروجي حين لفت نظري بعنوانه العربي فلم أقاوم رغبتي ولم تعترض وفتحته وبدأت اقرأه».
ويرى بطل الرواية أن الطعام يعزز العلاقة بين البشر، إذ يتذكر زليفيا بقوله: « الخبز أعادني إلى زيليفيا وصوتها في المساء»، ويؤكد ذلك بقوله: « الخبز يجعل المرأة لا تنسى الرجل ». ولا شك أن الطعام والأكل من علامات العلاقة بين البشر، وخصوصا في الحياة الزوجية.
ولا يزال الألم يطارد شخصية الرواية، ويستعين بالصمت في مواجهته، قائلا: « اللوذ بالصمت سلاحي السري في أوقات الألم الصمت الصمت».
وعلى لسان زليفيا، الشخصية الثانية في الرواية، تأتي نظرتها إلى الرجال في قولها: « ليتك أنت حبيبي الذي أوكل اليه نزع شوكة القلب ». وتكمل زليفيا: « غير أنك طير مهاجر كل يوم لك غصن تخط عليه، وإن بقي لك ظل سأقدسه، ولن أدوس عليه. سأبني عليه قبة واقيم تحتها صلواتي».
بالرغم أن نظرة المرأة للرجل يشوبها الشك والريبة، فإن الأنا الأنثوية تزعم إنها قمة الولاء والوفاء في طبيعة مشاعرها للرجل الذي يتنقل بين الأمكنة ومتقلب المشاعر، رجل لا يفهم مكنونات المرأة المجروحة التي تجبرها الظروف على فعل ما لا ترغب فيه.
ولا تزال الأفكار في العقل الباطن والذكريات المكنونة تطرح أسئلة على بطل الرواية، فيقول: « ابقى في حيرة السؤال وتيه الاجابة، وسعة الأفق وغيبوبة المكان حتى أقبل أن أكون الموت ذاته». إنه يكرر الأسئلة على نفسه، ولا يقنعه الجواب، حتى يتمنى الموت. إنها أسئلة نابعة من حيرة وجودية متناقضة، نتجت عن الانفصال عن واقع ليس وحيدًا فيه. وتتضح أهمية أنيتا في شخصية البطل حين يتمنى الموت، مترقبا صوتها: « أو لعلي سأموت فيأتي صوت أنيتا». ويؤكد بطل الرواية إعجابه بها من خلال تكرار أقوالها: «بل الحياة لا يمكن أن تكون نظيفة، إلا إذا رحل الإنسان عنها».
ولا يزال الموت حاضرا في حياة البطل، إذ يقول: «لكي نقهر الموت علينا ان نتصور انفسنا ميتين، انه مصيرنا مع أنفسنا». فالموت يترك الإنسان وحيدا في مواجهة مصيره، ولن يقف معه أحد أمام هذا المصير الحتمي. ويرى البطل أن حب الحياة يضخمها ويمنحها أهمية.
ويؤكد بطل الرواية حضوره المتكرر لفكرة الموت، غير مبالٍ بالحياة، لأنه لا يملك تاريخا أو هوية أو ظلا، وكأنه لا يحمل معنى في الحياة، فيصبح الموت أولى به. وحين يحل الموت تبدأ الحياة لأمثاله، كما يقول: «وكأن الموت له أهمية لمن هو مثلي، رجل دون ظل ولا تاريخ ولا هوية».
ويعود البطل إلى الحديث عن المكان، باعتباره جزءا من مسيرة الحياة، فيقول: «فالأمكنة أما ترحب بك من اول وهلة، أو تقف على الحياد أو ترفضك أو لا تجد ذاتك بها كمقابلة بعض الناس تماما». فللأماكن أرواح كأرواح البشر؛ تستقبلك وتألفها لما تحتويه من معالم وحركة.
وتطارده الحيرة، وتحوم الأسئلة في عقله وذكرياته، فيقول: « ألم تتعب يا احمد من كل شيء حدد وجهك، حدد روحك، حدد ذاتك، حدد نقطة واحدة، واستند اليها». ما أصعب التيه في الحياة، حين يعجز الإنسان عن معرفة نفسه ووجهته، ويغيب عنه الإحساس بروحه، فيصعب عليه المسير نتيجة الحيرة الروحية وفقدان المعنى.
ويؤكد أحمد أن فقدان المعنى مصدر للألم، فيقول: «المؤلم والذي يبحث عن إدراك للمعنى والفهم والتفسير، هو ما سيكون في الآخرة».
ويبحث بطل الرواية عن اليقين، لكنه يشعر بالوهم وغياب الملامح والحدود في الحياة، ويصبح انعدام اليقين سببا للألم. فيتساءل: ما الحل؟ ويقول: «اليقين يا زيليفيا مهم، وهذا سبب كل ألم»، ثم يتساءل بوجع: « من يملك اليقين».
وقد بلغ اليأس ببطل الرواية حدا لم يعد يرى معه جدوى في البحث عن إجابات، بل يعده مضيعة للوقت، خصوصا أنها ليست إجابات شافية ويقينية ترد على تساؤلاته وحيرته الوجودية، ولا تمنحه معنى. يقول: «البحث عن اجابات مضيعة للوقت ، غير ان الامور لا تنتهي بضياع الوقت او بالحفاظ عليه، مثل كل شيء الوقت لم يعد له معنى». وقد قاده يأسه إلى ألا يشعر بأيامه أو عمره، حتى لم يعد للوقت معنى في ظل المرارة التي يعيشها.
ونراه في نهاية الرواية مستمرا في حيرته وفقدانه للهوية، حين يقول: «الامور تتحول والحب يتحول ولا اجابات شافية». ويستمر في طرح أسئلته الذاتية والوجودية، وربما وصل إلى الحالة العبثية، حين يقول: «لا يهم ماذا بعد أو ماذا قبل الأهم..وحتى الأهم لم يعد هو الأهم. ثم اتذكر أنني لم انسى شيء سواي». ويكرر: «آه. لم انسى شيء سوى شيء مهم- من أنا».
إنها خاتمة تتجلى فيها الحيرة، ففي خضم الأحداث والذكريات المتناقضة، ضاعت هويته وفقد الطريق، حتى لم يعد يعرف من هو. يعيش الفرد بين مجتمعات لها معتقدات وهويات متعددة وثقافات متنوعة، وقد يعجز عن تحديد شخصيته بين هذه الهويات، بل ربما يفقد ذاته إذا لم يحدد معالم هويته والطريق الذي يسلكه.
في الرواية مفردات متكررة، مثل الذكريات والصمت والمكان والمطر والألم، لكن كلمة الموت تكررت كثيرا. ومن الملاحظ أن شخصية الرواية دقيقة في ملاحظاتها ورصدها للأشخاص الذين تقابلهم وتحاورهم، كما تتذكر الوطن من خلال ذكرياتها ومعايشتها للأفراد من أبناء وطنها.
بُنيت الرواية على شخصية تتحدث عن نفسها، وربما يؤثر هذا الأسلوب في الحديث النفسي، إذ يجعل الذات محورا لتشخيص المجتمع وكل ما تراه الشخصية وتسمعه. والجغرافيا حاضرة في شخصية البطل، إذ تتغير نفسيته وأفكاره بتأثير ثقافات المكان وعادات المجتمع وتقاليده.
يتأثر كل كاتب بما اختزنه من معلومات ومشاهد وأحداث، لكن ما يكتبه ليس كله واقعيًا؛ فقد يكون متخيلا أو صورا تشكلت في خياله، يكتبها مستندا إلى مكوناته الثقافية. وتبقى فنون السرد وتقنياته التي يتقنها داعمة لسردياته، بحسب إبداعه. وليس من الضروري أن يكون كل ما يكتبه الكاتب واقعا، فالراوي يسرد ما يتوافق مع ثقافته وفكره ونظرته إلى الحياة.
وكلما نضج الكاتب من خلال تجاربه وقراءاته وتفاعله مع الحياة، وامتلك إحساسا مرهفا وقدرة على التصوير وإتقانا للملاحظة الدقيقة، أصبحت كتابته السردية أكثر إمتاعًا وجمالًا، كما نرى لدى كاتبنا الروائي حسين العلي في روايته (العاري)، التي تترك للقارئ المتأمل نوافذ للتفكير في الحياة والإنسان والمجتمع تطرح اسئلة مفتوحة ربما يصعب إيجاد اجابات جاهزة لكنها تدفعه إلى اعادة النظر في تصوراته في شئون الحياة.
جديد الموقع
- 2026-10-25 جمعية بيان الهدى تستقطب طيفاً واسعاً من المجتمع في برنامج (الذكاء الاصطناعي)
- 2026-10-25 ومضات رائية (18)
- 2026-10-25 قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
- 2026-10-25 الشيخ طنف الدعجاني يحتفل بزواج ابنه سلطان
- 2026-10-25 ديربي في الأحساء ومواجهات قوية بالجولة التاسعة من دوري الأولى
- 2026-10-25 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يزوران المصاب جراء العدوان الغاشم الذي استهدف مطار الملك فهد الدولي
- 2026-10-25 «بصمات» تستعد لإطلاق برنامج دعم التعلم لأكثر من 100 يتيم ويتيمة بالأحساء
- 2026-10-25 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد
- 2026-10-25 تجمع الأحساء الصحي ينجح في استئصال ورم سرطاني مع الحفاظ على الثدي لمستفيدة حامل في الشهر الثامن
- 2026-10-25 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد