2026/10/25 | 0 | 44
" حين يصبح الأثر حياة سيرة الشيخ محمد البقشي "
إن بعض الشخصيات ترحل، لكننا نكتشف بعد رحيلها أن حضورها وتأثيرها كان أعمق من غيابها الجسدي، لأنها لم تكن تعيش لنفسها ، بل كانت تمنح الآخرين شيئًا من علمها وضميرها وأخلاقها، فيصبح أثرها جزءًا من حياة من عرفوها، وحياتهم المعنوية تستمر في عقول الناس وضمائرهم وسلوكهم، وتظل كلماتهم ومواقفهم وأخلاقهم حاضرة بعد رحيلهم بعقود أو قرون ، لاسيما العلماء والمربّون لايُقاس أثرهم بما خلّفوه من تراث علمي فحسب ، بل بما زرعوه في النفوس من علم ، وفي العقول من وعي، وفي الأخلاق من استقامة.
وأجمل ما يتركه العالم بعد رحيله ليس أن يظل الناس يذكرون اسمه فحسب، بل أن يستمروا في ممارسة الخير الذي تعلّموه منه، وأن يحملوا أمانته العلمية وأخلاقه في حياتهم ، وهكذا، قد يغيب الجسد لكن صاحبه يظل حاضرًا في كل فكرة أنارها ، وكل طالب علّمه، وكل خُلُق جميل غرسه في إنسان .
والشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن أحمد السليمان البقشي عالمٍ أحسائي جمع بين العلم والخط وخدمة الناس وتُعد سيرته مثالًا لشخصية من علماء الأحساء الذين لم يقتصر أثرهم على طلب العلوم الدينية ونسخ الكتب، بل امتد إلى الجمع بين طلب العلم والتدريس والنسخ والإمامة وخدمة المجتمع ، وكتابة الوثائق والوصايا ، ورعاية شؤون الأيتام والقاصرين، والإسهام في استمرار التعليم الديني في الهفوف بعد وفاة أستاذه المرجع الديني الشيخ موسى أبي خمسين.
نبذة عن مولده
هو الشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن سليمان البقشي، من بيت البقشي المعروف بالوجاهة والمكانة الاجتماعية وُلد في مدينة الهفوف سنة (1292 هـ) عاصر مرجع الدين الشيخ محمد بوخمسين .
النشأة والأسرة
نشأ في أسرة صالحة بين أبوين كريمين وفي بداية حياته عمل الشيخ محمد في صياغة الذهب مع أخيه الأكبر الحاج عبد الله العلي البقشي وتكشف هذه المرحلة جانبًا من حياته قبل التفرغ لطلب العلوم الدينية ، إذ بدأ مسيرته بالعمل المهني .
حياته الشخصية
تزوج زوجتان الزوجة الأولى آمنه عبدالله البقشي وبعد وفاتها تزوج بتله أحمد آل موسى وله من الأبناء أثنان حسن وحسين وبنت واحده آمنه
تحصيله العلمي
اتجه الشيخ محمد البقشي إلى طلب العلوم الدينية بعد سنوات من العمل في الصياغة وتلقى علومه الدينية في الأحساء على أعلام علمائها وأبرزهم الشيخ موسى بن عبد الله أبوخمسين والشيخ إبراهيم بن عبد المحسن الخرس ، كما أنه كان من طلاب مدرسة الميرزا علي الحائري وهي الحوزة التي أسسها الميرزا علي أثناء إقامته في الأحساء إلى هجرته منها سنة 1373هـ وكان مقرها في حي الفوارس بالهفوف حيث قام باتخاذ أحد المنازل محلاً للدرس فكان ممن تخرج على يديه ثلة من العلماء من أبرزهم الشيخ محمد البقشي ، والشيخ عبد الله الوصيبعي، والشيخ أحمد أبوعلي، والشيخ كاظم الصحاف ، والشيخ علي بن شبيث، والعلامة الشيخ محمد بن سلمان الهاجري .
وفي حوار جرى حديثاً مع حفيده محمد حسين البقشي يذكر بأن الشيخ رحل للعراق ودرس في حوزة النجف برهة من الزمن وبعدها عاد للأحساء بعد أن بلغ تحصيله الدراسي مستوى السطوح العليا .
صفاته الأخلاقية
يتمتع الشيخ محمد البقشي بالزهد والورع والتقوى وذكر الباحث احمد البقشي في مقالة له " رسالة تعزيه4 " في موقع المطيرفي بانه يُنقل عن الشيخ صالح السلطان وصفًا لالتزامه الديني واحتياطه في تصرفاته بما يوافق الشرع المقدس وكذلك ذكر بأنه يُنقل عن شيخ المؤرخين جواد الرمضان قوله " لم يكن للشيخ محمد رحمه الله نظير في الأحتياط في الدين والنزوع عن الدنيا " وهذه شهادات اجتماعية ذات قيمة في رسم صورته لدى معاصريه .
أعماله وإنجازاته
التدريس في الحوزة العلمية في الهفوف
من أبرز المحطات في حياته مشاركته في استمرار نشاط الحوزة العلمية في الهفوف بعد وفاة الشيخ موسى أبي خمسين سنة 1353هـ وذكر الشيخ محمد الحرز في مقال دراسة «الحوزات العلمية في الأحساء» أن الشيخ محمد البقشي والشيخ أحمد بن إبراهيم البوعلي توليا التدريس في الحوزة مدة من الزمن بعد وفاة الشيخ موسى، قبل أن تتوقف الحوزة عن الاستمرار بسبب الظروف التي مرت بها الأحساء في تلك المرحلة .
تلاميذه
في حوار مع الباحث في التراث الاستاذ سلمان الحجي ذكر بأن من الذين تتلمذوا على يد الشيخ محمد البقشي الشيخ عبدالوهاب الغريري والشيخ احمد الطويل .
اهتمامه بالجانب الأدبي
ينقل حفيده محمد حسين البقشي أن الشيخ كان له اهتمام بالأدب فقد كان يكتب الشعر وله مقطوعات شعريه ، وفي سفره للعراق كان يلتقي بالشيخ أحمد الوايل في الكاظم ويتبادل معه الشعر .
دوره الديني والاجتماعي في الأحساء
له دور اجتماعي يتجاوز الوظيفة الدينية بالمعنى الضيق ، إذ ارتبط عمله بكتابة الوثائق والوصايا المتعلقة بالتملكات والتركات وأمتد ليشمل حفظ الحقوق ، وضبط الحسابات ، وتنفيذ الوصايا، وتقسيم التركات فقد تولى شؤون أموال ومصالح عدد من الأيتام والقاصرين وفاقدي الأهلية من أقاربه ومن سكان بعض أحياء الهفوف ، وأمتد دوره الاجتماعي إلى الجفر والمطيرفي والمبرز كما أشرف على تنفيذ وصايا بعض المتوفين وما يتعلق بها من صدقات وأعمال بر .
أمامته لصلاة الجماعة
كان يقيم صلاة الجماعة في بيته وفي المجلس الحسيني الذي أوقفته الحاجة زينب بنت علي البقشي وقد دون الشيخ وصية الوقفية للحاجة زينب البقشي بخط يده ، وتولّى إمامة الجماعة في الجامع الكبير ، المعروف بمسجد أبي خمسين ، بعد انتقال الميرزا علي الحائري إلى الكويت ، كما أقام الجماعة في مسجد الرفعة الشمالية على فترات.
أثره في حفظ تراث الأحساء العلمي
يعد الشيخ محمّد بن علي البقشي رحمه الله من أبرز وأشهر النساخين الأحسائيّين وأجملهم خطّاً فقد تم على يديه نسخ عشرات المخطوطات ، وكانت تمتاز مخطوطاته بالتزام بقواعد وفنون الخط واللغة ، مما جعل مخطوطاته محل رغبة لدى العلماء والأعيان في البلاد ، وقد دون بخطة :
1 - الرسالة العملية في الطهارة والصلاة: تأليف: الشيخ محمد بن عبد الله آل عيثان «1260 - 1331 هـ وهي تقع في «371» صفحة.
2 - تبصرة للإخوان الخلان في بيان سورة الرحمن تأليف: الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري.
3 - أجوبة مسائل الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي تأليف: الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري وهي مسائل أجاب عنها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي «1166 - 1241 هـ »، ويقع في «9» صفحات
4 - رسالة في إثبات المعاد الجسماني بالعقل تأليف: الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي ويقع في «53» صفحة .
5 - ديوان النور تأليف: الشيخ محمد بن الشيخ حسين الصحاف «ت: 1313 هـ » ويبلغ عدد أبياته حوالي خمسمائة بيت ، وكله في مدح ورثاء أهل البيت .
6 - القرآن الكريم: تاريخ النسخ شرع في نسخها سنة 1336 هـ واسم الواقف الفقيه الشيخ موسى بن عبدالله آل أبي خمسين "1298 - 1353 هـ " بطلب من أستاذه الشيخ موسى أبي خمسين ومكان الحفظ مسجد آبي خمسين ، الواقع بمدينة الهفوف حي الرفعة، كما توجد نسخ أخرى من المصحف بخطه في مكتبة الشيخ صالح السلطان ، ولدى أسرة آل بن خليفة .
كما قام الشيخ محمد البقشي بنسخ سبع رسائل علمية من المؤلفات والمخطوطات الأحسائية التي تعود إلى القرن الثالث عشر الهجري، من مصنفات الشيخ محمد بن عبد الله بن رحمة الأحسائي، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ علي نقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، و الشيخ محمد بن حسين بن علي، والسيد كاظم بن قاسم الرشتي، قيد تملك وحيازة ملا كاظم بن الحاج محمد صالح المطر، وعليه ختم (الحوزة العلمية بالأحساء) ، وتكمن أهمية هذا المجموع احتوائه على رسائل تعد النسخة الوحيدة لها داخل الأحساء وخارجها ، كذلك نسخ الشيخ محمد رحمه الله عدد من المخطوطات منها تحفة الشيخ عبدالمحسن اللويمي ومخطوط منار العارفين للعلامة الشيخ محمد بن الشيخ حسين آل ابي خمسين ومخطوط ديوان الدرر الفاخرة للشيخ عبدالله بن علي الوايل الأحسائي .
وتبرز أهمية هذا الجانب من نسخ المخطوطات في أن النسخ كان وسيلة أساسية لحفظ التدوينات العلمية وتداولها في البيئات العلمية قبل انتشار الطباعة ومن خلال هذه النسخ يمكن دراسة أنواع الكتب المتداولة في الأحساء ، والموضوعات التي اعتنى بها علماؤها، وطرائق الكتابة في المخطوطات المحلية.
وفاة الشيخ محمد بن علي البقشي في 15 رجب 1375هـ، بمدينة الهفوف ودُفن في مقبرة البغلي بطرف الخدود في الأحساء عن عمر ناهز 84 عاماً.
المصادر
مقال الأستاذ أحمد البقشي ( رسالة تعزية4 وتفاصيل حياتية ) في موقع المطيرفي
إفادة حفيده محمد حسين الشيخ محمد البقشي
إفادة الباحث الاستاذ سلمان الحجي
إفادة ابوزاهد العوض
مقال الشيخ محمد الحرز ( الحوزات العلمية في الأحساء ) في موقع الأحساء تراث
مقال الشيخ محمد الحرز ( نسخة القران الموقوفة على مسجد آل أبي خمسين ) في موقع جهات
مقال الشيخ محمد الحرز ( مكتبة الشيخ كاظم المطر الأحسائي للمخطوطات والنوادر ) في موقع المطيرفي
جديد الموقع
- 2026-10-24 إنجاز علمي سعودي يعزز حضور الصيدلة الوطنية عالميًا للعام الثالث على التوالي
- 2026-10-24 «جمعية بديع» توسّع آفاق عملها البيئي نحو إحياء المزارع المهملة بالأحساء
- 2026-10-24 *جمعية تعزيز الصحة تستقبل 100 طلب للاستفادة من مشروع إزالة المياه البيضاء مجانًا*
- 2026-10-24 برعاية وزير التعليم انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026
- 2026-10-24 *«حركية» تنفق أكثر من 5.5 مليون ريال لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة خلال الربع الثالث من 2026*
- 2026-10-24 المنافذ الجمركية" تسجل 996 حالة ضبط خلال أسبوع
- 2026-10-24 هل الإنسان كسول بطبيعته أم يتجنب الجهد غير المجدي نفعّا؟
- 2026-10-24 لماذا ننتظر المشكلة الأسرية حتى تكبر؟ نحو سياسة أسرية تستشرف التحولات وتبني القدرة على التكيف
- 2026-10-24 *هل الطلبيعة كتاب؟* *المقالة السابعة: الإنسان... من يقرأ الكتاب؟*
- 2026-10-24 السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).. حين تكون الزوجة سكينةً للقلب وراحةً للروح