2026/10/25 | 0 | 53
ومضات رائية (18)
تصدير: هي سلسلة من ومضات لا تتقيد بتجنيس الومضة ومحدداتها المتداولة في التنظير النقدي، بل تنطلق من إمكاناتها اللغوية، لتشمل محمولات الحرف في تنوعاتها المختلفة.
- قال لي حتى النقد الأدبي في تنظيره وفي تطبيقاته لا يخلو مما ينبغي أن يخلو منه، وقال هناك من يجر النار إلى قرصه.
- قلتُ كيف يجر النار إلى قرصه؟!
- قال ألمْ تقف على علة إزْب فينيقيا وهو يدعو إلى اللغة الشعرية التي لا تُفهم إلا بعد أجيال؟
- قلتُ هو يرفع دعوة مطروقة في التراث الشعري وكلنا نحفظ مقولة " وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ"
- قال لي إن ذلك الشاعر العباسي الذي أخذ على نفسه نحت القوافي من معادنها لم يصعر خده لجيل وجيل وأجيال، بل هو استثنى من يعترض على الطريقة والرونق في اللغة والأسلوب، ولم يعمم أو يدّعِ أن الناس كلهم في عصره بمثابة البقر الذين لا يفهمون شعره بخلاف صاحبك إزب فينيقيا.
- قلتُ ما هو بصاحبي وكيف يكون الرمز الذي صنعته أنت وأطلقت عليه اسم (إزْب فينيقيا) صاحبي ..! ولكن قل لي ما السبب الذي ألجأك إلى صناعة رمز تُحمِّله كل ما لا تستسيغه من آراء وشطحات في النقد والشعر وعموم الأدب؟
- قال إني أحب أن تكون المناقشة الأدبية مع الفكرة لا مع شخص مسمى بعينه؛ لئلا تنالني شبهة مقارعة إنسان في الخارج وثلبه وتجريحه، وأن تكون المناقشة افتراضية بأفكارها وشخوصها فراراً من الوقوع في وحل الاصطفاف والشللية.. وقال قد تحضر التسمية في خصوص مَنْ ينتقد ويستنقص مِنْ شعر شاعر أو أدب أديب فارق الحياة، وهو أمر راجح أدبيّاً مع نزوله منزلة الكراهة في قلوب الذين ينأون بأنفسهم عن الوقوع في دائرة الشخصانية.
- قلتُ ما الضير في ذلك؛ فحتى أعلام التراث اللامعين قد يحتدم النقاش بينهم وتحتد الألفاظ التعبيرية في الأخذ والرد، فترى مما وصل إلينا من مناقشاتهم أن أحدهم يرد على صاحبه ويعتبر رأيه الذي ذهب إليه " مما يُضحك الثكلى ..!" ويسمي خصمه العلمي باسمه الصريح حين يرد عليه، ولكنهما في حياتهما الاجتماعية يتزاوران ولا يحمل أحدهما ضغينة في قلبه تجاه خصمه العلمي الآخر، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية كما يقول أحمد شوقي.
- قال صدقت لكن الروح الرياضية التي يتمتع بها أولئك الأعلام الشامخون تعود إلى امتلائهم العلمي وإلى شغفهم في الوصول إلى الحقيقة.. أما (إزْب فينيقيا) - كما أصوره كرمز- أرى أن كل همه أن يجر النار إلى قرصه، وكل من هو على هذه الشاكلة يشخصن الرؤى التي تبني حاجزاً بين قرصه وبين النار..
- قلتُ يعني لهذا السبب لجأت إلى ابتكار شخصية (إزْب فينيقيا)
- قال إن الروح الرياضية التي يتمتع بها آباؤنا الأفذاذ أولئك الذين يريد (إزْب فينيقيا) أن يقتلهم بمقولته المملة (اقتل أباك) ويتجاوزهم - قد أدت بهم أعني خصلتهم الحميدة تلك وأريحيَّتهم -حين لا يجدون من يناوئ آراءهم ويحاصرها بالحجج والبراهين – إلى خلق وابتداع محاورات ومناظرات افتراضية يضع الواحد منهم آراءه على لسان شخصية ابتكرها ويصنع لها شخصية مضادة تجادلها وتشاكسها وتفند ما ذهبت إليه ..كل ذلك في سبيل شحذ الذاكرة وإيقاظ الهمة واختبار الرؤى من قبل الشخص نفسه مبدع المناظرة الافتراضية ،وقد يتبدل رأيه نتيجة المعركة الافتراضية التي اختلقها .
- قلتُ الآن فهمت لكن كيف جر (إزْب فينيقيا) النار إلى قرصه؟
- قال إنه ربط مقولة (قتل الأب ) والتجاوز باصطناع لغة لا تفهم إلا بعد أجيال مدعياً أن ذلك هو التحديث حصراً وما عداه اجترار ونمطية وانبتات عن مفهوم الشعرية لا لشيء إلا لأنه أدرك عجزه عن أن يكون في مصاف الشعراء الذين عاصروه وتفوقوا عليه في بناء مكانة عظيمة لهم بين الجماهير على اختلاف وتباين مستوياتهم كمتلقين، وفي الوقت نفسه كان نتاج هؤلاء الشعراء (الجماهيريين ) محل نظر وتداول محموم بين النقاد والدارسين والباحثين ..وما كان من إزْب فينيقيا – والحال هذه - إلا أن يجعل من أشطوحة اللغة الشعرية التي لا تفهم إلا بعد أجيال معولاً يهدم به مجد كل شاعر جمع بين الجماهيرية والنخبوية ليحظى بمجد سرابي ظنّاً منه أن إزاحة الآخر من المكان تقتضي حتمية أن يشغله هو بفرادته المتخيلة على طريقة " خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفري" ... وبهذه الحيلة التي لا تنطلي إلا على نفسه وعلى من هم على شاكلته في فقدان الموهبة التي لا يصح أن يطلق على صاحبها بأنه موهوب إلا إذا ترك شعره أثراً في قلوب الناس بعامتهم وبخاصتهم.
- قلتُ هههه ..!، إنك ذكرتني بصديق لي – ولا أسميه مجاراة لك في تحاشي الشخصنة – صديق متفينق جدّاً، لا تكاد ترى أثراً أو رمزاً أو مكاناً في شعره يدل المتلقي على كونه عربي اللحم والدم وأنه من هذه البلاد التي حاكت القوافي منذ زمن بعيد بأهداب النجوم ؛ فإنك تجد الشخصيات الأسطورية الفينيقية والإغريقية وما في وزانهما منتشرة في جسد نصوصه انتشار الحبيبات القبيحة في وجه مصاب بالجدري، وتجد حرصه على اصطناع جمل وتراكيب تحقق له باندفاع في عموم نصوص ديوانه اللغة التي لا تفهم إلا بعد أجيال ، وحين أقول له ما هذا الذي تكتب ؟! ، يرد علي بتغير مفهوم الشعر ويتهم كل قصيدة صار الناس العاديون يترنمون بها بالخطابية والتقريرية والنمطية الفجة حتى لو كان لها تناول فائق في حلقات الدرس النقدي على مستوى التداول والبحث والمناقشات ،وحتى لو كانت عابرة القارات في صيتها وكانت متربعة على عرش عالميتها يتناولها الدارسون في صروحهم الجامعية في مختلف أقطار العالم ويعطونها ما تستحق من الاهتمام والبحث والتحليل ضمن حلقات الأدب المقارن .
- قال أرأيت كيف يُسقط صاحبك كل قصيدة لا تُطبِّق أشطوحة اللغة التي لا تفهم إلا بعد أجيال من القاموس الشعري، وقد يسمي شعراءها ولا يبالي في مهاجمتهم بأسمائهم الصريحة أليس كذلك ..؟
- قلتُ بلى فهذا هو ديدنه مثلما هو ديدن رمزك المبتكر (إزب فينيقيا).
- قال لا تعره أي اهتمام، ولتكن الفكرة هي همك الأساس، وعليك أن تتعالى عن التلبس بتهمة الشخصنة حتى لو وصلك من نبالها ما وصل، وقال إن النصوص التي تجمع بين الجماهيرية والنخبوية هي النصوص الباقية التي تتصف بسمات الخلود، وقال وما نطْحُ إزْب فينيقيا لها ولشعرائها إلا كمصير وعلٍ ينطح بقرنيه صخور الجبال.
- قلتُ هو ما تفضلتَ به بالضبط؛ فكم نطحَ صاحبي المتنبي، وكم نطحَ غيره وغيره..، وهو- أعني صاحبي – لا قرنَ له ناهيك عن قرنين هههه..!، وحقّاً أقول إن النار التي تُجر إلى أقراص أصحابها ستلتهم أقراصهم وتلتهمهم أيضاً، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس.
- قال هذه هي طبيعة الأشياء، وقال إن إيكاريوس يتضاءل أمام ابن فرناس وإن ناسك يستظلون بجناحي ابن فرناسك لتتلذذ أنت ويتلذذ ناسك بالقصيدة الجماهيرية النخبوية ويبقى المجد حليف شعرائها الخالدين الأفذاذ.
- قلتُ الآن صار الأمر واضحاً جليّاً أمامي ، وكم صرتُ أقدِّرُ ما ترمي إليه من جعلِ ما استجدَّ من الشعر يحمل نكهته العربية الأصيلة المتجسدة في لغته التي تُكرِمُ متلقي نصوصها فلا تتردد في إمتاعه مهما كان مستواه الثقافي ..إنها تجعله يشعر بالنشوة وبلذة الاستماع ولذة القراءة ، كما تلفت إلماعاتها مَنْ كان سقفه عالياً وتغريه بإعادة القراءة لينتقل من استمتاع السماع إلى ( إمتاع العقل والنفس ومؤانستهما) في اصطياد الشذرات وفي لمح الدلالات السياقية وتلقي إيحاءاتها لتتحقق ماهية النص الشعري الجامعة بين (جماهيرتها ونخبويتها ) -على حد تعبيرك - فيصير النص في منجز إمتاعيه كمثل ما يجسده بيت العباس بن الأحنف القائل :
"يَزيدُكَ وَجهُها حُسناً إِذا ما زِدتَهُ نَظَرا "
- قال أحسنت في استدعائك بيت العباس بن الأحنف الذي يجسد ما نصبو إليه من الحفاظ على أصالة النص الشعري بمذاقه العربي الجذاب ؛ فحسن وجه المحبوبة بادٍ لكل ذي عينين ،كالقصيدة بنكهتها العربية التي تَظهر بحسنها الأولي فتؤثر في المتلقين كلهم ، وهي تكرم من يعاود النظر فيها من ذوي الاختصاص فتزيده حسناً وحسناً ..، وقال صدقني إنك لو انكشف لك ما في نفس من يرفع شعار ( اللغة التي لا تفهم إلا بعد أجيال ) لوجدت أنه يتحرق من الداخل ويتمنى كل التمني أن ينتج نصّاً شعريّاً يحوز على فتات صيت شعرائنا المطبوعين على السباحة في فضاءات الألق والجمال ..لكن عجزه ومأزقه وضعف موهبته كلها أمور ألجأته إلى ابتكار حيلة ( اللغة التي لا تفهم إلا بعد أجيال ) كتغطية لفشله ولما هو فيه من فقدان القدرة على جعل نصه جماهيرّاً نخبويّاً يطرب العامة والخاصة ويحلق بكل ثقة في سماوات الخلود.
- قلتُ وما الفائدة من هذه الحيلة التي لا تغني ولا تسمن من جوع ولا تحقق أي مجد من شأنه منح البقاء والخلود لصاحبها؟!
- قال هناك كتاب جميل عنوانه (الإنسان ليس عقلاً)، ولهذا فهو يلجأ إلى نوازعه النفسية ويُنشِّط حركة النزعة التبريرية بدلاً من الاهتداء بقول القائل:
" إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ "
- قلتُ فعلاً فلو اهتدى بقوله لأراح واستراح.
- قال فعلاً، وقال والآن أطفئ المصباح فقد ظهر صدق الصباح.
- قلتُ سمعاً وطاعةً، وإنك الآن ذكَّرتني في شأن إطفاء المصباح بحوارية منسوب إجراؤها مع نموذج من النماذج العليا وقد طَلبَ من محاوره بإطفاء المصباح في نهاية الحوار.
- قال إن أمري متعلق بشيء موجود في الخارج وهو ذلك المصباح الذي ينير مجلسنا، ومن الطبيعي أن أطلب منك إطفاءه بعد بزوغ النور.. وقال حسناً فعلتَ حين نعت الحوار بالـ (منسوب) إجراؤه مع نموذج من النماذج العليا.
- قلتُ كأنك غير واثق بصحة النسبة.
- قال إن اللغة والأسلوب يماثلان طريقة من يطلقون على أنفسهم لقب (أهل الأذواق) وهما بعيدان كل البعد عن لغة وأسلوب العَلَم الذي نسب إليه ما صدر في الحوار؛ فهو من أمراء البيان النثري العربي وما قُطِعَ بصحة نسبته إليه من نثر راقٍ بليغ يختلف كل الاختلاف عن ذلك الفتات الإشاري الوارد في الحوار، ولا مقارنة بينه وبين النثر الفني الراقي المقطوع بصدوره عن نموذج متفرد من نماذجنا العليا.. وقال وحتى الشعر المنسوب إليه هو ليس بشيء إذا قورن مع بلاغة نثره الثابت ومع سحر بيانه الأخاذ، فكيف يكون قوله النثري راقياً – كما وضح لي أستاذي وشيخي عندما كنت يافعاً واشتريت نسخة من الديوان المنسوب- ثم ينزل القول نزولاً حاداً من حيث اللغة والبلاغة ومفارقة الأسلوب بمجرد إضافة الوزن إليه؟!
قلتُ صدقتَ وصدق شيخك وأستاذك؛ فالشعر المنسوب إليه لا يرقى إلى مستوى أضعف شاعر من معاصريه، وإن غير واحد من كبار الشعراء يوصون في سيرهم الشعرية بقراءة نثره الراقي لتكتسب النصوص الشعرية منها قوتها وبلاغتها ورونقها وصفاء أسلوبها، وعليه فلا يعقل أن الشعر المنسوب إليه قد صدر منه وهو هو فيما وصلنا عنه من نثر راقٍ وبيان ساحر.
- قال ولا حتى ما ورد في الحوارية، فشتان ما بينه وبين عظيم نثره وعذوبة بيانه.
- قلتُ فعلاً، فشتان ما بينه وبين عظيم نثره وعذوبة بيانه، وقلتُ قد أطفأتُ المصباح فقد ظهر صدق الصباح.
جديد الموقع
- 2026-10-25 جمعية بيان الهدى تستقطب طيفاً واسعاً من المجتمع في برنامج (الذكاء الاصطناعي)
- 2026-10-25 قراءتي في رواية (العاري)- حسين العلي
- 2026-10-25 قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
- 2026-10-25 الشيخ طنف الدعجاني يحتفل بزواج ابنه سلطان
- 2026-10-25 ديربي في الأحساء ومواجهات قوية بالجولة التاسعة من دوري الأولى
- 2026-10-25 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يزوران المصاب جراء العدوان الغاشم الذي استهدف مطار الملك فهد الدولي
- 2026-10-25 «بصمات» تستعد لإطلاق برنامج دعم التعلم لأكثر من 100 يتيم ويتيمة بالأحساء
- 2026-10-25 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد
- 2026-10-25 تجمع الأحساء الصحي ينجح في استئصال ورم سرطاني مع الحفاظ على الثدي لمستفيدة حامل في الشهر الثامن
- 2026-10-25 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد