2026/10/25 | 0 | 82
ﺣﯿﻦ ﺗﺘﻨﻔﺲ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ
قراءة في الأفكار والروائح والبحر في رواية العدامة
رواية العدامة
( الجزء الأول من ثلاثية أطياف الأزقة المهجورة)
تركي الحمد
عدد صفحات الرواية ٣٠٢ صفحة
الطبعة الرابعة ٢٠٣
دار الساقي
حين أتابع الحوارات بين شخصيات رواية «العدامة» لتركي الحمد، عن البعث والناصرية والقومية العربية والاشتراكية، وعن رموز هذه الأفكار وأحزابها وتنظيماتها السرية، أجدني أستعيد أصواتًا من زمن آخر عشته. تدور أحداث الرواية في بيئة سبقت جيلنا، في حي العدامة بالدمام، شرقي المملكة العربية السعودية، لكن شيئًا في تلك الحوارات يبدو مألوفًا؛ ذلك الحماس لتغيير العالم، والثقة بامتلاك الحقيقة، والاستعداد لتصنيف الناس بحسب قربهم من الفكرة أو ابتعادهم عنها.
نحن الجيل الذي تشكّل جانب من وعيه في زمن الصحوة الإسلامية، بتعدد مسمياتها وتفرعاتها. وحين أقرأ حوارات الجيل السابق، أسمع أصداء حوارات عرفناها، وإن اختلفت المصطلحات والمرجعيات. فقد عادت، لدى تيارات من الصحوة، لغة اليقين والإقصاء، وبرزت في اتجاهاتها الراديكالية نزعة إلى فرض التغيير بالقوة، مستندة إلى أفكار ومشروعات تنظيمية وافدة، كثيرًا ما قرأت المجتمع المحلي من خلال تصورات جاهزة، قبل أن تنصت إلى تجربته وحاجاته.
وأرى أن من أبرز وجوه الشبه بين التجربتين حرص التنظيمات على استقطاب الشباب، ولا سيما من لم يبلغوا العشرين؛ حيث تتسع الأسئلة، ويشتد الحماس، وتلحّ الرغبة في إثبات الذات والانتماء إلى قضية كبرى، بينما تكون الخبرة بالحياة والناس في طور التشكل. تستثمر التنظيمات هذه الطاقة، وتربط أحيانًا بين الشجاعة والطاعة، وبين صدق الإيمان بالفكرة والاستعداد لتنفيذ أوامرها. وفي تجربة هشام نرى كيف يستطيع اتهام الشاب بالجبن أن يدفعه إلى قرار كان مترددًا في اتخاذه، وكيف يمكن للصداقة والإعجاب والخوف من فقد المكانة أن تصبح مداخل للتجنيد.
وهذا ما يدفعني إلى تأمل الصلة بين تلك المراحل: كيف تتغير الرايات، وتبقى بعض طرائق التفكير والعمل؟ وكيف تتحول الرغبة في الإصلاح إلى وصاية على المجتمع، ويصبح الولاء للتنظيم معيارًا للحكم على الناس والأوطان؟
في تقديري، أخفقت تلك المشروعات بقدر ما انشغلت بمنازعة الدولة وتغيير المجتمع وفق مثالها الخاص، وأهملت إمكان المشاركة في بنائه، والعمل مع مؤسساته، ودعم مسار تنميته ونهوضه. تراجعت مشروعات كثيرة، وانحسرت شعارات كانت تبدو لأصحابها وعدًا حتميًا بالمستقبل، فيما بقي الوطن، وبقيت الدولة ومؤسساتها تتحمل مسؤولية الاستمرار والتنمية، وسط العواصف والتحولات.
ومن هذه الزاوية أقرأ «العدامة»: أتابع الأفكار وهي تدخل البيوت، وتعبر الشوارع، وتعيد تشكيل الصداقات وعلاقة الأبناء بآبائهم ومدينتهم. وأتساءل: كم كان أصحاب تلك الأفكار يعرفون الناس الذين أرادوا تغيير حياتهم؟ وكم أصغوا إلى إيقاع المدينة، وأصوات سكانها، وروائح أسواقها وبيوتها، قبل أن يتحدثوا باسمها؟
تأخذنا الرواية إلى فكر تلك المرحلة وحياة أهلها؛ فلنمضِ معها، نستمع إلى أصوات شخصياتها، ونتأمل المسافة بين ما حلمت به، وما فعلته، وما تركته في الإنسان والمكان.
تبدأ معرفتنا بالمدينة في «العدامة» من حركة الإنسان داخلها. هشام يعرف بيته ومدرسته وأصدقاءه، ويظن أنه يعرف الدمام. لكنه حين يسير مع راشد نحو المنطقة الساحلية، مرورًا بشارع الحب وشارع الإمارة وحي الدواسر، يدخل أزقة وبيوتًا لم يعرفها عن قرب. تظهر أمامه بيوت حجارة البحر، متلاصقةً، وتصل إليه روائح القلي والسمك المطبوخ والنيء. عندها يتبين له أن مدينته «ليست مدينة واحدة»؛ وهي عبارة تفتح بابًا واسعًا لقراءة الرواية. فالمدينة تتعدد بتعدد طرائق السكن والعمل والعلاقات والذاكرة. وقد يعيش الإنسان عمره في مدينة، ثم تكشف له زيارة بيت حدود معرفته بها.
داخل بيت راشد، تتجمع بقايا روائح الطعام والبخور الرخيص والبحر والرطوبة، وتدور مروحة تزيد انتشار هواء المكان دون أن تمنح هشام الراحة التي ينتظرها. يستدعي هذا البيت في ذهنه صورة بيت أسرته: الحديقة الصغيرة، والمداخل، والصالة والغرف. ومع ذلك، يذكر النص أن الأسرتين من متوسطي الحال. لذلك يصعب اختزال المقارنة في تفاوت الدخل؛ إنها تكشف أيضًا اختلاف النسيج العمراني، ومواد البناء، وتوزيع الفراغات، والعادات التي تراكمت داخل المنزل.
وهنا تتصل معرفة المكان بمعرفة الناس. يتساءل هشام عن مذهب راشد، وكأنه يريد أن يحوّل شكل البيت وموقعه إلى مفتاح لتحديد هوية صاحبه. تتعثر معرفته عند هذه النقطة: يستطيع أن يقرأ الكتب المعقدة، لكنه لا يزال يتعلم كيف يقرأ إنسانًا قريبًا منه. وتصبح الزيارة فرصة لاكتشاف الصور الجاهزة التي يحملها هو أيضًا، رغم ثقته بأنه تجاوزها.
في هذا الجو الحسي نفسه، يتلقى هشام شرحًا للبعث الجديد، ويجد ما يغريه في الجمع بين القومية والماركسية. وحين يقبل الانضمام إلى الحزب، يضيف دخان سيجارة راشد طبقة أخرى إلى روائح السمك والبخور والرطوبة. تتجاور لحظة الاقتناع مع بداية التعليمات: مسؤول جديد، وخلية، واسم حركي. يمكن أن نقرأ هذا التجاور بوصفه بداية دخول الفكرة إلى تفاصيل الحياة؛ إذ صار لها موعد ومكان وقواعد تحدد سلوكه وعلاقاته.
ومع انتقاله إلى بيت فهد، في أحد الأزقة المتفرعة من شارع الحب، تتكثف هذه التجربة. رطوبة أفسدت الجدران، وعفونة ودخان سجائر، وأثاث مهترئ، يقابلها خطاب واسع عن الأمة والطبقة العاملة والتحرر والمستقبل. تبدو المسافة كبيرة بين اتساع الوعود وضيق الغرفة التي تُقال فيها. ومع تضييق مجال السؤال والاعتراض، يكتسب الاختناق المكاني دلالة إضافية في القراءة: يشعر هشام بثقل الهواء، ثم يتعلم تدريجيًا ثقل الطاعة.
لكن هذه الدلالة لا تجعل الرائحة حكمًا على العقيدة أو سكان المكان. فالسمك المقلي يملأ بيت هشام أيضًا، ضمن غداء الخميس المعتاد. هناك يرتبط بعمل الأم وموعد الأب وإيقاع الأسرة، حتى حين يكون هشام شاردًا ومشغولًا عن الطعام. تتغير علاقة الإنسان بالرائحة بحسب ما يحيط بها من ألفة وقلق وذكريات، وبحسب ظروف المكان نفسه. ومن هنا تنبهنا الرواية إلى ضرورة الحذر من تحويل وصف الروائح إلى تصنيف اجتماعي لأصحابها.
ويكشف البخور والعود تعقيدًا مشابهًا. فإبراهيم الشديخي يحضر إلى جلسة الأصدقاء برائحة البخور الجيد ودهن العود، بينما تكشف الحوارات موقفه من الدين وتعلقه بعبد الناصر. ويحمل الجد، في القصيم، مزيجًا من البخور ودهن العود ودخان الحطب. تعبر الرائحة الواحدة مواقف وأجيالًا مختلفة، وتحفظ شيئًا من العادات المشتركة التي لا تلغيها الخصومات الفكرية. يبقى الجسد ابن بيئته، حتى حين يعلن العقل انتماءه إلى مشروع يريد إعادة تشكيلها.
وتظهر آثار التنظيم بوضوح في علاقة هشام بعدنان. بدأت صداقتهما في الطفولة، وامتدت إليها صداقة الأبوين ورحلة البحث عن الرزق في الدمام. لكن التنظيم يضع بينهما أسرارًا ومراتب وتقارير. ويكشف السرد أن هشام، المؤمن بالمساواة، يريد الاحتفاظ بمكانة أعلى من صديقه؛ فيرشحه للاتحاد دون الحزب، ويبرر ذلك فكريًا، بينما تخفي نفسه رغبة في استمرار تبعيته له. تدخل السلطة إلى الصداقة من الباب الذي دخلت منه الفكرة.
وفي مرسم عدنان تتجسد كلفة هذا الاضطراب. يتخذ من بيت الدرج مكانًا للرسم، ويحوّل ضيقه بالزخرفة واللوحات إلى مساحة تخصه. تختلط روائح الألوان الزيتية بالعفونة القادمة من البلاعة وآثار القلي، وينضح جسده بالعرق وهو مستغرق في عمله. نستطيع أن نقرأ المرسم بوصفه محاولة لحماية مساحة داخلية من الضغوط المحيطة به. وتكتسب لوحته «الحرية» معنى مؤلمًا حين نضعها إلى جوار علاقاته التي تتنازعها المحبة والتبعية والخوف.
أما الأزقة والشوارع، فتتغير وظيفتها مع تغير هذه العلاقات. الطريق الذي يجمع الأصدقاء يصبح طريقًا لتعقب بعضهم، والموعد العادي يكتسب معنى سريًا، والوجه المألوف يثير سؤالًا عن الدور الذي يخفيه. تبقى المدينة في أماكنها، لكن خريطة هشام النفسية يعاد رسمها: أين يمكن الكلام؟ ومن يجوز الوثوق به؟ ومن يراقب؟
وعند البحر تتاح له تجربة مختلفة، خصوصًا في جلساته مع مرزوق وزكي. يجلس الثلاثة على الساحل، ويتحدثون خارج ترتيب الخلية ولغتها الرسمية. هناك تتكشف خلفياتهم الشخصية: يحمل مرزوق أثر معاناة أبيه في العمل، ويستعيد زكي حياة أبيه الفلاح الذي يذهب أفضل محصوله إلى السيد. تصبح العدالة مرتبطة بوجه أب وتعب يوم ومحصول أرض. وتخرج الأفكار من المصطلحات إلى أسبابها الإنسانية.
تساعد هذه الجلسات على نشوء صداقة تتجاوز المعرفة التنظيمية. يتعرفون إلى الأسماء والسير والدوافع، ويكتشف هشام أشخاصًا أكثر رقة وتعقيدًا مما تظهره أدوارهم داخل الاجتماعات. يمتد هذا التقارب بين الدمام والخبر، عبر الساحل ومقاهي شارع الحب وأزقة شارع الأمير خالد. وفي هذه الحركة تتشكل معرفة بالمدن من خلال الصحبة، وما تتيحه من كلام واعتراف. (ص ٢٠١، ٢١٩)
ولا تقدم الرواية البحر في صورة نقية؛ فرائحته تختلط بمخلفات الناس وبقاياهم. ومع ذلك، يظل مكانًا مرغوبًا للجلوس. وتبلغ المفارقة قوتها حين يبوح هشام بضِيقه من التنظيم، ثم يملأ رئتيه بالهواء الرطب الملوث، ويجده لذيذًا. لم يتغير الهواء في تلك اللحظة؛ الذي تغير هو ما يعتمل في صدره. تمنح المصارحة الرائحة معنى جديدًا، ويظهر أثر العلاقة الإنسانية في إدراك المكان.
غير أن الراحة لا تستقر تمامًا. فبعد البوح يعود إليه القلق مما قاله، ويتساءل عن مقدار الثقة الممكنة في صاحبيه. وهكذا لا يمحو اتساع البحر ما تعلمه من الخوف. يستطيع المكان أن يتيح الكلام، لكن استعادة الأمان تحتاج إلى علاقة تنمو وتجربة تثبت صدقها.
وفي علاقة نورة، تتخذ الرائحة طريقًا آخر. يرفع هشام رسالتها إلى أنفه، ويشعر كأنه يشمها. تستحضر الرائحة المتخيلة صاحبتها، وتعيد تشكيل الطريق إلى بيتها: الجدار عائق، والباب المفتوح وعد، والزقاق مجال للانتظار والمخاطرة. تحضر نورة في المكان حتى وهي غائبة عنه، مثلما تحضر مخاوف التنظيم قبل ظهور أحد رجاله. لكن الحضورين يدفعانه في اتجاهين مختلفين، ويتداخل فيهما الخوف والرغبة.
وتتسع هذه الذاكرة خارج الدمام. في بيت الجد بالقصيم يستعيد هشام روائح البخور والعود والحطب، وفي ذاكرة عمته يحضر المشموم والطفولة والأمان. ثم يستبق السرد الزمن إلى لحظة يتمنى فيها أن يشم رائحة جده للمرة الأخيرة. عندئذ تصبح الرائحة شكلًا من أشكال بقاء الأشخاص، وعلامة على ما لا يمكن تعويضه بالفكر أو استرجاعه بالشرح.
وحين يغادر الدمام، تمنح الرطوبة رائحة زحام المحطة خصوصيتها. يودع أباه وأصدقاءه، ويحمل معه مدينة تشكلت في جسده بقدر ما تشكلت في أفكاره.
لهذا أجد أن «العدامة» تتيح قراءة لتحولات الإنسان عبر الأمكنة التي يسكنها، والوجوه التي يصاحبها، والهواء الذي يتنفسه. تختبر الرواية قدرة الأفكار على فهم الناس، وتكشف ما يحدث حين تستبدل معرفتهم بتصنيفهم، وحين تتحول الرغبة في تحريرهم إلى أوامر تضيق بها حياتهم.
وتبقى جلسات الساحل من أكثر مشاهدها قدرة على إظهار إمكان آخر للعلاقة: أن يجلس الناس معًا، ويكشف كل منهم سبب ألمه، ويمنح صاحبه فرصة أن يُسمع باسمه وتجربته. هناك، بين رطوبة البحر وبقايا المدينة، يبدأ هشام في مراجعة ما عرفه عن النضال والعدالة والصداقة. ويصبح السؤال الذي ترافقني به الرواية: كيف يمكن لفكرة تريد تغيير حياة الناس أن تنصفهم، إذا لم تتعلم أولًا الإصغاء إليهم، ومعرفة البيوت والشوارع التي صنعت حياتهم؟
إبراهيم علي الطويل
باحث وكاتب مهتم بسرديات المدن وأدب الحواس ويعمل على مشاريع بحثية توثق الذاكرة الشمية وتاريخ الأمكنة، وله اشتغالات في الكتابة السردية والنقدية
جديد الموقع
- 2026-10-25 الصيدلي عبد الله علي الحمود… حين يرحل الإنسان وتبقى سيرته العطرة
- 2026-10-25 كيف توفر الحماية لطفلك ضد هذا الفيروس الخطير ؟
- 2026-10-25 من هالمرض ياحيدر ما شوف سلامة
- 2026-10-25 " حين يصبح الأثر حياة سيرة الشيخ محمد البقشي "
- 2026-10-24 إنجاز علمي سعودي يعزز حضور الصيدلة الوطنية عالميًا للعام الثالث على التوالي
- 2026-10-24 «جمعية بديع» توسّع آفاق عملها البيئي نحو إحياء المزارع المهملة بالأحساء
- 2026-10-24 *جمعية تعزيز الصحة تستقبل 100 طلب للاستفادة من مشروع إزالة المياه البيضاء مجانًا*
- 2026-10-24 برعاية وزير التعليم انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026
- 2026-10-24 *«حركية» تنفق أكثر من 5.5 مليون ريال لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة خلال الربع الثالث من 2026*
- 2026-10-24 المنافذ الجمركية" تسجل 996 حالة ضبط خلال أسبوع