أقلام وكتابات
2013/11/22 | 0 | 3399
وقفات مع مقال (السيد منير وتنقية التراث)1
( علي القروص
)
وقفت على مقال للأخ الاستاذ عباس الموسى حفظه الله ورعاه ذكر فيه جملة من التعليقات حول ما أفاضه سماحة آية الله السيد منير الخباز في محرّم الحرام حول المراحل التي مرّ بها التراث الإمامي من تحقيق وتدقيق وتنقية.
وقد لاحظت وجود عدّة ثغرات في هذا المقال وجب التنبيه عليها لكي لا يلتبس الأمر على القارىء الكريم:
الوقفة الأولى: قال الأستاذ (وقبل المناقشة أشير إلى ملاحظات عامة وهي:
1. أن المنبر الحسيني ينبغي أن يكون للحسين فقط، فيما يخدم الحسين ويعرّف
بثورته ومبادئه.
2. أن لا يُشغل المنبر بأبحاث خلافية شيعية شيعية ناتجة من تصفية حسابات
شخصية أو حتى علمية.
3. إن الأبحاث العلمية ينبغي أن تكتب في مقالات أو تكتب في كتب وتنشر لا أن
تكون على المنبر الحسيني والذي يحضره كثير من الناس الذين ليس لهم دخل في مثل هذه
الأمور)
تمنّيت أن يكون الأستاذ أكثر حيادا في طرحه وفي توجيه نصائحه, فالسيد حفظه
الله إنّما انبرى لبيان هذه الحقائق عندما رأى من برز على الساحة ليشكك النّاس في
مصداقية التراث الروائي: فمنهم من اتهم علماءنا بالتحريف والتزوير في بعض الزيارات
والروايات, ومنهم من جعل الكثير من تراثنا الروائي مأخوذا من الإسرائيليات
والنصرانيات والمجوسيات ومنهم من جعل كتبنا الحديثية وليدة مؤامرة كبرى على مدرسة
أهل البيت عليهم السلام القائمة تطول...
وكل هؤلاء طرحوا هذه الأفكار على الملأ لعامّة الناس فبعضهم اتخذ من الفضائيات
التي يشاهدها الكل منبرا له والآخر اتخذ من خطبة الجمعة منطلقا لإلصاق كل تهمة
بتراثنا الروائي ولم نسمع صوتا للأستاذ المكرّم أو ملاحظات كالتي وجّهها لسماحة
السيد منير الخباز حفظه الله!
فأين الإنصاف والحياد؟
الوقفة الثانية: انتقد فيها الأستاذ ما ذكره سماحة السيد من قيام الأئمة عليهم
السلام بفضح الكذابين والوضاعين من أصحاب الأئمة عليهم السلام:
قال الأستاذ: (هل أدى هذا الفضح إلى ترك كل مرويات هؤلاء خصوصاً أن هؤلاء
كانوا يدسّون في روايات الإمام الباقر بين أصحابه كما روي عن الإمام الصادق عن هشام
بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي،
ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي
فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثم يدفعها
إلى أصحابه. فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو
فذاك مما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم .
فهل الإمام الصادق أخذ كل كتب أصحابه المنتشرة بين الشيعة ونقحها مما وضعه
أصحاب المغيرة في كتب أصحابه أو أن الإمام لم يتمكن من ذلك فقد انتشرت الروايات في
الوسط الشيعي وخرجت عن السيطرة؟! مع العلم أن بعض العلماء كانوا يقولون إن تلاميذ
الإمام الصادق يفوقون الأربعة ألآف)
كلام الأستاذ فيه انتقاص كبير للأئمة عليهم السلام من عدّة وجوه:
1. هل الأئمة عليهم السلام اكتفوا بالنص على وجود الكذابين والوضاعين دون
بيان مروياتهم وموضوعاتهم؟
2. الأئمة نصّوا على الروايات التي دسّها المغيرة في كتب الاصحاب وهي
روايات الغلو كما ذكرت الرواية التي استشهد بها الاستاذ الموسى وبالتالي فإنهم
ضيّقوا دائرة البحث.
3. لماذا يستبعد الأخ الأستاذ تنقيح الإمام لكل الكتب التي كانت منتشرة في
زمانه؟ هل لعجز من الإمام عليه السلام أو لوجود المانع؟ إن كان لعجز منه عليه
السلام فليصرّح بذلك وان كان لوجود المانع فليبين لنا ماهو؟
علما أنّ الشهيد الصدر قد ذكر في بحوثه أنّه لابد للمعصوم من الوقوف في وجه
كلّ ظاهرة تحصل في زمانه يخشى منها على التشريع, قال رحمه الله: أنْ تكون دلالة
عقليّة بملاك استحالة نقض الغرض وتخلَّف المعصوم عن أداء رسالته من تبليغ الشريعة
وبيان أحكامها وحلالها وحرامها ، فانَّه بحكم كونه حجّة على العباد في تبليغ
الشريعة مسؤول عن توضيح ما يخالفها من أوضاع الناس وإلا كان مخالفاً لمسئوليّته بما
هو مكلَّف -بالفتح- وناقضاً لغرضه بما هو مكلِّف -بالكسر- وكلاهما مستحيل. (بحوث في
علم الأصول 4/253)
4. لا دليل عندنا على وجود ظاهرة الوضع في أحاديث الأئمة عليهم السلام إلا
بالمقدار الذي صرّح به الأئمة عليهم السلام أنفسهم, وهذا المقدار يكفي في تلافيه
وتدارك خطره بيانهم لطريقة دخول المكذوبات ولا حاجة لأكثر من ذلك, إذ أنّ وجود
الوضع في غير هذه الدائرة مجرد احتمال لا يسنده دليل, فلا عبرة به لكونه منفيا
بالأصل.
قال الأستاذ: (هل أن الأئمة فضحوا كل الكذابين عليهم ،الأئمة لم يصرحوا بأسماء
كل الكذابين فكيف يتحاشى مروياتهم ويأمن كذبهم ودسهم؟ نذكر من ذلك ما روي عن أبي
عبد الله عليه السلام، قال: كان للحسن عليه السلام كذاب يكذب عليه ولم يسمه، وكان
للحسين عليه السلام كذاب يكذب عليه ولم يسمه، وكان المختار يكذب على علي بن الحسين،
وكان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي .والخلاصة: أن الأئمة لم يستطيعوا كشف وفضح كل
الكذابين لأسباب وأخرى وكلامنا هنا مختصراً وبيان ذلك يحتاج مقاماً أكثر سنفرده في
غير هذا المحل إن شاء الله)
حاول الأستاذ عباس إيهام القارىء بأنّه هناك من الكذابين الذين سكت عنهم
الأئمّة عليهم السلام ولم يبيّنوا حقيقتهم للنّاس.
طبعا لم يفصّل الأخ في الموضوع ووعدنا بأن يفرد له بحثا خاصّا, وعليه فإنّنا
سنجتنب الجواب حول هذه النقطة إلى حين كتابته لما وعدنا به.
أما بخصوص المثال الذي جاء به فنقول:
1. عدم تسمية الإمام عليه السلام للكذابين في هذه الرواية لا يعني السكوت
عنهم مطلقا بل ربّما يكون تعرّض لهم في موارد أخرى وشتّان بين الأمرين.
2. هذه الرواية التي استدل بها الأستاذ المكرم قد وردت رواية أخرى تفسرها
مثل ما أخرجه الكشّي بسند معتبر: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنّا أهل بيت
صادقون، لا نخلو من كذاب يكذب علينا ، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول
الله صلى الله عليه وآله أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه, وكان أمير
المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان
الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد الله بن سبا لعنه
الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي عليه السلام قد ابتلي بالمختار. ثم ذكر أبو
عبد الله : الحارث الشامي وبنان ، فقال ، كانا يكذبان على علي ابن الحسين عليهما
السلام, ثم ذكر المغيرة بن سعيد، وبزيعا، والسري، وأبا الخطاب، ومعمرا، وبشارا
الأشعري ، وحمزة الزبيدي ، وصائد النهدي ، فقال : لعنهم الله إنّا لا نخلو من كذاب
يكذب علينا أو عاجز الرأي ، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد.
وعليه, فما ذكره الأستاذ من نقد على ما أفاض به سماحة السيد الخباز حفظه الله
غير وارد بل هو مجرّد تخمين لا أكثر.
الوقفة الثالثة ما ذكره الأخ عباس الموسى عند تعليقه على رواية يونس بن عبد
الرحمن التي نقلها سماحة السيد: (أن يونس التقى ببعض أصحاب الإمامين الباقرين
(وافيت العراق، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، ووجدت أصحاب أبي عبد
الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم) ولم يلتق بالجميع ولم يأخذ كل
الروايات ليتم عرضها كلها على الإمام الرضا (ع)، ولو التقى بهم جميعاً لكفى الكليني
في ذلك عناء العشرين سنة)
وتعليقنا على ما أورد:
1. إنّ سماحة السيد حفظه الله ذكر رواية يونس من باب المثال فقط ولم يكن
غرضه حصر عملية التنقيح التي قام بها أصحاب الأئمة عليهم السلام في شخصه, فجهود
يونس هي عامل من عوال التنقية وحلقة من حلقات الجهود المتواصلة وليس هو المظهر
الوحيد لهذه العملية لكي يقال أنه جهد غير كاف لتدارك خطر الموضوعات.
2. إنّ يونس بن عبد الرحمن وإن لم يلتق بجميع أصحاب أبي جعفر عليه السلام
إلّا أنّه التقى بأغلب أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام وقد عبرت الرواية
(وجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين), وعليه فما فاته من أصحاب الباقر
عليه السلام قد تداركه بلقائهم بأصحاب الصادق عليه السلام.
3. ان الأستاذ يفكر بعقلية أهل السنة والجماعة حيث أنه اذا ادعى أنّه قام
بجهد تنقيحي فإنّ على البقية السكوت وتصديقه في دعواه كما هو الحال مع البخاري
ومسلم وسلسلة الألباني, فبما أنّ يونس قام بحركة تنقيحية في التراث فإنّ على الشيخ
الكليني والشيخ الصدوق الإعراض عن تصنيف كتبهم وغلق باب الإجتهاد ومتابعة يونس في
كل شيء.
قال الأستاذ المكرّم (إن أصحاب أبي الخطاب الممتدين إلى زمن الرضا -والذين
كانوا في زمن الإمام الصادق- كانوا يضعون الأحاديث إلى زمن الإمام الرضا كما يقول
يونس (وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي
عبد الله عليه السلام). فهؤلاء مستمرون في الكذب والوضع)
وكذلك الأئمة عليهم السلام وأصحابهم رضوان الله عليهم استمروا في محاربة هذه
الحركة وكشف أقطابها وبيان أكاذيبهم وتدليساتهم, وممّا يدلّل على هذا أنّ حركة عرض
الكتب والأحاديث على الأئمة عليهم السلام استمرت إلى عهد الإمام الحسن العسكري كما
سنذكر لاحقا....
قال الأستاذ: (إن يونس بيّن سبب إنكاره بعض الروايات سواء قبل أو بعد العرض
والسبب يعتبر ضابطة رئيسية وهو العرض على القرآن فما وافق كتاب الله أخذ به وما
عارضها ضرب به عرض الحائط، فهل يقبل بهذا الميزان أو لا؟ )
لا أدري كيف يتصدى الأستاذ لنقد ما أفاض به السيد منير الخباز حفظه الله دون
الإطلاع على مباني سماحته!
فسماحة السيد قد تعرّض إلا رأيه في قاعدة العرض في دروسه الأصولية ضمن بحث
تعارض الأدلّة, وبيّن أنّ هذه القاعدة لها موردين:
الأول: تحقيق أصل المقتضي بمعنى أنّها مقوّم من مقوّمات الحجية وذلك من خلال
ما استظهره من صحيحة أيوب بن الحر الواردة في الكافي 1/69 عن الصادق عليه السلام:
كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف...؛ حيث
أنّ المراد بعدم الموافقة المخالفة والمباينة وليس عدم وجود المضمون في الكتاب لما
علم من الارتكاز المتشرعي القطعي أنّ دور المعصوم عليه السلام لا ينحصر في شرح
الكتاب بل من ادواره أيضا أن يقوم ببيان ما لم يبينه الكتاب أيضا.
الثاني: مرجّح لرفع التعارض بحيث لو تعارض خبران وكان كل واحد منهما واجدا
للحجية في نفسه فما وافق بمضمونه عموم الكتاب يقدّم على ما خالفه كما دلّت على ذلك
الأخبار الصحيحة.
قال الأستاذ ( إن حركة يونس هذه تخالف صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال : سمعت أبا
جعفر (عليه السلام) يقول: والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا
وإن أسوأهم عندي حالا وأمقتهم للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله
اشمأز منه وجحده وكفر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند،
فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا.. خصوصا أن الرواية واردة عن الإمام الباقر أي قبله
بكثير وهو لم يلتق الإمام وقد اعتمد على هذا المنهج من خلال سماعه ذلك من خلال هشام
بن الحكم كما هي الرواية أعلاه )
الظاهر أنّ الأستاذ المكرّم قد أشكل عليه فهم متون الروايات ولذلك وقع في مثل
هذا الخلط الفظيع إذ أنّ مفاد روايات حرمة الردّ هو القطع بتكذيب الروايات والجزم
بكذبها وبعدم صدورها بلا مستند سوى الرفض الشخصي المجرّد عن الدليل, أمّا منهج يونس
بن عبد الرحمن فهو قائم على قاعدة جليلة وهي ضرب الروايات المخالفة بحسب ظهورها
العرفي للكتاب والسنة أي المباينة لهما بحيث نقطع بكذبها ولا يمكن حملها على أي وجه
صحيح.
وعليه فلا منافاة بين صحيحة يونس ومعتبرة أبي عبيدة الحذاء...
قال الأستاذ: (عندما يذكر سماحة السيد يونس بن عبد الرحمن هل يذكر ما وقع من
خلاف في وثاقته – وإن كان عندنا ثقة – فإذا وثقه النجاشي والطوسي وغيرهما فقد ضعفه
القميون كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي في ترجمته من رجاله حيث قال (من أصحاب
الكاظم (ع) مولى علي بن يقطين، ضعفه القميون، وهو ثقة) وسماحة السيد سيشير لاحقاً
إلى دور القميين في محاربة الكذابين والوضاعين والذين ينقلون المراسيل وعن الضعاف
فهل يأخذ بما عليه القميون أو المتأخرون عنهم )
نجيب على هذا (النقد) الذي ذكره الأستاذ عباس حلّا ونقضا:
أمّا حلّا: فإن كان يونس عند الأستاذ عباس ثقة وعند المتقدمين والمتأخرين ثقة
بل اجمع على جلالته وعدالته ورفعة مكانته, فلماذا يطلب الأستاذ المكرم من سماحة
السيد الإشارة إلى من قال بضعفه؟
علما أنّ المقام ليس مقام بحث علمي موسّع لكي تعرض فيه كلّ الآراء خصوصا مع
عدم وجود من يضعّف يونس في هذا العصر
وأمّا نقضا: فيمكننا أن نقول نفس الشيء: لماذا عبّر الأستاذ على الرواية
بالصحيحة ولم يشر إلى الإختلاف الوارد في حقّ أحمد بن محمد؟
فإن كان ما ارتكبه سماحة السيد منير الخباز خطئا علميا فنفس هذا الخطأ قد وقع
فيه سعادة الأستاذ المحترم.
قال الأستاذ: ( وقع بعنوان يونس بن عبد الرحمان في إسناد كثير من الروايات،
تبلغ مئتين وثلاثة وستين موردا) فإذا كان ما نقحه يونس 263 – على فرض التنقيح –
هذا العدد من كم رواية هل كانت لديه 1000 رواية وخرج بهذا العدد؟! وأين بقية
الروايات والكافي لوحده أكثر من ستة عشر ألف رواية وروايات يونس ليس كلها في الكافي
)
الجواب:
1. الرقم الذي ذكره الأستاذ المكرّم منقول من كتاب معجم رجال الحديث للسيد
الخوئي رضوان الله عليه, وقد توهّم الأخ أنّ هذا الرقم هو حصيلة جهود يونس بن عبد
الرحمن في تنقيح الروايات وتمحيصها والحال أنّ هذا الرقم إنّما هو خاص بالروايات
التي يقع يونس في سندها مباشرة ولا يشمل الكتب التي رواها يونس والتي أخرج أصحاب
الكتب الثلاثة (التهذيب والإستبصار والفقيه) قسما من مروياتها وذكروا يونس بن عبد
الرحمن في طريقها عند تعرضهم للمشيخة.
2. كما قلنا وكرّرنا, فإنّ يونس بن عبد الرحمن ليس إلّا مثالا لعملية
التنقيح التي ذكرها السيد وليس الأمر مقتصرا عليه إذ أنّ الكثير سار على هذا النهج
كالفضل بن شاذان النيسابوري و بن الوليد القمي وغيرهم.. فلو قلنا أنّ يونس تولّى
تنقيح ألف رواية كما احتمال الكاتب فغيره أيضا قد قام بهذا الدور.
3. رغم صراحة الرواية التي ذكرها سماحة السيد في قيام يونس بعملية تنقيح
إلّا أنّ سماحة الأستاذ عبّاس لازال يشكّك في الأمر بقوله (على فرض التنقيح)
.
قال الأستاذ الموسى (هذا بالإضافة إلى أن الروايات الواردة عن يونس ليست كلها
صحيحة بل روى مرسلاً كثيراً في الكافي وعن مجهولين بل وضعاف كـ (عمرو بن شمر) عبر
عنه النجاشي (ضعيف جدا، زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها إليه، والامر
ملبس) ، بل أكثر من ذلك فإنه يروي عن كذابين ووضاعين كصالح بن سهل الهمداني كما عبر
عنه ابن الغضائري (غال، كذاب، وضاع للحديث. روى عن أبي عبد الله (عليه السلام). لا
خير فيه، ولا في سائر ما رواه) على مبنى من يرى كتاب ابن الغضائري كالمرجع
السيستاني حفظه الله أستاذ سماحة السيد )
والجواب:
1. الظاهر أنّ الأستاذ عبّاس غفل أنّ هناك فرقا بين مباني المتقدّمين
ومباني المتأخرين, إذ أنّ هناك فرقا بين مسلك الوثوق المشهور بين المتقدمين ومسلك
خبر الثقة الذي عليه جملة من المتأخرين
فالضعيف بحسب اصطلاح المتأخرين لا يلزم منه ضعف الحديث واقعا, إذ أنّ
المتقدّمين لهم طرق أخرى لتقييم الأحاديث أكثر دقّة وإصابة للواقع من طرق
المتأخرين, فرواية يونس عن ضعيف أو مجهول كما قال الأخ الموسى لا يعني ضعفها واقعا
لكونها محتفّة بقرائن توجب الوثوق.
2. إنّ قسما كبيرا من روايات يونس بن عبد الرحمن قد عرض على المعصومين كما
صرّح في الحديث الذي ناقشناه سابقا من عرضه الروايات على الإمام الرضا عليه السلام,
وعرض اللاحقين كتابه على الإمام العسكري عليه السلام كما روى النجاشي بسند صحيح: عن
أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري رحمه الله: عرضت على أبي محمد صاحب العسكر عليه
السلام كتاب يوم وليلة ليونس فقال لي: تصنيف من هذا؟ فقلت: تصنيف يونس مولى ال
يقطين, فقال: أعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة.
ولذلك اشتهرت صحة كتب يونس واعتبارها بين الشيعة في ذلك العصر حتى قال ابن
الوليد: كتب يونس بن عبد الرحمان التي هي بالروايات كلها صحيحة يعتمد عليها الا ما
ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس ولم يروه غيره ، فإنه لا يعتمد عليه ولا
يفتي به.
3. إنّ قطع الأخ عباّس الموسى بعمرو بن شمر وصالح بن سهل الهمداني أوقعه في
نفس الأمر الذي انتقد فيه سماحة السيد!
فضعف عمرو بن شمر ليس بمحرز , فإن كان النجاشي قد ضعّفه كما نقل الأستاذ
المكرّم فهناك من دافع عنه ونفى عنه تهمة الكذب كالمجلسي الأب في روضة المتقين
والوحيد البهبهاني في تعليقته والميرزا حسين النوري في خاتمة المستدرك بل واستظهر
اعتماد الشيخ المفيد عليه!
فضعفه عند النجاشي لا يعني أنّه واقعا ضعيف وكذّاب كما حاول الأستاذ إيهام
القارئ بذلك.
أمّا صالح بن سهل الهمداني فقد استقر المتأخرون على توثيقه ولم ينقل فيه طعن
سوى ما نسب لابن الغضائري في الكتاب المختلف فيه كما هو معروف.
أما نسبته ضعف صالح بن سهل للسيد السيستاني فهو يدلّ على جهل عظيم بمباني
سماحة السيد حفظه الله, فهو وان كان يرى صحة نسبة الكتاب المتداول لابن الغضائري
إلا أنّه لا يلزم من ذلك ضعف صالح لأنّ السيد السيستاني يرى أنّ قول حجية قول
الرجالي ليست من باب الشهادة أو الرواية بل هي حجية خبروية وعليه فلا يلزم من حكم
ابن الغضائري على صالح بالضعف والكذب اتباع سماحة السيد السيستاني له في حكمه
فتدبّر.
الوقفة الرابعة: ما ادعاه الأخ الموسى من خلاف بين سماحة السيد الخباز وبين
أستاذه زعيم الطائفة السيد الخوئي رضوان الله عليه, قال: ( سماحة السيد دائماً يشيد
بالسيد الخوئي (رحمه الله) ويعتبره رجل الميدان في علم الرجال –وهو كذلك- لذا فإننا
سنبين بعض مخالفات سماحة السيد مع السيد الخوئي في بعض الأمور خصوصاً وأن سماحة
السيد يذكرها ومنها نقطة ذكرها هنا وهي: أن رجال السند كلهم ثقات حكم السيد الخوئي
على الرواية بالصحة وإذا كان هناك من يضعف رجلاً فيها فيعبر عن الرواية بالمعتبرة
كما قال سماحة السيد في محاضرته وحري به أن يقتدي به خصوصاً مع اختلاف المباني,
سماحة السيد قال (صحيحة محمد بن عيسى بن عبيد) والأولى والأجدر به أن يقول كما يقول
السيد الخوئي معتبرة خصوصاً أن محمد بن عيسى هذا مختلف فيه فالنجاشي وثقه وجاء في
الكشي رواية مادحة له، ولكن ضعفه الطوسي واستثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر
الحكمة. وقال العلامة في الخلاصة عند ترجمة بكر بن محمد الأزدي: وعندي في محمد بن
عيسى توقف. وإن قال في مورد آخر: الأقوى عندي قبول روايته. وقدح فيه الشهيد الثاني.
إذن محمد بن عيسى مختلف فيه ولا نعلم مبنى سماحة السيد الرجالي الذي من خلاله وثق
محمد هذا في حال التعارض ).
1. إنّ علماءنا الأبرار تعرّضوا في علم الدراية إلى الفرق بين الصحيح
والمعتبر, فالأول هو خصوص ما رواه العدل الإمامي عن مثله وصولا للمعصوم أمّا
المعتبر فهو يشمل كل حديث اجتمعت فيه شروط الحجية كالحسن والموثق والصحيح والضعيف
المنجبر.
وعليه فإنّ التعبير بالمعتبرة أعم من التعبير بالصحيحة وما دأب عليه بعضهم من
التعبير بالمعتبرة على خصوص الرواية التي وقع خلاف في بعض رواة سندها ليس بالاصطلاح
اللازم لكي يخطّأ من عبّر بخلافه.
2. بالنسبة لمحمد بن عيسى بن عبيد فإنّ منشأ القول بضعفه هو ما فهمه الشيخ
الطوسي من عبارة ابن الوليد الذي استثنى روايته عن يونس بن عبد الرحمن ولا توجد فيه
عبارة تضعيف صريحة ولهذا فإن المتأخرون استقروا على القول بوثاقته بل
بجلالته.
وعليه فموضوع اليقطيني قد قتل وأشبع بحثا في الحوزات العلمية وانتهى موضوعه
منذ أمد بعيد ولعل بعد الاستاذ الموسى عن الحوزات العلمية هو السبب في هذه
الاشتباهات.
3. لو سلّمنا بصحّة ما ذكره الأستاذ فإنّ هذا لا يلزم تخطئة السيد منير
حفظه الله إذ أنّه فقيه مجتهد شهد له بذلك جملة من الاساطين, فمن حقّه أن يبدي رأيه
ويخالف أساتذته بما يراه صحيحا.
بل حتى لو لم يكن كما ذكرنا فإنّه لا تقليد في علم الرجال والدراية ولا يجب
على التلميذ أن يقلّد الأستاذ في اصطلاحه.
هذه الوقفات هي بما يتعلّق بالقسم الأول من مقال الأستاذ المحترم عبّاس الموسى
وللحديث تتمّة...
جديد الموقع
- 2026-05-19 سمو محافظ الأحساء يطّلع على إنجازات وأعمال البريد السعودي "سبل" بالمنطقة الشرقية
- 2026-05-19 جامعة الملك عبدالعزيز تستعرض ابتكاراتها الصحية في منتدى الصحة والأمن بالحج
- 2026-05-19 " شيفرة قسمة " "رواية قصيرة للمؤلف " عبدالله النصر " . اصدار جديد
- 2026-05-19 صدر حديثًا للشيخ اليوسف: «العباس ابن أمير المؤمنين: الشخصية القوية»
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد