2017/05/17 | 0 | 1352
لتنويم الإقناعي
لكن هل يظل هذا الحارس متيقظا دائما ؟
ألا تحين منه سنة أو نوم ؟!
ألا يمكن خداعه ، لتمرر مقولات وأفكار كان يمانع دخولها بشدة مستميتة ؟!
إن هذا الحارس يمكن الالتفاف عليه ، ومناورته حتى تتسلل كتائب من الأفكار ، كان - من قبل- يرفضها بشراسة ؛ وهذه القدرة اسمها (سحر الإقناع) ! .
فقد نسمع كثيرا بأن : (حالة الاقتناع لا بد أن تتأسس على دليل عقلي أو علمي أو شرعي) ، وهذه المقولة تضع افتراضا لواقعنا ، وما ينبغي عليه أن يكون في شؤون الإقناع ، لكن نحن نعرف بأن الواقع ليس دائما يكون بهذا الافتراض ، مما يعني وجود حالات كثيرة من الاقتناع لا تنبني على ذلك ، وهذا ما يبرر لنا مناقشة هذه الحالة والكشف عن مكامن خللها .
ففي أي الحالات يغمض الحارس عينه ، لتدخل جحافل الأفكار بأمان وسلام ؟
وهل هناك حالات لدخولها في وضح النهار والحارس في كامل اليقظة والانتباه ؟!
لماذا تتحول العقول إلى حالة التسليم المطلق لما تستقبله ؟
ولماذا يتجمد التفكير الذي كان في أوج نشاطه في بعض المقولات الواصلة إليه ؟
وقبل أن نبدأ بتشخيص هذه الحالة ، لا بد من استعراض سريع لمنظومة الإقناع ؛ فعن طريقها سيتحدد لنا أين يكمن الإشكال .
منظومة الإقناع
يتأسس خطاب الإقناع على خمسة عناصر :
1- الخطاب .
2- أسلوب الخطاب .
3- شخصية صاحب الخطاب .
4- شخصية المتلقي .
5- بيئة الخطاب .
ولعل أكثر عنصر (حضورا وتأثيرا) هو شخصية صاحب الخطاب ثم أسلوبه ؛ وقلما نجد انتباها للخطاب أو البيئة أو المتلقي .
ونستطيع القول أن شخصية الملقي تتربع الاهتمام في عملية الخطاب ، بعده الأسلوب الذي يتخذه في خطابه ؛ بينما عنصر (الخطاب أو موضوع الخطاب) ينبغي أن يحتل الرتبة الأولى ، ولكنه يظل مغيبا بفعل تزاحم العناصر الأخرى .
وهذا يعني أن أهم عنصر في عملية الخطاب لم يكن في عناية المتلقي ، وهي أولى الإشكاليات .
الإشكالية الثانية مرتبطة بالأساليب التي يتخذها صاحب الخطاب لجعل خطابه بمواصفات منطقية ، لإحداث القبول والتأثير ؛ من غير طرح علمي أو تحليلي أو استدلالي .
والأساليب الملتوية هذه كثيرة ، أبرزها :
(الذاتية ، الدعوى ، السببية العشوائية ، الافتراض المسبق ، التجاوز ، التعميم من حالات جزئية إلى كلية ، السؤال المتصدر لجوابه ، المقارنات غير المتطابقة) ... وغيرها من الأساليب .
وسنركز على هذه الأساليب الثلاثة :
1- الذاتية في قبال الموضوعية .
2- الدعوى : بديل الدليل .
3- السؤال المتصدر جوابه .
إن من يجعل ذاته منطلقا ، تجده يمحور كل القضايا من خلال ذاته ؛ وبذلك يترك الطرح العلمي للفكرة والأدلة التي تتأسس عليها ، فلا تكاد تسمع إلا عبارات ذاتية لا تصمد أمام الطرح العلمي .
فإذا لم تعجبه فكرة ، أو يقتنع من اتجاه ؛ فيكتفي بوصف مشاعره تجاه ما يكره ، فيظل طوال حديثه مكتفيا بالانطباع الشخصي ، من غير أن يحلل وينتقد بطريقة علمية .
ولأن هذا النوع من الخطاب يتكىء على مكانته المرموقة عند المستمعين ، فنجده يستغل خطابه بتكرار دعاوى مجردة من الأدلة والبحث ، وكأن مكانته تكفيه العناء عن الدخول في تفاصيل القضية .
ولعل من أسهل الأمور لمثل هذا النوع ، رد القضايا بكلمات وصفية ، مثل :
هذا الرأي خاطئ ..
لا يقول هذا الرأي إلا الجاهل ..
لا تخرج الكلمة من متعلم فضلا عن عالم ..
هذه الفكرة تافهة لا تستحق الرد عليها ..
و ... ودواليك من هذه المتتاليات .
وقد يحطم الفكرة الأخرى باستفهام يحمل جوابه مسبقا ، مما يعني أنه لم يدخل حريم البحث الحيادي والطرح المتزن ؛ فتجده يدبج الإنشائيات المتسائلة التي تتضمن الجواب الحاسم .
فتراه يقول :
ألا يدل أن قائل هذا الرأي يحمل عقما في فكره ؟! ..
هل يمكن تناول هذه الفكرة بهذه الطريقة الضعيفة ؟!
هل يمكن حصر تعريف القضية الفلانية بهذا التحديد القاصر ؟! ..
و ... و .
وبهذه الإسقاطات تتكسر بنية السؤال من مفردة تنتظر جوابا في عالم البحث والتفكير ، إلى افتراض مسبق يجر جوابا بمواصفات محددة .
إن هذا الأسلوب يكشف عن ممانعة الملقي ومقاومته للفكرة التي يواجهها ، ويكشف أيضا أنه لم يأل جهدا في مباحثة الفكرة ومعالجتها ، حيث اكتفى بما عنده ليدافع عن ذاته وعقله ، وافترض أن ما عند المتلقين هو نفسه ما عنده ، وهذا أبعد عن الأسلوب العلمي في المناقشة والحوار ودراسة الآراء .
وهنا حارس العقل يقف أمام زخم كبير من العاطفة ليعطل تفكيره ، وتتسلل القناعات من غير منطق ، وتتحكم ذات المتلقي الذي ينتمي لصاحب الخطاب بدين أو مذهب أو علاقة إعجاب وتقدير ، لتتغير البرمجة الطبيعية للعقل
في قبول أو رفض الفكرة ؛ بناء على قائلها وليس تحليل القول .
فتكون المواجهة بين ذات وذات ، بدلا من موضوع خطاب مع عقل متلق مفكر .
وبذلك تكون دغدغة العواطف أقوى خطابا من العقلانية المفكرة ؛ لأن الحارس عطلت قواه كلها ، بفعل هيمنة الذات الزاحفة من طرفي الخطاب (الملقي والمتلقي) .
إن هذه الذات المتضخمة تحرم المستمع من اللون الآخر للقضايا ، وتحجر عقولهم عن المطارحة العلمية للأفكار من حولنا . وهذا الأسلوب الاستلابي يجعل المجتمع طيفا واحدا ، ومزاجا حادا وحيدا ، يستعدي الآراء من غير تفهم ولا تعقل ولا تحليل منطقي .
وهذا أقسى ما نعايشه في مجتمعنا المتنوع في طبائعه وتفكيره وآرائه ؛ حيث يتحكم في مساره من يظن نفسه رقيبا ومرجعا أخيرا ، إليه تؤول القضايا بجرة كلمة .
إن هذا التنويم الإقناعي هو (غسيل خطير) يعطل طاقة التفكير الاستقلالي ، وممارسة سوداوية لإعاقة حراك الذهن في تحليل الأمور .
لكن هل يعي هؤلاء أن الجيل بدأ يتقظ لينفض عنه هذا التنويم المخاتل ، ليمارس نقد هذا الأسلوب الإقصائي ؟! .
لقد بدأ ينادي ويحتج بكل لغات الوعي واليقظة الحرة :
إذا كان من حقك أن تطرح رأيك ؛ ألا يحق للآخر أن يطرح رأيه ؟! ..
ألا يوجد غير أسلوب (الحراسة الحامية) في تحليل القضايا ؟! ..
لماذا لا تدع الناس تفكر وتحلل وتنتقد بنفسها لتتأكد من صدق ما تقول ؟! ..
لماذا علي أن أتبع قولك وأعتبره الصحيح الذي لا خطأ فيه ، وغيرك خاطئا حتى تثبت أنت صحته ؟!
ألا يعي هؤلاء أنهم يستنسخون بإقصائيتهم نماذج صغيرة ستكبر ، وتمارس فيما بعد تنويما إقناعيا على خلق الله ؛ أدق عمقا وأوسع مساحة ؟! ..
ألا يعي هؤلاء أنهم يعززون الفكر الآخر بطرحهم المهزوم هذا ؛ حيث يتركون مجالا لأصحاء العقول ؛ كي يملأوا فراغهم من الطرح المختلف ، لمدارسته وقراءته بنحو آخر غير الذي وصل لمسمعهم ؟! ..
هل يعون أن (التنويم الإقناعي) هذا ، له القدرة على تخدير دورهم في المجتمع مع مرور الأيام ؟! ..
هل يعون بأن (التنويم الإقناعي) يستلب ويستحلب القدرة على التمييز والتحليل ؛ فيسهل بعدها استغلال هذا النوع من المخاطبين لمآرب أخرى بعيدة عما يريد (المنوم) نفسه ؟! ..
فمتى يتيقظ هؤلاء من (تنويمهم) و(نومهم الغافل الطويل) ؛ ليعيدوا النظر فيما يفعلون ويرون ؟! ..
(غدا سينقلب السحر على الساحر ، وسيجد هؤلاء أنفسهم يصرخون في آذان الفراغ !!!) راغ !!!) .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية