2024/10/15 | 0 | 1544
كتاب مع (العلامة الطباطبائي في آية لن تراني) بين الاعتراف والاعتزاز
في عام 1443هـ 2022م صدر كتابي (مع العلامة الطباطبائي في آية لن تراني) الذي كنت أناقش فيه ما يذهب إليه العلامة الطباطبائي من أن نبي الله موسى عليه السلام في طلبه النظر إلى ربه بقوله عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} إنما كان يطلب الرؤية القلبية.
والكتاب ليس محصورا في هذه المناقشة، بل هو أوسع من ذلك بكثير، وقد أعطيت انطباعا عاما عنه، وتعريفا إجماليا به بقولي في الصفحة (12) من المقدمة: (هذا الكتاب ليس محصورا في مناقشة رأي العلامة الطباطبائي في الرؤية القلبية التي سألها موسى، كما أنه ليس كله في الاختلاف معه، ومحاولة النقض لآرائه، وإنما هو دراسة أو أشبه شيء بالدراسة العامة، فيها ما هو محل اتفاق وما هو محل اختلاف، كما تشتمل على شرح بعض آراء العلامة، ووضع بعض الاحتمالات في بيان بعض ما يذهب إليه مما لم يكن واضحا كل الوضوح، إضافة إلى ما في هذه الدراسة من استطرادات وتشعبات ربما اقتضتها طبيعة المواضيع المثارة، أو اضطرني إليها التوسع في البحث والاستدلال)
وليس قصدي الآن أن أتحدث عن الكتاب وأسلط الضوء عليه، وإنما كل ما أهدف إليه هو أن أسجل اعترافا متعلقا بهذا الكتاب تقتضيه الأمانة العلمية والشجاعة الأدبية التي هي من أهم ما يجب أن يتصف بها الباحثون، ثم أعبر عن اعتزازي الكبير جدا بهذا الكتاب الذي لا أغالي إذا قلت إنني أعتبره من أهم ما أنتجه فكري وسطره قلمي رغم ما سأسجله الآن من اعتراف.
وحتى لا أطيل أكثر أدخل في الموضوع لأقول: سبق أن دار حوار رائع وجميل بيني وبين أخي سماحة الشيخ (عبد العزيز المزراق) حول الكتاب، أثار فيه الشيخ نقطة مهمة جدا، لفت فيها انتباهي إلى اشتباهي في فهم مراد العلامة الطباطبائي في تعريف (الرؤية القلبية) التي يذهب إلى أن نبي الله موسى طلبها من ربه، والتي عرّفها العلامة بأنها (كمال العلم الضروري بالله) وأكد استحالة تحققها في الدنيا، وأنها لن تتحقق لأحد إلا في الآخرة، حيث أوضح فضيلة الشيخ المزراق أن العلامة هنا لا ينفي مطلق تحقق الرؤية كما توهمت أنا، وإنما ينفي تحققها على أكمل وجه، وأتم صورة، وبأعلى درجات التحقق، إذ أن تحققها بهذه الكيفية محصور في الآخرة حيث سقوط كل الحجب بين الإنسان وربه.
واستدل الشيخ المزراق على ذلك بأن العلامة الطباطبائي لم يعرّف هذه الرؤية (بالعلم الضروري) فقط، وإنما قال: (كمال العلم الضروري بالله) مما يدل أنه يعني استحالة تحقق هذا العلم كاملا، وليس بنسبة معينة.
وقد سلّمت للشيخ المزراق بهذا الاشتباه الذي وقعت فيه، وأتذكر أنني قلت له حينها: (أنت لفت نظري إلى نقطة مهمة جدا، وحقيقة لا أدري كيف غفلت عن كلمة "كمال" في تعريف العلامة رضوان الله عليه؟!)
وفي الوقت الذي أشكر فيه أخي العزيز سماحة الشيخ المزراق لهذه الإثارة الجميلة، وتسجيله لهذه الملحوظة المهمة التي كما سلّمت له بها في حوارنا الخاص، أيضا لا أجد أي حرج في الإعلان العام عن هذا التسليم، والاعتراف بصحة هذه الملحوظة، خصوصا وأنني مؤمن ومقتنع بأن هذا -أولا وقبل كل شيء- هو حق العلامة الطباطبائي فيما نسبته إليه اشتباها.
ومن باب الاعتراف بالجميل لأهله، أرى لزاما عليّ أن أشير إلى أن سماحة العلامة الشيخ حسين العايش حفظه الله ورعاه قد سبق شيخنا المزرق في لفت انتباهي إلى هذه الملحوظة وإن كان من منطلق آخر، حيث أشار إلى أنني لو لم أقف فقط عند حدود كلام العلامة الطباطبائي حول الآية، وتوسعت في البحث عن رأيه في الرؤية القلبية في مؤلفاته الأخرى لأعانني ذلك على فهم رأيه بشكل أدق وأوضح.
كما أحب أن أشير أيضا إلى أنني كنت أتوقع بل ربما متيقن من وجود بعض الأخطاء والاشتباهات، وقد صرحت بذلك في الصفحة (424) من (مسك ختام الكتاب) بقولي نصا: (رغم سعادتي بهذه الدراسة والمناقشة، إلا أنني ليس فقط لا أدعي صحتها على الإطلاق، بل لا أشك في معاناتها من النقص والقصور ولو في بعض مطالبها، وحاجتها إلى التقييم والتقويم ولو في بعض بحوثها، ليس فقط لأنها الأولى، وكل محاولة أو تجربة أولى تحتاج إلى الترميم، ولا لأنها جهد بشري، وكل عمل بشري لا يخلو من نقص وقصور، بل أيضا لقلة اطلاعي، وقصور باعي عن تناول هذه المواضيع العميقة، ومناقشة صغار طلبة العلم فضلا عن كبار الفطاحل والعلماء كما هو الحال في علامتنا الكبير، السيد محمد حسين الطباطبائي، الذي هو من كبار العلماء والفلاسفة والمفكرين، ويعد تفسيره من أهم وأفضل التفاسير...) إلى أن ختمت برجاء القراء الكرام بتزويدي بأية ملحوظة قد يرونها حول الكتاب، واعدا إياهم بأنها ستكون محل كل العناية والاهتمام.
هذا فيما يتعلق باشتباهي في فهم مراد العلامة الطباطبائي من الرؤية القلبية، ورأيت لزاما عليّ الاعتراف به تقديرا للشيخين الكريمين (العايش والمزراق) في تسجيلهما لهذه الملحوظة، وتصحيحا لما نسبته إلى علامتنا الطباطبائي رضوان الله عليه.
وأما فيما ذهب إليه العلامة من أنها المطلوبة في سؤال النبي موسى عليه السلام، فما زلت أرى أن الصحيح هو ما يذهب إليه الفريق القائل بأنه عليه السلام إنما طلب (الرؤية البصرية) وأن ما ذكره العلامة الطباطبائي سواء في الاستدلال على ما ذهب إليه من أن موسى الكليم إنما طلب الرؤية القلبية، أو في مناقشته ورده لأدلة القائلين بأنه طلب الرؤية البصرية، فيه مجال كبير جدا للمناقشة، وهو ما قمت به في هذا الكتاب الذي يقع في (445) صفحة، والذي (ورغم تلك الملحوظة المهمة المشار إليها) إلا أنني -وكما أشرت- أعتز به كثيرا، وأعتبره من أهم ما أنتجه الفكر وسطره اليراع، كوني فيه لا أناقش شخصية عادية، وإنما أحاول مناقشة قامة علمية كلنا نعرف عظمتها، ولما بذلته فيه من جهود كثيرة وكبيرة جدا، كما أن هذا الكتاب هو أول دراسة موسعة لما طرحه العلامة الطباطبائي من آراء حول آية (لن تراني)
وقد قلت في ختام مقدمة هذه الدراسة كاشفا عن شيء من هذا الجهد بما يصحبه من رجاء وأمل: (رغم عدم وجود أية دراسة لهذا الموضوع، وعدم وقوفي على أية مناقشة جادة وضافية لهذا الرأي الذي تبناه العلامة الطباطبائي تعينني ولو على رسم خارطة الطريق، إلا أنني بذلت جهدي ما استطعت، وكل أملي أن أكون قد وفقت في ذلك ولو بعض التوفيق، وأن تحوي هذه الدراسة البسيطة المتواضعة ولو شيئا قليلا مما ينفع ويفيد، وإن خاب الأمل ولم يتحقق الرجاء، فربما يكفيني أنني حرّكت المياه الراكدة، ولفت الأنظار إلى هذا الموضوع، لتكون محاولي المتواضعة هذه نواة لدراسات أخرى قادمة تكون أكثر عمقا وأصالة، يقوم بها من هم أكثر كفاءة وجدارة، خدمة للدين، واهتماما بكتاب رب العالمين)
كما قلت في (مسك الختام) كاشفا عن جهودي ومعبرا عن غبطتي وسعادتي واعتزازي بهذه الدراسة: (أنا لا أستطيع أن أدعي أن هذه هي الدراسة الأولى لما يذهب إليه العلامة الطباطبائي في هذا الموضوع، لكنني لم أقف على أية دراسة له حتى ولو كانت مختصرة، فضلا عن موسعة كما هو الحال في هذه الدراسة.
ومن غير شك أن هذا جعل العبء عليّ ثقيلا جدا، واضطرني إلى أن أبذل جهودا كبيرة ومضاعفة في رسم الخطة، ووضع منهج الدراسة، وجمع المادة، والبحث عن المعلومة...وفي كل شيء يتعلق بهذه الدراسة.
ولذا فأنا لا أخفي غبطتي وسعادتي بهذه الدراسة التي آمل فعلا أن يكون لي قصب السبق فيها، كما آمل أن تفتح آفاقا واسعة رحبة، وأبوابا كثيرة لتقديم دراسات ليس بالضرورة أن تكون أوسع وأشمل، ولكنها قطعا ستكون أنضج وأفضل، خصوصا في حال قام بذلك من هو أجدر وأكثر كفاءة في تناول هذه العلوم والمواضيع)
هذا ما قلته في الكشف عن جهودي والتعبير عن اعتزازي بكتابي هذا، وكما هو واضح للجميع: فأن أعتز بهذه الدراسة شيء، وأن أقطع بصحة كل ما فيها شيء آخر، وفي حال وقفت على خطأ أو اشتباه آخر، سواء بنفسي أم عن طريق الآخرين فسأسلم لذلك كما سلمت لشيخينا العايش والمزراق حفظهما الله.
وتقديرا لسماحة العلامة الشيخ حسين العايش، وشكرا لما منحني من وقته لقراءة هذا الكتاب، ومن ثم تفضله بقبول إجراء حوار مع سماحته حول مادته، واعتزازا برأيه في هذا الكتاب وإشادته الكبيرة به (رغم تسجيله للملحوظة نفسها التي سجلها شيخنا المزراق وإن كان من منطلق آخر كما أشرت) يسعدني كثيرا أن أختم هذه الكلمة بنقل ما قاله سماحته عن الكتاب في ذلك الحوار الذي أجراه معه الأخ العزيز الأستاذ عيسى العبد الكريم.
فقد قال في التقييم العام للكتاب: (هذه الدراسة من الدراسات الجادة والمهمة، والتي تعطي إضافة في بابها) (الكتاب يمثل رسالة هامة، ويعطي عمقا معرفيا كبيرا، وإضاءات مشرقة حول هذه المعارف القرآنية التي تناولها المؤلف يحفظه الله) (تقييمي للكتاب أنه كتاب قيم، بل أكثر من كلمة قيم، هو كتاب ممتاز، وإذا نريد أن نعطيه تقييما أكاديميا فهو بدرجة 95%100، وهو في الحقيقة رسالة ماجستير، ويمكن أن نعبّر عنه بأنه نال مرتبة الشرف الثالثة)
وقال عن المنهج في المناقشة والنقد (هناك لمسات جميلة جدا، خاصة في تفريعاته وفي مناقشاته المطولة، لا يقتصر على جنبة أو جنبتين، ولكنه يضفي إضافات متعددة بحيث تتضح الرؤية بنحو أكثر جلاء) (لم يقتصر في نقده للنظرية على جنبة، وإنما حاول أن يتعمق في جنبات أخرى لها مساس بإيضاح أي جنبة يبدي النظر فيها، وهذا ملاحظ عندما تقرأ الكتاب) (في الكتاب أعجبتني لفتة للمؤلف يحفظه الله وهو بالرغم من هذا الثراء العلمي الموجود في الكتاب، ولكنه أيضا يبدي التواضع الجم للمقام السامق والعملاق لسيدنا الطباطبائي يرحمه الله)
وقال عن الأسلوب: (كتاب قيم، وفريد في بابه، قرأت شطرا كبيرا منه، وأعجبت بأسلوبه، وهو أسلوب علمي ومتقن، ومناقشاته مع العلامة الطباطبائي يرحمه الله مناقشات جادة، ويعطي إضاءات جميلة جدا حول فهم بعض الحيثيات التي جاءت في آيات القرآن الكريم بأسلوب ممتع وجميل، ومن يتأمل في أسلوبه يروقه هذا الأسلوب ويعجب به، لأن هذا الأسلوب في الحقيقة وإن كان هو الأقرب إلى الأسلوب الحوزوي، ولكن فيه الصبغة العلمية، والقريبة من الفهم العام للناس. فهو يمزج بين اللغة الحوزوية واللغة التي يسير عليها المثقفون والأدباء بشكل رائع وجميل)
وقال في الدعوة إلى قراءة الكتاب (أشكر المؤلف، وأدعو الجميع لقراءة هذا الكتاب للاستفادة منه، لأن فيه الكثير من الزاد الذي سيصل إليه، والمعارف القرآنية الجميلة التي تعطي إضاءة على فهم هذه الآية المباركة، هذه الإضاءات التي أضاء بها الكاتب حريّ بالقارئ للكتاب والمتلقي أن يطلع عليها لأنها ستضيف الكثير من المعرفة في المجال العقدي)
وختاما: سعيد جدا بأنني ملكت من الجرأة ما شجعني على الاعتراف بصحة هذه الملحوظة والإعلان عنها، وسعيد جدا بأن تكون هي الملحوظة الوحيدة التي وصلتني حول الكتاب، وإن كنت لا أستبعد وجود غيرها، ولا أخفي أنها ملحوظة كبيرة ومهمة، ولها تأثيرها على القيمة العلمية للكتاب، وكم تمنيت لو أنني تداركتها، وسعيد جدا بهذا الانطباع الجميل، والشهادات الكبيرة من شخصية علمية بوزن شيخنا العايش حفظه الله ورعاه،
شكرا لشيخينا العزيزين الكريمين (العايش والمزراق) وشكرا لكم تفضلكم بالقراءة.
جديد الموقع
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا
- 2026-04-01 كيف وصف روائي بدقة الهبوط على القمر