2015/02/01 | 0 | 2041
قراءة في كتاب نمو المفاهيم : همّ الفهم وسؤال المفهوم
المفهوم والبدايات:
إذا أردنا أن نؤرّخ للحظة التي فتح الإنسان عينه على الحياة، سواء كان تأريخًا لاهوتيًا أم ناسوتيًا، لحظة هبوطه إلى الأرض بالتعبير القرآني، أو إلقائه في الوجود بتعبير هايدغر، نجد الإنسان في حالة من الوحشة، وحشة إزاء الحياة، إزاء الوجود، خوفٌ يتملكه بما يحيط به، فالوحشة وليدة الانفصال عن الأشياء، والجهل بها، لكن قانون البقاء يحكم بالزوال للضعيف، والبقاء للقوي، واختار الإنسان البقاء، فقارب الأشياء واتصل بها، وأخيرًا عرف الإنسان ما نسميه "المعرفة"، فالمعرفة مقاربة الأشياء والاتصال بها، فتحول الإنسان من طور الوحشة إلى طور الدهشة، من الخوف من الأشياء إلى الشغف بها.
ومن الناحية التقنية، قارب الإنسان الأشياء من خلال طريقتين، قاربها من خلال الاتحاد بها، وتسمى هذه المقاربة عند القدماء بـ"العلم الحضوري" أو "الذوق"، نجدها غالبًا عند المتصوفة وأهل الغنوص، وهذه المقاربة لا تفصح عن شيء اللهم إلا الصمت، لذلك يغلب عليها الطبع الفردي السكوني اللاتداولي. أما المقاربة الأخرى، فهي مقاربة الأشياء لا بالاتحاد بها، بل بجعل مسافة بيننا وبينها، تلك المسافة هي صورة الأشياء، أو بلغة القدماء "التصور" أو "العلم الحصولي"، وهو حصول صورة الشيء في الذهن، تلك الصورة عن الشيء إذ تمر بأطوار تاريخية، يتغير نحو وجودها، فتنتقل من الفردية إلى الجماعية، ومن الاستقرار إلى التداول، ومن الصمت إلى أن تتخلّق اللغة شيئًا فشيئًا، آذنة بقيام التواصل، وتكاتف الأفراد، فنشوء المجتمع، ثم بزوغ الحضارات. إذًا، ذلك التطوّر التاريخي للصورة في رحم اللغة، تكاثف أخيرًا خلقًا من بعد خلق إلى أن تولّد مفهومًا، وكما يقول العلي في تعريف المفهوم: هو تحول المفردة اللغوية إلى تاريخية، فالمفهوم ليس إلا نتاج الصيرورة التاريخية، والتطور الإنساني.
- الإنسان، من معرفة الوجود إلى معرفة المعرفة:
ولكون الإنسان كائن تطوّري، ينتقل من طور إلى طور، من الحس إلى التجريد، ومن البساطة إلى التعقيد، تطورت أبضًا معرفته، فانتقل من معرفة الوجود، إلى معرفة المعرفة، من الأنطولوجيا إلى الابستمولوجيا، فبعد أن درس الوجود، ومكوناته ومراتبه وعلائقه، صار يدرس المعرفة، ماهيتها وشروطها ومكوناتها وأدواتها، ولعل من اللحظات التاريخية البارزة في هذا الشأن هي اللحظات الغربية، فمن لحظة ديكارت ومنهج المعرفة ، ومرورًا بكانط والشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، وليس انتهاءً بفوكو وعلاقة المعرفة بالسلطة، وهكذا.
إن تطور الإنسان، ليس إلا نتاجًا لصراعه مع الواقع، لذا فإن أي اشتغال الإنسان على المعرفة ليس من قبيل الاشتغال المجرد عن الواقع، بل له أساسه الاجتماعي/السياسي/الاقتصادي، فعندما يواجه الانسان ما لا يتوقعه، كأن يتخلف في حين يفترض به أن تقدم، لابد له إذًا من أي يعرف أين الخلل؟ وأول أمرٍ يبدأ في التقصي عنه والنبش فيه، هو تصوراته عن الواقع، والنماذج التي يتنبأ من خلالها بالمستقبل، يقول العلي: "إن الهزات التي تصيب أي مجتمع، تدفعه بالضرورة إلى إعادة النظر في مفاهيمه، لأن إدراكه نفسه يتغير، ليصبح على الأقل متسائلاً عن الأسباب. وعلى الرغم من الأحداث المزلزلة التي مرت وتمر بعالمنا العربي..لم يتحرك هذا المجتمع، وحتى كثير من نخبه، إلى مراجعة هذه المفاهيم.. وهنا يأتي السؤال الجارح: لم هذا الركود في مفاهيمنا؟"، هنا يأتي الدور الأساس لهذا الكتاب: إعادة قراءة المفاهيم وتأصيلها.
- نبذة عامة عن كتاب "نمو المفاهيم":
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 2013، من المركز الثقافي العربي بالتعاون مع النادي الأدبي بالرياض، وتصل صفحاته إلى ثلاث مئة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، جمعه أحمد العلي، الذي يقول مفتتحًا الكتاب: "يحتوي هذا الكتاب على المحاضرات والأوراق النقدية التي قدمها الأستاذ محمد العلي للساحة الثقافية منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى الآن".
وعناوين الأوراق التي تناولها الكتاب، كالتالي:
نمو المفاهيم، الشك واليقين، ما هو التاريخ؟، مفهوم التراث، الفرق بين الرؤية والموقف، عن الثقافة ومكوناتها، ما هي التربية؟، القيم والسلوك اللغوي، المثقف والأيديولوجيا، الفرق بين اللغة والأسلوب، مفهوم الوطن، الحس الاجتماعي في الشعر العربي، حول الغموض الشعري، القراءة والشباب.
إن هذا الكتاب الذي يعيد قراءة المفاهيم وتأصيلها، يأتي استجابة لواقع العرب وتعاملهم مع المفاهيم، فالعرب يواجهون أزمة في التعامل مع المفاهيم، سواء وعوا بهذه الأزمة أم لا، أنقل نصًا للعلي من كتاب درس البحر، يعرض المشكلة بصورة أوضح وأفظع، يقول: "لكل مفهوم تطوره وفق شروط الحضارة التي يولد فيها حسب ما أوضحته حلقة الأمس، لهذا لابد من احترام تلك الشروط في استخدامنا اللغوي للمفهوم، وإلا جردناه من مقوماته الذاتية. لكن ماذا يحدث في ساحة استخدامنا نحن العرب للمفاهيم؟ هل نحترم ميلادها وتطورها وشروطها؟. لا أعتقد ذلك. إن من يلقي نظرة ولو كانت سريعة على كيفية استخدامنا للمفاهيم، يصاب بالذعر. إنه ليس استخدامًا بل مجزرة". أظن أن التعبير بـ"المجزرة" يختصر لنا الكثير مما نريد قوله.
إذًا، يمكن قراءة كتاب نمو المفاهيم بوصفه دعوة لإعادة قراءة مفاهيمنا. وتوليفة المفاهيم المقروءة في هذا الكتاب، تمسّ مناطق الجرح في واقعنا، ذلك الجرح الذي ما فتئ يتسع، لكن ذلك لا يعني أن قراءة العلي داوت الجرح، فقراءة واحدة لا تكفي، بل لابد من خلق مجال تداولي تتحرك فيه تلك المفاهيم، فنشارك جميعًا في قراءتها ومقاربتها، لنخلق واقعًا جديدًا، ومستقبلاً أكثر ازدهارًا.
وهنا، ولمحورية قضية المفاهيم، سأتناول شقين يتعلقان بالمفاهيم، "العلي ومفهوم المفهوم"، " العلي وقراءة المفهوم".
- العلي ومفهوم المفهوم:
- التعريف:
يقول العلي: "المفهوم هو تحوّل المفردة اللغوية إلى تاريخية"، هذا التعريف يجعل الصيرورة من صميم كينونة المفهوم، فالمفهوم نتاج تراكمي عبر التاريخ، لكن يظل هذا التعريف مقصورًا على جانب واحد من جوانب المفهوم، وهو الجانب التكويني، فهذا التعريف يكشف لنا عن المفهوم في لحظاته الأولى، أثناء تخلّقه في رحم اللغة، لكنه لا يكشف عن ما بعد ولادة المفهوم، أي عن بنية المفهوم، والفضاءات التي يطل عليها، والمفاهيم الأخرى التي يشتبك معها، والحواضن الحضارية واللغوية والفكرية والإنسانية الأخرى التي ينتقل إليها بعد داخل إطار لغته الأم، وخارج إطار اللغة اللغة الأم من خلال الترجمة، لكن تبقى جذوة هذا التعريف كافية في لحظتنا التاريخية التي ابتدأنا فيها الاشتغال على مفاهيمنا.
- جذر المفاهيم
يقول العلي: "أول اشتياقات الإنسان الروحية هو البحث عن المعنى، إن الوصول إلى معنى الوجود الإنساني وإلى معارفه وتصوراته وقيمه ومواقفه وحاجاته الروحية والبدنية، هو هدف الإنسان الأول.. لأنه بهذا الوصول إلى بلورة معنى الأشياء يصل إلى الاطمئنان الروحي ويتخلص من الخوف من كلام المجهول والتخبط في التفسير. لكن البحث عن المعنى لا يقف عند حد، بل يستمر صعودًا.. فكلما وصل الإنسان إلى معنى، يرميه.. ويتخذ موقفًا في ضوئه وتتولد تصورات جديدة تضيف إلى ذلك المعنى ما يزيده، أو حتى ينتقده.. ولما كان كل معنى يتعين فهمه في ضوء التاريخ، والحياة الفردية والجماعية، تنبع من كل ذلك ضرورات للإنسان، وتتولد المعاني الجديدة للمفاهيم.." إذًا، إبداع الإنسان للمفاهيم، كان من صميم حاجته الوجودية، وحركته التاريخية، وذلك ليوائم بين عالمه الداخلي والخارجي، باجتراح معنًى للحياة، وهكذا إلى أن تطور الإنسان الأول، فانتقل المفهوم من فضاء الوجود والمعنى، إلى فضاء الفكر والمجتمع والحياة... فالمفهوم هنا ملازم لحياة الإنسان، والإنسان الأول، ليس فردًا، بل مجتمعًا، فالبيئة الاجتماعية هي التي تغذّي وتكون المفهوم، فالمفهوم حتى يتكون يحتاج لمناخ تداولي ولغوي، وذلك ما يوفره المجتمع.
- - سبب ركود المفاهيم
إن ركود المفاهيم يُرجِئه العلي، بشكل أساسي ليقينية اللغة، هذا السبب الذي يتمظهر بعدة أشكال هي: عدم تحول المفردة إلى مفهوم، وتجاهل الأسباب، وسيطرة التقاليد، وتداخل المفاهيم والقيم، وأخيرًا: تناقض القيم.
يقينية اللغة، هي الوجه الآخر لموت المجتمع، فالمجتمع حياته، بتجاربه الإنسانية، الفنية والفكرية والروحية والعاطفية والوجدانية، فعندما يصف العلي لغتنا بأنها يقينية، فكأنما يعبّر بأسلوب لبق أن مجتمعنا ميت، فاللغة مرآة المجتمع، فثباتها وركودها يعكس ركود وثبات المجتمع.
- العلي وقراءة المفهوم:
لكل شخص منا أسلوبه في النظر للأشياء ومقاربتها، وانطلاقًا من ذلك، وطريقة النظر للأشياء، هي التي تحدد المخرجات المعرفة، فلذا رأيت أن أستعرض لمحات من أسلوب العلي في قراءة المفاهيم، لما لها من بعد منهجي، لا أدعي أني قبضت على طريفة العلي كاملة ف قراءته للمفاهيم، لكن هي لمحات أتت لي أثناء قراءتي للكتاب، رأيت فيها ما ينبغي استثماره، وهذه اللمحات كالتالي:
- - جدل المجتمع والمعرفة:
الفكر، وإن كان يبدو ظاهرة فردية، يقوم عليها أفراد منعزلون عن مجتمعهم بين جدران الجامعة أو غرف التأمل، يقومون باشتغالاتهم في أبراجهم العاجية، لكنّه ـ أي الفكر ــ لا يعرى عن ارتباطه بالمجتمع، هذا الارتباط أو بشكل أدق: الارتباطات لها عدة تجليات، تأثيرًا وتأثّرًا، فعلاً وانفعالاً، بين أطراف الجدلية، فالمجتمع يؤثّر في المعرفة، وكذا المعرفة تؤثّر وتخلق في المجتمع، لكن هنا في هذه المقاربة السوسيو-معرفية، يُراد تبيان التأثير من جانب واحد، وهو دور المجتمع في صياغة المعرفة وبنائها، فالبحث عن أصول المعرفة، يجعلنا نفهم ونعرف المعرفة بشكل أفضل، ولعل هذا ما نحتاجه في لحظتنا التاريخية، أن نعيد طرح سؤال المعرفة، ونضع تصوراتنا عنها وعن كيفية اشتغالها، وعن أهدافها تحت النقد، وكتاب نمو المفاهيم، ليس بعيدًا عن ذلك، فقد بين تأثير المجتمع في المعرفة على مستويين، المستوى الظاهري للمعرفة أي موضوع المعرفة، والمستوى الداخلي أو الباطني للمعرفة أي بنية المعرفة.
- أولاً، تأثير المجتمع على موضوع المعرفة :
ثقافة الإنسان ولغته، بمثابة بمنظار أو عين، يبصر الإنسان بها الأشياء من حوله، فهي التي تحدد ما يمكن أن يرى وما لا يمكن، وهي تحدد درجة وضوح الأشياء، وهذا المنظار أو العين يفعل فعله في المعرفة، فموضوعات المعرفة تتحدد من خلال المنظومة القيمية للمجتمع كما يرى ماكس فيبر، وإذا أردنا استعمال تعبيرات معاصرة، لقلنا: المنظومة القيمية هي التي تحدد المفكّر فيه واللامفكر فيه، والمستحيل التفكير فيه في مجتمع ما.
إلى هنا اتضح دور الثقافة في تحديد أفق موضوعات المعرفة، لكن ما يجعل المعرفة تتخير هذا الموضوع بدلاً عن ذاك هو : وضع المجتمع وحاجاته وهمومه، وكأنموذج، يبين لنا العلي كيف طرحت مسألة الجبر، في توظيف سياسي، لتكريس السلطة في إطار حديثه عن الشك في ثقافتنا: "إن ثنائية الجبر والاختيار هي أول مسألة خاضها الفكر العربي الإسلامي نحو اتجاه يحده الشك.. فقد أشاع الحكم الأموي عقيدة الجبرية لإقناع الناس بأن الخير والشر من الله وأن تقسيم الأرزاق وظلم الناس وسفك دمائهم، كل ذلك، إنما هو بقضاء الله وقدره.. وعليه، كل من قوم بهذه المظاهر من الحكام إنما هو بإرادة الله، وإن الإنسان مجبر على تلك الأفعال، أي أن الحاكم مجبر.. وقد درس هذه الفكرة في العراق زياد بن أبيه (ت 53 هـ) وهذا يعني أنه أشاعها في النصف الثاني من القرن الأول....".
- ثانيًا، تأثير المجتمع على البنية الداخلية للمعرفة:
وكما تؤثّر الثقافة على اختيار المعرفة للموضوعات، كذلك تؤثر الثقافة في تصورنا عن المعرفة ذاتها وعن الحقيقة، فالحقيقة ما هي؟ وأين هي؟ وكيف الوصول إلها؟، هذه الأسئلة لها في كل حضارة وكل مجتمع إجابة مختلفة، وقد ألمح العلي إلى هذه المسألة، وأبرق فيها، فعدد البنى المعرفية المختلفة، يقول مذيلاً العنوان "بنية المعرفة": "هذا مصطلح آخر، يعني أن البنية المعرفية في كل مجتمع، تقوم على أساس التصورات التالية:
- الثنائية: والمعرفة في هذا التصور تكون إما صحيحة أو خاطئة.
- التعددية: وهو تصور يعتقد بأنه يمكن تعدد المعرفة في مجال معين، ويمكن أن تكون وجهات النظر المختلفة على صواب. وهذا يفضي إلى نفي الثنائية اليقينية في المعرفة.
- النسبية: وتعني التخلي عن (الإطلاق) وادعاء امتلاك المعرفة.
- الالتزام: وفي هذا التصور ترتقي المعرفة إلى مرتبة القيمة التي يجب الالتزام بها.
ونحن نعرف أننا من أصحاب التصور الأول، وهو القائم على البنية المعرفية الثنائية"، وما آسف له، أن الكاتب ذكر هذه المسألة وهو في عجالة من أمره، لكونه يتناولها بوصفها جزئية من موضوعه، وإلا فإن قضية البنى المعرفية، لابد من دراستها تفصيليًا، وتبيان السيرورات التاريخية التي أفضت إلى هذه البنى، لكي نعرف هل بنية معرفتنا مناسبة للحظتنا التاريخية أم لا؟
- - نمو المفاهيم:
التاريخية، عندما نحاول استكشاف هذا المصطلح في خارطة العلي المفاهيمية، نراه يتجلى بوصفه همًا معرفيًا أكثر مما هو فكرة، أعبّر بالهم، لكثافة حضوره، بصور وتشكيلات مختلفة، ولأن العلي يعد التاريخية شرطًا لنمو المعرفة، واللاتاريخية عائقًا لنموها.
ومن ضمن صور التاريخية، هي مقولة "نمو المفاهيم"، التي احتلت عنوان الكتاب والورقة الأولى منه، وأيضًا نرى العلي في شتى مواضع الكتاب يؤكّد على أن المفاهيم متحولة ومتغيرة، هذه المقولة تعني قراءة المفهوم في سياق تطوره التاريخي، وأن المفهوم عبارة عن حدث، نتيجة لتراكمات تاريخية، هذه التراكمات سببها التجارب البشرية الجديدة والحراك الاجتماعي والتثاقف مع المجتمعات والحضارات الأخرى، هذا التعريف ، يريد أن يبين أن المفهوم في صميم كينونته يعبر عن الصيرورة، ففي تعريفه للمفهوم "تحول المفردة اللغوية إلى تاريخية"، تأتي الكلمة الأولى "تحوّل"، لتؤكد لنا البعد الزمني للمفهوم.
- - تعدد المرجعيات الفكرية والحضارية
العلي حينما يتناول مفهومًا، فإنه يحاول أن يجعله يستوعب أقصى قدر ممكن من التجارب الإنسانية، وذلك مما يعطي غنًى وجمالية في قراءته للمفاهيم، فعندما يقرأ مفهومي الشك واليقين على سبيل المثال، يتناولهما من مرجعية شعرية ومرجعية فلسفية، وأيضًا نرى تعدد المرجعيات على المستوى الحضاري، حينما يقارب الموضوع من خلال تراث الحضارة العربية الإسلامية، وتراث الحضارة الغربية.
- - القراءة الاشتباكية للمفهوم
حينما يحاول المفكر قراءة الواقع، فإنه لا يقرأ الواقع من خلال مفهوم واحد، بل لابد له من حشد عدة مفاهيمية لمواجهة الواقع، لأن الواقع مركب وغني ومتعدد ومتشابك، فلا يقبض عليه بالمفهوم الواحد. وهنا يأتي السؤال: إذا كنا نقرأ الواقع بمجموعة من المفاهيم، فما طبيعة العلاقة بين هذه المفاهيم؟
لكي أجيب عن هذا السؤال، لابد أن نفهم كيف يختلف الفكر المعاصر عن الفكر في ما سبق؟ أنقل نصًا لعلي حرب يوضح لنا تحولات الفكر : "من حيث الموضوع تحاول الفلسفة النزول من سمائها المتعالية إلى أرضها المحايثة. كان الفيلسوف يهتم، فيما مضى، بالقضايا الكبرى، والمسائل المجردة، والقيم العليا، كالبحث عن السبب الأول وواجب الوجود، أو التطلع إلى مثل الحق والخير والجمال، أو النظر في العقل المحض والأنا المتعالي والأمر الكلي، ومن ذلك كان ينتقل إلى الفردي والجزئي والعرضي، وعلى نحو يؤول إلى اختزال الحدث، أو إلى قمع الرغبة والهوى، مع أن شيطان العقل يكمن في التفاصيل والأهواء والوساوس.
ثمة اتجاه معاكس يشهده الدرس الفلسفي منذ عقود. يتمثل ذلك في اقتحام مناطق كانت مستبعدة من جانب العقل الأكاديمي، أو افتتاح حقول ومساحات جديدة تتشكل من الاهتمام بمفردات الوجود الحي والمُعاش، اليومي والعادي، بنبضه وتوتره، بمعاناته ومكابداته، بالتباساته ومفارقاته، بمآزقه وأفخاخه. ومن الوجود اليومي، بتفاصيله وجزئياته، تتم العودة إلى مسائل الوجود والقضايا الكبرى، لإعادة التفكير فيها وشحنها بالمعنى، بعد أن جفّت ونضُبت، وباتت تحجب وتزيف أكثر مما تكشف وتنير".
هذا التحوّل في قضايا الفكر الذي يصفه علي حرب، من القضايا الكبرى إلى الصغرى، لم يمَس فقط جانب الموضوعات، وإنما مسّ أيضًا بنية الفكر نفسه، فالفكر سابقًا كان منظوميًا/كليًا، يؤسس للرؤى الكونية، أما الآن فالفكر لم يعد منظوميًا يتأسس على ثنائية المركز والأطراف، بل أصبح شبكيًا/جزئيًا/متشظيًا، فلم يعد في الفكر مفاهيم مركزية تنظم حركته، بل أَضحى الفكر مجموعة من العناصر تتواشج في ما بينها، هي التي تعطي قوام الفكر.
من خلال هذه المقدمة نستشف نموذجين لعلاقة المفاهيم بعضها مع بعض، نموذج العلاقة الطولي أو بتعبير آخر: المنظومي، وهو الذي تكون فيه مجموعة مفاهيم حاكمة وناظمة للمفاهيم الأخرى، كما المركز والأطراف، أو القطب والمدار، كما تحكم فكرة عالم المُثُل في فلسفة أفلاطون، أو أصالة الوجود في فلسفة ملا صدرا (هذه أمثلة تمثل حالة الفكر سابقًا)، النموذج الآخر هو نموذج العلاقة الأفقي، أو بتعبير آخر: الشبكي، وهو الذي لا تحكم فيه مفاهيم على مفاهيم أخرى، بل تتفاعل وتتشابك وتتواشج بعضها مع بعض، كما في فلسفات كل من نيتشه ودريدا وفوكو (هذه الأمثلة تمثل الفكر المعاصر)، وهذا النموذج الثاني، هو ما يتبنّاه العلي في قراءته للمفاهيم.
فهو بعد أن ينقل كلام أدونيس في طريقة نظره للتراث، يعقّب العلي: "هذه الفقرة من كتاب (صدمة الحداثة) وصفها الأستاذ نصر أبو زيد في بحث من أكثر البحوث عمقا وموضوعية.. بأنها ((نظرية ديناميكية للتراث))، وأنا أعتقد أنها نظرة تجزيئية قاصرة، لأنها حاولت سحب مقاييس الحاضر على الماضي أولاً، وهو نفسه موقف إسقاط الماضي على الحاضر. وثانيًا هي التي جعلت الثابت والمتحول ظاهرتين منفصلتين عن بعضهما. لقد استنفر أدونيس كل قدراته البلاغية والذهنية للبرهنة على ذلك، ولكنه وقع في ما لابد أن يقع فيه، وقع في أنه جعل التراث، خطين متوازين لا يلتقيان مهما امتدا، لقد وقع فيما يمكن تسميته بـ((التوازوية))، وهي نظرة عاجزة تمامًا عن رؤية جينات المتحول في الثابت، وقسمات الثابت في المتحول.
إن التراث ليس مجموعة من الربوات ينظر بعضها إلى بعض دون أن تجرؤ إحداها على التداخل مع مقابلتها، بل هو مجموعة من الموجات في كل الزمان، إن لقاءها معًا هو الذي يكون البنية العميقة للأمة ويلد التكوين النفسي المشترك.
إن نظرة أدونيس هذه ليست نكرانًا لتداخل التراث وتأثير بعضه في بعض، بل هي نفي لكل المؤثرات التي أفضت به إلى هذه الصيرورة دون تلك، لقد أصبح التراث على يد هذه الفقرة نتاجًا ثقافيًا مجردًا عن أي تأثير روحي أو اجتماعي، لأنها جعلت التراث الروحي وحده، والعاطفي وحده، فأصبح التراث مجموعة من الجزر كما هو عبر الجابري".
لا أظن أني بحاجة للتعليق على هذا الكلام، فرؤية العلي الاشتباكية للثابت والمتحول أوضح من أن توضح، سأتناول نموذجين آخرين ذكرهما العلي، يبرزان اشتباك المفاهيم وتواشجها بشكل أوضح.
النموذج الأول: ما هي طبيعة الجمال؟ هل الجمال "موضوعي" أي خصيصة من خصائص الموضوع كما يرى المعتزلة؟ أم الجمال وليد الذات ونابع عنها، كما يرى الأشاعرة؟ يجيب العلي: "كلتا النظرتين هاتين تعزلان الموضوع عن الذات، والذات عن الموضوع.. وتهملان بعدًا ثالثًا من أبعاد المسألة، وهو ما أسميه: (البعد التاريخي). هنالك ثلاثة أبعاد للمعرفة الجمالية:
1- الجمال في الواقع ذاته، أي ما يترك في الإنسان شعورًا روحيًا بالنشوة.
2- انعكاس الموضوع الجمالي في الواقع أو الفن، في وعي الإنسان، أي الوعي الجمالي.
3- موقف الإنسان من الواقع.. والواقع الجمالي.
موقف الإنسان من الواقع الجمالي، هو ما أسميه: التاريخية. وأعني بها ما عبر عنه المفكر العروي بـ(التاريخانية) التي أوضحها بقوله: ((التاريخانية اتجاه يرمي إلى تفسير الأشياء في ضوء مسارها التاريخي)).
الجمال في الطبيعة هو أساس الإحساس الجمالي، وحين ((بدأ البشر يعرفون الجمال الطبيعة بدؤوا –في الوقت نفسه- يخلقون -ماديًا وروحيًا- جمالاً على نهج جمالها، وعلى حسب تطورهم الفكري والاجتماعي)).
من هنا نصل إلى معرفة أن الإدراك الجمالي يتولّد من الذات والموضوع معًا.. وأن التطور الروحي، أو التاريخ الجمالي، هو الذي يحدد عمق إدراك هذا الفرد أو ذاك للنتاج الإبداعي وعدمه، وشمول هذا الإدراك. فالإدراك إذًا هو ما أهملته نظريتا الجمال السابقتان.. فهذه أهدرت فعل الموضوع، وتلك أهدرت فعل الذات.. وذلك لإهمال دور التاريخ في نمو المعرفة الجمالية".
النموذج الثاني: ما العلاقة بين الرؤية والموقف؟ أيهما أسبق الرؤية أم الموقف؟، يقول العلي: "هل الرؤية بناء ذهني، أو تصورات اعتقادية قائمة في الوجدان، تتسع وتضيق حسب اتساع الأفق الذهني أو ضيقه لهذا الفرد أو ذاك؟ إن هذه المنظومة من التصورات –هل- لابد أن تتحول إلى سلوك؟
أعتقد أن الإجابة واضحة، ذلك لأن الرؤية لو بقيت مجرد تصورات قابعة في أفقها الوجداني، لتساوى في ذلك كل الأفراد، الشجاع والجبان، والصادق والكاذب، المثقف والجاهل، إنها العودة إلى ((الإرجاء)).
الرؤية إذًا لابد أن تتحول إلى سلوك، والسلوك باختصار: إما أن يكون وليد الرؤية وحدها، أو وليد الموقف وحده، أو وليد المخاض الجدلي بين الرؤية والموقف.
بأسلوب ((إما وإما)) القدم هذا نطرح المسألة: لنصل إلى السلوك لا يمكن أن يكون الموقف وحده، وإلا أصبح موقفًا آلياً بعيدًا عن التصرف البشري. أما حين يكون وليد الرؤية وحدها، فهو ممكن، ولكنه يكون سلوكًا يعطي ظهره للواقع، ولا يقوم بأهم خطوة إنسانية وهي الاختيار.
إذًا، فالسلوك الإيجابي هو ذلك الذي يتولد من المخاض الجدلي بين الرؤية والموقف، وهنا تبرز مسؤولية المثقف، وخطورة دوره الاجتماعي".
ربما أطنبت كثيرًا في تبيان القراءة الاشتباكية للمفاهيم، بسردي لثلاثة نماذج مطوّلة، لكن برأيي، أن هذه النقطة هي أهم ما يميز قراءة العلي للمفاهيم، ولذلك تجشمت لها كل هذا العناء، وقد يبتدر السؤال: لماذا القراءة الاشتباكية الأفقية للمفاهيم أنجع من القراءة الطولية؟ أجيب على ذلك كما رد العلي على أدونيس: أن القراءة الطولية هي قراءة من جهة واحدة، من الأعلى إلى الأسفل، تتعامى عن تأثير الطرف المقابل، أما القراءة الاشتباكية فهي تحفظ دور الطرفين في العملية.
- هموم العلي الفكرية:
المثقف، هو ابن مجتمعه، فهو يعكس هموم وتطلعات وأحلام المجتمع، وهكذا أقرأ محمد العلي، بوصفه مثقفًا يحمل همّ مجتمعه، فلذا، جميع أسئلته، وشغله المعرفي، هي استجابة لمكامن الخلل في المجتمع. أهم هذه الأسئلة هو سؤال المعرفة العلمية، متى سنتمثّل مفهوم السببية في ثقافتنا؟، سؤال الحداثة، ما هو التقدّم؟ وكيف السبيل إليه؟ سؤال المفهوم، هل فهمنا للواقع يتسم بالصحة؟ كيف نكوّن فهمًا صحيحًا للواقع؟ سؤال التاريخ، هل لدينا وعي بالتاريخ؟ هل نحن داخل التاريخ أم خارجه؟، هذه الأسئلة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل مترابطة، يفتحنا كل سؤال منها على الآخر، فلا يمكن الإجابة عن أحدها دون البقية.
تلك الأسئلة، قاربها العلي بأدواته المعرفية في "نمو المفاهيم" وفي غيره من الإصدارات، لكن ليست هنالك إجابة نهائية لمثل تلكم الأسئلة، ففي الفكر، ليس هنالك جواب للإشكالية، فقط هنالك زحزحة للإشكالية، بفتحها على أفق جديدة، ورؤى مبتكرة.
- نظرة انطباعية عن الكتاب:
بالنسبة لي، أول مواجهة مع الكتاب كانت في العام الماضي، لم أقرأه بالكامل، لكن وقفت على بعض الأوراق، واجهت الكتاب بنبضات قلب متسارعة، ووقفة مشدوهة، فالكتاب ليس بما يقدم لك من معلومات، بل بما يفتح لك من آفاق جديدة للتفكير والفهم والتفسير، فالكتاب فتح لي طريقًا جديدة في التفكير ببعديه المنهجي والتطبيقي،
- كلمة أخيرة:
المفاهيم أساس المشكلة، ولابد من التعامل معها، أما الكتاب، تتلخص أهميته في أمرين: بمنهجه لا بمادته، وبرسالته، لا برؤاه، أما رسالته: لنشتغل على مفاهيمنا!.
أيضًا، لابد لنا من بنا نموذجنا للعقلانية، لتثبيت وجودنا الحضاري، عقلانية لا تتسم فقط بالسببية، فذلك اختزال للكائن، نريد تبني نموذجًا منفتحًا للعقلانية، أي تلك العقلانية المفتوحة على الجمالي والتخييلي، فالجمالي يفتحنا على الكائن، أي على ذواتنا، والتخييلي، يفتحنا على الممكن، أي المستقبل.
جديد الموقع
- 2026-04-22 غناء الرضا
- 2026-04-22 مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
- 2026-04-22 صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين على إقامة مسابقة القرآن الكريم والسنة النبوية الثانية لدول قارة أفريقيا بجمهورية السنغال
- 2026-04-22 قصائد تنبع من المجتمع وتعالج قضاياه
- 2026-04-22 «كرسي الكتاب العربي» يتطلع للإسهام في بناء حقل معرفي للكتاب العربي وتطوير حقوله المعرفية
- 2026-04-22 سمو أمير المنطقة الشرقية يدشّن المرحلة الثانية من مبادرة صيانة 100 مسجد بمحافظة الخبر
- 2026-04-22 *هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمحافظة الأحساء تنفذ برنامجًا تدريبيًا بالتعاون مع الدفاع المدني*
- 2026-04-22 *تقنية وصحة الأحساء يبحثان تعزيز التعاون والشراكات المجتمعية*
- 2026-04-22 حياة الفهد أيقونة الساعة
- 2026-04-21 ماهي مراحل توثيق تاريخ الأحساء