2018/08/28 | 0 | 897
ضلال أم إضلال ؟
ولعل مكامن الخطر في تداعيات تداولها ؛ دخولها حيّز (الفتاوى الدينية) ، حيث يتم أدلجة الخطاب التديني والتمذهبي وفق سياقات ومسارات (تجمهريّة) ..
بمعنى أن توصيف (الضلال والإضلال) يتحرّك من إطار التنظير والتأصيل الديني ، إلى الميدان الاجتماعي والثقافي ، ويلعب لعبته الحساسة في رسم رؤية دينية مهيمنة على النسيج الاجتماعي .
ولعل ما زاد لهيب الظاهرة ، ملاحقتها للمقولات والأفكار والعبارات والاطروحات الثقافية والفكرية والدينية .
وهنا تبلغ الحالة أشدها حينما تُرصد (الشخوص) وتطبّق عليها الأحكام والأوصاف ، ليتم تسييج هذه الرؤى وفق تقييمات جاهزة مسبقة ..
فينشق المجتمع ، وتضطرم بين جماهيره حرب مستفحلة بين مؤيد ومعارض ..
هذا يضرم النار لصالح فريقه ، وذاك يزيدها إشعالاً لنصرة فريقه ..
وكل منهما يجرّ أفهامه من النص الديني ، أو الأفق الفكري .. لتعزيز الموقف وتوسعة الخصام والإقصاء ...
ومن المهم في ظل هذه التجاذبات الحامية ، رصد مجموعة من المخلّصات المنهجية ، لصياغة حلول تجمع الأطياف :
١- أن مقولة (الضلال والإضلال) مبنى اجتهادي ، وقد يقيّد بالظروف الزمانية والمكانية نتيجة متغيّرات اجتماعية وثقافية .
وهي مقولة توصيف وتشخيص وحكم ، مما يعني أن للمكلّف مساحة خاصة يستطيع عبرها تمكين تشخيصه وحكمه للقضية المثارة ، وإدراك مسألة المصلحة والمفسدة لكيان الدين والعقيدة .
٢- الضلال عبر هذا التداول المجيّش ؛ مفهوم مطاطي وقابل لعدة تأويلات وتطبيقات ، وقد يكون نسبياً ، ومتفاوتاً في مصاديقه وتطبيقاته ، سواء على مستوى أصول الدين العامة أو أصول المذهب أو ثوابت الأحكام .
وتبعاً لذلك قد يكون هذا الوصف منطبقاً على شخص وفق نظرة محددة ، وقد لا يكون منطبقاً .
وقد يكون انطباقه نتيجة اختلاف في فهم بعض الأصول الدينية أو الفقهية ، وقد يمتنع الانطباق نتيجة الاختلاف المنهجي في الاجتهاد .
ولعل الأكثر اختلاطاً في المسألة أن يتحرك المتصدي لمقولة التضليل ، وكأنه بمنأى عن (الضلالة) التي يحارب لأجلها ، ولو على مفهوم مختلف من نظره ، وكأنه الحارس الوحيد للدين والمذهب .
وفي بعد آخر لا يعي هذا المتصدي بأن (أطروحته) قد تكون تضليلية قبل أن توسم المقولة التي يعنيها بالضلالة .
أي أنه قام بمسخ لمقولة الضلال ، فجعل غيره (مضلاً) ، ويحسب نفسه أنه بمنأى عما نهى عنه ، والنتيجة أن تكون دعوته هذه (إضلالاً) في الدين والمنتمين إليه .
بمعنى أنه أوهم المتلقين بضلال فكرٍ ما ، وأخذ يخوض حرب مواجهة مفتعلة وغير حقيقية .
وبتعبير أدق :
هو يضلل كل من لا يتفق مع فهمه للدين ، أو مزاجه التديني النفسي ، أو ما يتفق مع ميراثه الفكري ؛ وكأن مزاجه وحدود فهمه (من غير أن يشعر) صار المعيار للدين .
وبالرجوع لبنية الاجتهاد وطبيعته ، تكون هذه الأساليب بعيدة عن ممارسة الاجتهاد الشرعي المعهودة .
وفي هذا تكون مخاضاته من الفتن التي تشق عصا المجتمع وتهدم البنيان المرصوص .
٣- مفهوم الضلال غير مفهوم الإضلال ، فالضلال توصيف وحكم يطلق على مفاهيم ومعاني تقع بالضد من مفاهيم الحق والهدى الديني أو المذهبي أو فهمهما (الدين أو المذهب) ، بينما الإضلال ، زيادة في قصد الشخص وغرضه في تشويه وإفساد المبدأ الديني
وهاتان قضيتان مختلفتان ، ولكن للأسف يكثر الخلط بينهما .
فقد تكون هنالك مقولات ضالة ، ولكنها غير مُضلّة من ناحية غرض قائلها (أي أنه لا يقصد بذلك الإفساد والتشويه) .
لذا نجد عند السيد الخوئي أن المراد من كتب الضلال هو المُضل فيها بقصد ذلك ، قال : " المراد بكتب الضلال : كل ما وضع لغرض الإضلال وإغواء الناس وأوجب الضلالة والغواية في الاعتقادات أو الفروع " (مصباح الفقاهة للخوئي / المكاسب . ص ٣٩٥)
وهو يرى أن لا محظور في حفظ كتب الضلال ، حتى مع اشتمالها لهذا الوصف ؛ إذا كان المكلف قادراً على صيانة عقله منها ورد أباطيلها .
قال : " ... المتيقّن من الإجماع ما يترتّب عليه الإضلال خارجاً ، ولا ريب أنّ حرمة إضلال الناس عن الحقّ من الضروريات بين المسلمين ، فلا يحتاج في إثباتها إلى الإجماع .
ثم لو سلّمنا حرمة حفظ كتب الضلال فإنّه لا بأس بحفظها لردّها ، أو إظهار ما فيها من العقائد الخرافية والقصص المضحكة والأحكام الواهية " (نفس المصدر) .
وهو بذلك يؤسس لمبدأ فكري قبال فكر الضلال ، وهو التسلح بالعلم والبرهان لمناقشة الفكر مهما ضل وشط بعيداً عن الدين .
٤- معياريّة الضلال والإضلال في التوصيف والمفهوم . لا بد من تحديد معيار ثابت ومائز بين مقولتي الضلال والهدى والحق والباطل ؛ وإلا ستكون المعايير مشاعة وغير ضابطة للتوصيف والحكم .
ولا بد من شق طريق جديد لتأصيل الحوار والمناقشة العلمية والدينية الحقة ، بدلاً من التراشق الديني والإقصائي . بخاصة أن القرآن أصّل كثيراً لمبدأ الحوار والبرهان .
ففي الطرح القرآني نجد ذكراً لأخطر المقولات الحساسة في العقيدة والأحكام ، ونجد أن الأسلوب القرآني يعلمنا كيف نجابه تلك المقولات مع خطورتها ؛ وأن لا ننشغل بالتوصيف والحكم الذي يعزز موقف المحاربة والإقصاء من تلك الاطروحات .
٥- الضلال على فرض ثبوته وتحققه ، لا يعدو كونه سبيلاً بعيدا عن الحق والدين الأصيل ، وهو بهذا الحد لا يعتبر محاربة فكرية للدين وأتباعه ، لذا فاللازم أن نبيّن تفاصيل الدين ونوضّح تعاليمه ، دون إكراه أو إجبار ، وسيعرف المتلقي أحقية الطرح من باطله حينما يتابع الجهود الفكرية لتناول تلك المقولات .
أما الإضلال فهو على احتمالين :
# إما أن يتقصّد الشخص بطرحه الإفساد والتشويه للدين ومن ينتمي إليه ( سواء عن عناد ومعرفة أو جهل وقصور) ، فيكون دورنا الرد العلمي وتوضيح الملابسات والشبهات ، وعدم إشغال المجتمع بالتراشق والتهم والتلاسنات .
# أو أنه يجهل ما يتحدث عنه ولديه قصور في ذلك فنرشده وندله على الصواب بأسلوب علمي .
وعلى كلا الاحتمالين ، دورنا دفع (الضلالة) من غير إحداث شرخ اجتماعي ونفسي للاطروحات الفكرية والثقافية .
ويكفي - عقلياً - في مناقشة هذه القضية ، قياس نتائج الأسلوبين وأثره في المجتمع الاسلامي والإنساني .
أي أسلوب توصيف الضلال للآخر ، وأسلوب المواجهة العلمية والحوارية .
ولا أظن الواعي والمتبصّر بمنأى عن إدراك الأثر لهذين الأسلوبين ! .
٦- الضلال والإضلال حكم على نتائج ، أي أنه بالعادة يتم الحكم على المقولات المستخلصة من مقدمات ومعطيات وبراهين . ولكي نكون أكثر نزاهة وموضوعية ودقة ، علينا معرفة المقدمات والبراهين أولاً ، والتي قادت لتلك النتائج ، من ثم الحكم عامة على المقولة .
وما يحدث الاكتفاء بالنتائج والحكم عليها بمعزل عن مقدماتها ، أو بافتراض مقدمات مسبقة نسقطها على المقولة .
وفي ذلك إجحاف علمي بطبيعة المقولة ، والأولى استدعاء ما يمت للنتيجة من مقدمات ومناهج وبراهين ليكون الحكم تاماً دقيقا .
ولو حاول أدعياء (التضليل) استيعاب الآخر في مقولاته بشكل شمولي ونزيه ، لربما جعلهم يتريثون في إصدار الحكم ، أو إعذاره في بعض المواطن .
وبأقل التقادير يتم بذلك معرفة الطريق الذي ارتكز عليه الآخر في رأيه وفكره ؛ لنستوعب طرحه ومبناه ومنهجه ؛ فيتم بذلك مناقشته على أتم وجه .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية