2015/03/31 | 0 | 1453
ثالوث التنوير ومجهر الشك
تفشل كل المراهنات على التنوير إذا لم تبدأ بهذا الثالوث. التنوير المنكوب بنرجسية الوعي لا يتوقف عن التبشير بالعقلانية، والوعي، وضرورة التثقيف. الوعي، ولا شيء غير الوعي، هو المتَّكأ التنويري للتنمية، أو التغيير، لبناء المجتمع، والصحة النفسية، كل شيء يبدأ، وينتهي بالوعي. مزيد من الوعي فقط، عن طريق الحث التربوي البليد، والممل، والمضجر على القراءة، أو ربما الوعظ الكهنوتي، هو كل ما يمكن أن يقدمه لنا هذا الخطاب المغرور، والنرجسي جداً.
أمام هذه المراهنة الغبية تتأكد أهمية الاستعادة التي أجراها عدد من الفلاسفة مثل «ميشيل فوكو، ودريدا، وبول ريكور»، لذلك الثالوث الارتيابي، الذي شكَّل، ويشكِّل «إهانة نرجسية» للوعي. يشكِّل ماركس، ونيتشة، وفرويد ثالوثاً تنتظم فيه فلسفة الريب. يطرح هذا المزيج رغم كل التفاوتات أسئلة كافية لتدمير، ليس الأشياء الخارجية، وإنما الوعي ذاته. سابقاً كان الشك بوعي الأشياء الخارجية، بمعرفة الواقعي، وإدراكه، أما هنا فالشك يطال هذا الوعي ذاته، الوعي، أو الذات هي المُسَائِلةُ، والمهانة نرجسياً.
يقول فرويد إن البشرية شهدت ثلاث إهانات نرجسية، الأولى كانت مع الهزة «الكوبرنيكية»، التي أزاحت الأرض عن دور المركز لتصبح طرفاً على هامش مركز آخر، والثانية كانت مع الداروينية، التي أهانت النوع البيولوجي «بمعزل عن صحتها علمياً»، أما الثالثة فكانت مع فرويد نفسه، إذ اتضح أن ثمة متوحشٌ همجيٌ يحكم الوعي الإنساني هو «اللاوعي».
لاستعادة هذا الثالوث «ماركس، نيتشة، فرويد» أهمية قصوى لتفتيت الأقنعة. إن الوجه ليس سوى قناع، الوعي جهل مقنع. ثمة راهنية إذاً يعمل على تأكيدها بول ريكور لهذا الثالوث بصفته أركيولوجيا للذات، تحريراً أقصى للذات عبر كشف الأقنعة، ومحاربة تضليل الوعي لنفسه.
كلٌ على طريقته، يعمل كل واحد من هذا الثالوث على إظهار المحتجب، فبينما يعمل ماركس على كشف البنى الاقتصادية، يفضح نيتشة الدوافع اللاأخلاقية للأخلاق، أما فرويد فيضيء الدوافع اللاواعية للوعي. هكذا يلتقي هؤلاء الثلاثة في ضرورة الهدم، هناك أشياء ينبغي أن يطالها التدمير، ثمة عنف ينبغي استحضاره هنا، يتلون وفقاً للتنوع، والاختلاف داخل هذا الثالوث نفسه، هنالك عنف ضروري، يأخذ شكل ثورة عند ماركس، وديناميت لتفجير المعنى، والأخلاق عند نيتشة، ورؤية سيكولوجية تفترض تعنيفاً مسبقاً للوعي، حيث تبدأ الصحة النفسية عند فرويد بتحقير الوعي نفسه، والحفر في طبقاته وصولاً إلى مسبباته، وعوامله الأكثر عمقاً.
ثمة معنى «مخبوء»، «لغة خارج اللغة»، لغة لا تقول بالضبط ما تقوله، هذا ما يعمل الثالوث على إبرازه. لهذا السبب يبدو الثالوث محط اهتمام فلسفي.. «ماركس، نيتشة، فرويد»: عنوان يختاره كل من «ميشيل فوكو» لمداخلته حول القوة، والخطاب، وأركيولوجيا الذات، و»بول ريكور» بصفته تدشيناً، وفاتحة لصراع التأويلات.
أين يلتقي هذا الثالوث؟ من تفتيت المكان، لم يعد المكان متجانساً بدءاً من القرن التاسع عشر كما يقول فوكو، قرن الشك، والريب، وتفتيت المعنى، فمع ماركس نشهد انغماساً في الضباب لكشف التسطيح، والتفاهة، والأقنعة البرجوازية، ومع نيتشة تقوم «الجينولوجيا» بقلب الأعماق كما يقول فوكو، وإفراغ الأخلاق من القيم، ومع فرويد نلمس توغلاً لهذا المكان اللامتجانس إلى داخل النفس بعد أن كان خارجها «المجتمع والأخلاق».
إن الاستعادة تأخذ أهمية مضاعفة، خاصة إذا ما عرفنا التشوهات التي طالت الأيقونات الثلاث. إذا كان الوعي مضللاً، فلهذا الثالوث نفسه مآل التشويه، كما لو كان ثمة قدر تضليلي يهدد كل شيء بدءاً بالواقع الموضوعي الخارجي، ومروراً بالوعي، وانتهاء بالنقد نفسه. النقد الذي تحوَّل إلى مذهب، إلى مقولات ثابتة، وقوالب نظرية جاهزة، ونهائية، تفرض إكراهاتها على الواقع حين تعجز عن مسايرته، على هذا النحو تصبح الماركسية «اقتصادوية» فجة، والنيتشوية رفضاً عدمياً للأخلاق، ودعوة فاشية، أما الفرويدية فتتقلص إلى جنسانية مهووسة برد كل الأشياء إلى «أيروس». إن محطم الصنم يبدو مثل صنم جديد.
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*