أقلام وكتابات
2019/04/11 | 0 | 429
(الشهيد الصدر) علَامة تفسيريةٍ ومنهجيةٍ فارقة
شغل (البعدُ الفلسفي) الشهيدَ في مشروعه الفكري ، ولم تنقطع صلته بالفلسفة (نظرياً وتطبيقياً) بمجرد أن أنجز كتابه (فلسفتنا) ، لأن مشروعه الرسالي والتجديدي ضاربٌ في عمق الواقعية بمنحاها الاجتماعي ، وهو مهموم بصياغة النظريات الإسلامية الكبرى ، ليستعيد مكانة البعد التشريعي والقانوني للإسلام . وقد بدا ذلك بشكل جلي في (اقتصادنا) وَ (دروس في علم الأصول) .
فالواقع الذي عاشه في الخمسينات هو الذي حفّزه لاستنطاق البنية الفكرية والتشريعية للإسلام .
ومن الواقع أشعل شرارة الانطلاق لمعالجة الأزمات المعقدة التي كان المسلمون متشابكين فيها .
ومن واقع المسلمين في تعاملهم الجامد مع القرآني ، بالأخص ما تعانيه الحوزة العلمية آنذاك من : إهمال في الدرس القرآني - إلا في حدود التعاطي الفقهي المألوف - انطلق ليفجّر بنهجه طريقاً يكشف عن الوجود المتفاعل للنص القرآني في تحريك كل واقع وتنميته .
ومن الواقع يعود إليه مرة أخرى بصياغة الحلول والبدائل الكفيلة بانتشال المسلم مما وقع فيه .
حيث كان مُسك ختامِ عمره الشريف - وقبيل أن ينال شرف الشهادة بأشهر - شرع الشهيد بمنجزٍ بكرٍ على مستوى الحوزة والدراسات الإسلامية ، وهو سلسلة محاضرات في التفسير الموضوعي لظاهرة السنن التاريخية وموقف القرآن منها .
مؤكدا فيه هيمنة القرآن وقيمومته ، وقدرته غير المحدودة لصياغة رؤية متكاملة تبني الإنسان من جميع جوانبه .
فهو في هذه المحاضرات يربط الإنسان بنبع القرآن ، ليستنبط منه القوانين العامة لحياته الاستخلافية .
وقد تجمّع في هذا النتاج المحاضراتي ثلاث قنوات معرفية (التفسير والفلسفة والتاريخ) ، فالسنن التاريخية هي إطروحة تتزاوج فيها الفلسفة بالتاريخ ، ومنبع هذه السنن كلام الله ، وطريقة الوصول للمفهومات القرآنية علم التفسير .
وهو إذ يطل تاريخياً للنص القرآني قاصداً استنباط قوانين التاريخ الكلية وأصوله التي يتفرع عنها الأحداث والمجريات ؛ وهذه الرؤية لم نجدها ماثلة في كتابه (فدك) والتي أطل فيها على تجربة تاريخية محددة .
وهو إذ يستنطق بمنهجه الحركي الآيات بنحوٍ منظّمٍ وممنهج ؛ فإنه يسبق هذه العملية المعرفية بتجميع الآراء والنظريات والمواقف البشرية حيال ظاهرة السنن التي تتمرحل تاريخياً ، ليوحّد - بعدها - بين اتجاهات الواقع وَ الرؤية القرآنية .
وهذه الخطوة التوحيدية بين الواقع والقرآن ، تُنبِىء عن نزعةٍ جديدة في منهجيات علم التفسير ، لم يقارفها أي أحد من المفسرين قبله .
وفي الوقت ذاته لم يعرف الفلاسفة الغربيون أو علمائهم طريقاً يجمع بين التجربة البشرية ورؤية القرآن .
بل كل ما يعرفونه أن الوحي والغيبيات اللاهوتية قاصرة عن رصد القوانين النظرية والتطبيقية الملائمة لواقع البشرية .
والشهيد بخطوته الفريدة ركّب بين اتجاهين :
١- الواقع وما يتمخض عنه من تجارب بشرية ونظريات علمية موضوعية .
٢- الاستشراف برؤية النص القرآني وبعده القيمومي المهيمن .
والشهيد بهذا المنعطف المنهجي لا يريد منازعة المفسرين فيما قدموه من جهود تصب في الاتجاه التجزيئي ، ولا يريد أيضاً محاكاة الدراسات الحديثة في بعدها التنظيري المجرّد ؛ بل يريد أن يفتح أفقاً أعمق وأوسع في مناهج التفسير ، حينما يزاوج بين مفرزات التفسير التجزيئي وما يفترض أن يكون عليه المستوى الموضوعي من جمعٍ ممنهج لآيات القرآن ، للكشف عن روابطها وتآزرها في صياغة أسسٍ ونظرياتٍ تقدم للبشرية .
وهو على وعيٍ ودرايةٍ بنواقص اتجاه التفسير التجزيئي ، حينما يصف مفرزات ذلك الاتجاه أنه : 《 في حالة تناثر وتراكم عددي :
١- دون أن تكتشف أوجه الارتباط ، والتركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار .
٢- ودون أن نحدد في نهاية المطاف ، نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة ... 》 (السنن التاريخية ص٣٠) .
حيث يربط هنا بين بعد المعنى وبعد الغايات والمقاصد الاجتماعية للنص المقدّس .
وينبّه بهذا المنهج عن جمود المسلمين ، وتغييبهم المهمة الأساسية للقرآن في بناء الإنسان والمجتمع .
وبشكل سريع أشار الشهيد لأهم إشكاليتين طالتا الاتجاه التجزيئي لتفسير القرآن :
١- 《 وقد أدت حالة التناثر ونزعة الاتجاه التجزيئي ، إلى ظهور التناقضات المذهبية ... 》 (ص٣١) .
٢- النزعة الروائية المفسِّرة ، إضافة لبعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية التي تدعم هذا المسار كشعبة من علم الحديث (ص٣٣) .
فالتمذهب وطغيان البعد الروائي (خاصة ما مُني من إسرائيليات وموضوعات مختلقة ، وما لابس التدوين من ظروف وعوامل) ، حيث نالا من النص القرآني ما ناله من تجيير وتحييز وإلواء لمعانيه ومقاصده ، ليصير نصاً محقناً بشوائب مسبقة ، مؤطرة الملامح لمبتغيات مذهبية وسياسية ومصالح تعارض الدين نفسه .
ويتحوّل المفسِّر من مستنطِق يتلقى ما يرشد القرآن إليه ؛ إلى عليمٍ يوجّه القرآن بما تشير له مذهبيته وحصيلته الروائية المتناقضة .
ولكي يعيد الشهيد للمفسر مهمته ووظيفته ؛ فإنه ينطلق من دلالة (الاستنطاق) الذي جاء في رواية عن الإمام علي : 《 ذلكم القرآن فاستنطقوه ... 》.
حيث تقتضي دلالتها أن يقف المفسّر موقف السائل المحاور الذي يحمل كل إشكالات واقعه وأزماته الكبرى ، ويسبر بشكل فعّال أعماق الآيات للكشف عن رؤية القرآن .
وقد وسم الشهيد هذ الطريقة بالاستجابة الفعّالة ، ووسم الطريقة التجزيئية بالاستجابة السلبية ؛ لأنها تسير في حدود اللغة والمطابقة الروائية كدلالة ، وإحادية الحركة ما بين الذهن والنص .
أو كما عبّر عنها : الحديث مع القرآن من طرف واحد .
والقرآن - كما وصفه الشهيد - : 《 كلمات الله ، وكلماته لا تنفد ، بينما اللغة التي تقوم على أساس كلماته التفسير اللغوي محدودة في الزمان والمكان ، محدودة في مدلولات ألفاظها المحصورة ضمن عدد معين من الحروف الجامدة 》 (ص٣٧) .
والمفتاح الاستنطاقي الموضوعي الذي يعنيه الشهيد يساعد على أن : 《 يلتحم القرآن مع الواقع والحياة ، لأن التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن بوصفه القيّم والشاهد الذي تُحدد على ضوء مفاهيمه ونظراته الربانية أطرُ ما ينبغي أن تكون عليه اتجاهات الواقع الإنساني 》 (ص٣٧) .
وهنا المفارقة من خلال تحديد نقطة البدء لعمل المفسر ، فلأن الواقع الإنساني والكوني لا يحده زمان أو مكان ، وبذلك يكون الاتجاه التجزيئي منعزل عن الواقع وتراث التجارب البشرية .
وهو إذ يستشعر خطورة ودقة هذا المنهج ؛ لاحتمالية أن يتشبع المفسر من التجربة البشرية فتؤثر على سير خطته ومعالجته ونتائجه ، وبالتالي هوية الموضوع وانتمائه ، نراه يؤكد على المفسر أولاً ؛ أن :
《 ١- يستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل ، وما قدمه الفكر الإنساني من حلول ، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ .
٢- ثم يأخذ النص القرآني - لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب - بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية ويبدأ مع النص القرآني حواراً على شكل سؤال وجواب (...) يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبراً فيبدأ مع النص القرآني حواراً حول هذا الموضوع .
٣- وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح ، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات ... 》 (ص٣٧) .
وهذه الخطوات كفيلة بتحييد عمل المفسر وتنزيه منهجه من خلط المحمولات المعرفية المسبقة برؤية القرآن الأصيلة .
وسأختم إطلالتي السريعة بذكر مثال تطبيقي لرؤية الشهيد الفارقة لمدلول الآيات ، مقارنة بنظرة المفسرين التجزيئية المحدودة ، وهو قول الله تعالى :
(( إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ )) [سورة الرعد 11] .
وبمرور سريع في مدونات التفسير نجد أنهم يشيرون لمعنى متقارب ، هو :
إن الله لا يسلب قوماً نعمة حتى يعملوا بمعاصيه التي يستوجبون بها العقاب ، فإنه يعاقبهم . (انظر تفسير التبيان للطوسي) .
حيث ربط المفسرون مفردة التغيير بنحوٍ تطبيقي على (النعم) .
بينما الشهيد يسلط الضوء من نافذة أوسع ، إذ يقول :
《 التغيير هنا أسند إليهم ، فهو فعلهم ، إبداعهم وإرادتهم ، وحينما يحتل إبداع الإنسان واختيار موضوع الشرط والقضية الشرطية ، تصبح السنة التاريخية متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان ، بل إن السنة حينئذٍ ، تزيد الإنسان اختياراً ، وقدرة وتمكناً من التصرف بموقفه ... 》(ص٩٢) .
ولك - قارئي العزيز - أن تلاحظ البون الشاسع بين النظرة الانطباقية ؛ التي سار فيها المفسرون ، وبين النظرة التقنينية السننية الجديدة ، والتي تفتح أفقاً أوسع لاستنطاق مداليل الآية بأطرها الكلية .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية