2017/01/31 | 0 | 2146
الحس المؤسساتي لدى المثقف السعودي
لهذا جئت هنا لا ليكون حديثي عن مؤسسات ثقافية قامت اليوم فقط في المملكة العربية السعودية، بل لأتحدث ولو بصورة موجزة وذلك لضيق المقام، عن نشأة وبداية الحراك المؤسساتي في السعودية، أي ليكون حديثي عن الفعل المؤسساتي الذي قام به المثقف السعودي قبل عقود من نشأة المؤسسات الثقافية الحديثة، بعناوينها الحالية، أي المؤسسات الرسمية التي تراعها اليوم الدولة.
وهنا يأتي سؤال خصوصا ونحن نعرف بأن المملكة العربية السعودية بمساحتها الشاسعة اليوم تعد موطن للكثير من الحضارات القديمة:
متى ولدت المؤسسات الثقافية في السعودية؟
بل دعوني أغير السؤال إلى من أتى بالمؤسسات الثقافية في السعودية هل هو المثقف (بالمعنى الواسع لهذه الكلمة) أو المؤسسات هي من جاءت به؟ أي هل المثقف ساهم وساعد في ولادة ونشأة المؤسسات الثقافية، أم كان الفعل المؤسساتي لدى المثقف السعودي غائبًا إلى أن جاءت الدولة بعد ذلك وأنشأت المؤسسات الثقافية لترعى الحراك الثقافي في المجتمع، والإجابة على هذا السؤال مهم جدا في نظري لماذا؟ لأن الذي يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو الإنسان السعودي، والظروف التي جاءت بعد ذلك بالمؤسسات الثقافية التي أقامتها الدولة أي بمعنى آخر تاريخ العمل المؤسساتي، ففي نشأة المجتمعات الحديثة كان الإنسان هو من يدفع نحو تشكيل المؤسسات الثقافية، لتأتي الدولة بعد ذلك فتحتوي هذا الحراك الثقافي أو تساهم في نموه، هل المثقف السعودي مر بذات الحالة أم كان على العكس منها، أي إن المؤسسات الثقافية الرسمية اليوم هي من دفعت المثقف السعودي وشجعته على العمل المؤسساتي.
سوف يقتصر حديثي على نموذجين للمؤسسات الثقافية الرسمية في السعودية، نموذج النادي الأدبي ونموذج جمعية الثقافة والفنون، كون هذين النموذجين هما من يتصدران رعاية الأنشطة الثقافية والفنية في المملكة العربية السعودية، لأدلل على أن هاتين المؤسستين سبقهما فعل مؤسساتي شبيه بهما أن لم يكن مطابقا لعنوانهما قام به المثقف السعودي قبل قيام المؤسسات الثقافية الرسمية، كذلك سوف أشير لعمل مؤسساتي حديث للمثقف السعودي، استطاع أن يستثمر فيه المثقف وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) ليؤسس لفعل ثقافي قائم على رعاية المؤسسة، وهذا يبين إلى أي مدى كان الحس المؤسساتي ينتقل من جيل إلى آخر في مسيرة المثقف السعودي إلى أن وصل اليوم إلى الجيل الحالي الذي يتعاطى مع التقنية الحديثة، وكيف استثمر هذه التقنية في توظيفها إلى عمل تكون فيه المؤسسة ركيزة هامة في رعاية الحراك الثقافي.
وهنا قبل أن أتحدث عن التاريخ الحديث للفعل المؤسساتي في السعودية، الذي سوف أقصره على تاريخ الدولة السعودية الثالثة، أرى بأني يجب أن أذكر
ماذا تعني المؤسسة؟ تعني التأسيس لعمل أو مشروع والاستمرار عليه، طبعا هنا المقصود التأسيس لمشروع ذي صبغة اجتماعية، والمثقف السعودي كان مسكونا بعملية التأسيس هذه قديما وحاضرا، لوعيه بقيمة العمل المؤسساتي.
لماذا كان المثقف السعودي مسكونًا بالعمل المؤسساتي؟ وما الذي كانت تعنيه المؤسسة له؟
قد يكون رأي المفكر الأمريكي صاحب كتاب "المثقفون والمجتمع" وهو في نفس الوقت عالم اقتصاد، إجابة عميق، فهو يعلل في كتابه المذكور عن حاجة المثقف للمؤسسة قائلًا:
" و تماما مثلما تتجه السلاحف التي فقست حديثا بشكل غريزي نحو البحر، فإن أولئك الذين تتمثل منتجاتهم النهائية في الأفكار يميلون إلى الانجذاب نحو المؤسسات، حيث تكون أفكارهم أقل عرضة لمخاطر التشكيك والتكذيب بالوقائع"
قد يقول بعضنا ما دخل السلاحف في أن يشبه فعل المؤسساتي للمثقف بها، أظنه في مثاله هذا يريد أن يقرب الفكرة أكثر ويبين للقارئ مدى عمقها، ليقول إن المثقف أو من يعمل بصناعة الأفكار للمؤسسة أشبه بالحاجة الغريزية المفطور عليها الإنسان.
وكما وعدتكم قبل قليل سوف يقتصر حديثي على ثلاثة نماذج من العمل المؤسساتي في السعودية، نموذج النادي الأدبي ونموذج الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، والنموذج الثالث العمل المؤسساتي في ظل (السوشيال ميديا)
أول نادي أدبي في السعودية :
كتب الأستاذ محمد القشعمي مدير الشؤون الثقافية في مكتبة الملك فهد الوطنية في صحيفة عكاظ قبل أكثر من عام متحدثا عن نشأة أول نادي أدبي سعودي حيث قال:
"عند بداية عملي بمكتبة الملك فهد الوطنية، وتكليفي بمقابلة بعض الشخصيات المهمة والفاعلة والبارزة في المجالات الثقافية والاجتماعية والتسجيل معهم ضمن برنامج (التاريخ الشفوي للمملكة)، كان من أول من قابلت رجل الأعمال والمثقف والمؤلف البارع محمد علي مغربي - رحمه الله - بمنزله بجدة في 29/12/1415هـ، وكان يتحدث عن أهم المحطات في حياته وبداية تعلقه بالثقافة، وذكر فيما ذكر عن النادي الأدبي الثقافي الذي أقامه بعض أدباء جدة في مطلع الخمسينيات الهجرية، وأسهب في الحديث كنواة لحدث يقام لأول مرة.
وفي لقاء آخر مع الأستاذ إبراهيم الحسون - رحمه الله - تم بمنزله بجدة في 20/1/1421هـ تطرق في حديثه إلى النادي وبرامجه، مما شجعني على تتبع أخبار النادي والبحث عن معلومات وافية عنه ليطلع هذا الجيل ومن بعده على المحاولات الأولى أو البذرة الأولى لمثل هذا النشاط، ولم أجد أكثر مما كتبه محمد علي مغربي في كتابه (أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة) قال وهو يتحدث عن الحاج عبد الله علي رضا، إنه في أول الخمسينيات الهجرية حينما قامت فتنة ابن رفادة.. «.. في ذلك الوقت بالذات كانت مجموعة من شباب جدة قاموا بتأسيس أول ناد أدبي في جدة، وكانت الاجتماعات تتم في هذا النادي حتى قبل الحصول على الترخيص الرسمي بافتتاحه من الدولة وكانت أغراض النادي ثقافية واجتماعية، وكانت تلقى فيه المحاضرات والقصائد، وكان هذا النادي يعقد بمنزل المرحوم عبد العزيز جميل ثم بمنزل المرحوم صالح إسلام، وكان من أعضاء النادي الأستاذ محمد حسن عواد والأستاذ حمزة شحاته والمرحوم أحمد لاري والشيخ حسن أبو الحمايل والأستاذ يونس سلامة وغيرهم، وكان كاتب هذه السطور أصغر أعضاء النادي على الإطلاق..».
لا حظوا معي أن الأستاذ محمد المغربي تحدث عن إنشاء أول ناد أدبي في مطلع الخمسينات الهجرية، يعني في الثلاثينات الميلادية، وذلك في بداية نشأة الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود، و نحن نعرف بأن أول ناد أدبي رسمي أنشأته الدولة كان في سنة 1395م / 1975م، يعني بعد أكثر من عشرين سنة من إنشاء النادي الأدبي الذي أسسه الأستاذ المغربي ورفاقه، وهذا دليل بأن المثقف السعودي كان هو صاحب المبادرة الأولى إلى العمل المؤسساتي، وذلك لاستشعاره منذ البداية بقيمة المؤسسة، وهنا بودي التذكير أن العمل المؤسساتي سبق مرحلة المغربي، ولكننا اخترنا أن يقتصر حديثنا عن مرحلة الدولة السعودية الثالثة أي مرحلة أقل من مائة سنة ( بحدود 86 سنة) وذلك لأسباب كثيرة أولها ضيق المقام من أن نتحدث عن تجربة الفعل المؤسساتي في السعودية لتشعب الموضوع الذي يحتاج إلى ندوات عديدة حتى توفيه حقه، وثانيا لقرب المرحلة من أذهان الكثير من مثقفي اليوم، إضافة أن بعض من عاصروا تلك المرحلة لازال حيًّا يرزق ويستذكر تلك المرحلة ومن رحل منهم أدلى بشهادته إما مشافهة أو دونها كتابة.
كذلك حينما اجتمع في سنة 1975م الأمير الراحل فيصل بن فهد وكان حينها رئيسا لرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي كانت مسئولة عن النشاط الرياضي بالإضافة إلى الفعاليات الثقافية، مع مجموعة من المثقفين السعوديين، لدراسة إنشاء مؤسسة ثقافية ترعى النشاط الثقافي. من اقترح إنشاء ناد أدبي في المناطق الرئيسة بالمملكة الأديب السعودي عزيز ضياء، وأنشئت بعد ذلك أندية أدبية أخرى.
وهذا دليل بأن الحس المؤسساتي عند المثقف السعودي كان عاليا جدا، لأن المؤسسة الثقافية رمز هام للحراك الثقافي في أي مجتمع متحضر.
جمعية الفنون الشعبية بالاحساء :
جمعية الثقافة والفنون على سبيل المثال ولدت من رحم جمعية الفنون الشعبية التي أسسها الأستاذ عبد الرحمن الحمد سنة 1391هـ وهي جمعية أهلية قامت على مبادرة فناني محافظة الاحساء، لتقوم بعد ذلك سنة 1395هـ جمعية الثقافة والفنون بعنوانها الحالي.
وهذا ليس غريبا عن مجتمع الأحساء فخذ مثلا من التاريخ، حينما تسمع أو تقرأ بأن هناك قوافل من الحجج كانت تحج إلى الاحساء لطلب العلم، فماذا يعني هذا؟
يعني لو لم يكن في الأحساء فعلا مؤسساتيا، أو بالأحرى مؤسسات علمية لم يحج إليها كل هذا الحجيج للتزود بالعلم والثقافة، فالمؤسسة هنا قد يقوم عليها فرد أو أفراد، ولكنها في النهاية هي مؤسسة، فالمؤسسة تعني التأسيس لعمل أو مشروع والاستمرار عليه، والأحسائي كان مسكونا بعملية التأسيس هذه قديما وحاضرا، لوعيه بقيمة العمل المؤسساتي.
في عام 2012م حينما استضاف نادي الأحساء الأدبي أمين عام الأمانة العامة لوزارة الأوقاف بدولة الكويت الدكتور عبد المحسن الجار الله الخرافي بأنه هو أحصى أكثر من ثلاثة مئة رجل من رجالات الكويت تعلموا على أيدي الأحسائيين، بل أكثر من هذا كان الكثير من جيل الآباء حينما افتتحت المدارس الحكومية في الاحساء انخرطوا فيها، وكان الكثير منهم يجيد القراءة والكتابة، بل منهم من كان شاعرا وأديبا ومثقفا بعنوان اليوم، فهذا إن دل فهو يدل على وجود المؤسسات العلمية والثقافية القديمة في الأحساء.
ملتقى القصة الإلكتروني (التفاعلي).
تأسس عام 2015م كملتقى إلكتروني يضم نخبة من كتاب وكاتبات القصة في الوطن العربي ويهدف الملتقى إلى نشر النصوص القصصية وكل ما يتعلق بها من أخبار وفعاليات وأنشطة وقد بدأ في التحول لملتقى تفاعلي من خلال إقامة فعاليات مشتركة مع عدد من المؤسسات الثقافية المهتمة بالسرد داخل المملكة فقد أقام الملتقى أمسية بالشراكة مع وحدة السرديات في جامعة الملك سعود وستقام لاحقا عدد من الفعاليات في البحرين وسلطنة عمان والمغرب وداخل المملكة، وحاول ملتقى القصة الإلكتروني مد جسور التواصل مع المواقع الإلكترونية المهتمة بالفن القصصي حيث تم عقد شراكة مع موقع القصة العربية بإشراف القاص جبير المليحان تتضمن تخصص صفحة للملتقى على موقع القصة العربية وذلك لتوثيق وأرشفة ما ينشر في الملتقى.
كما تم تدشين حساب على التوتير يهتم بأخبار أعضاء الملتقى والقصة القصيرة وجاري العمل على فتح قناة يوتيوب.
يذكر أن الملتقى يقيم كل أسبوع أمسية إلكترونية للتعرف على تجربة قصصية جديدة ويعمل الملتقى على تفعيل الحراك السردي وخصوصا القصة القصيرة من خلال الإمكانات المتوافرة والمتاحة، ويأتي إصدار هذا الكتاب بالشراكة مع منتدى النورس الثقافي ليضيف نسخة جديدة للمكتبة القصصية في العالم العربي حيث يحتوى على تجارب قصصية متنوعة لعدد من كتاب وكاتبات القصة من مختلف التيارات.
هذا الملتقى بإدارة القاص هاني الحجي و مريم الحسن.
وفي الختام آمل أن تلتمسوا لي العذر لأي تقصير بدر مني، فالموضوع يحتاج لجلسات عديدة، و بحاجة لقراءة باحث في تاريخ المؤسسات الثقافية بالمملكة العربية السعودية.
ومن الصعب اختصاره بهذا الحديث القصير.
جديد الموقع
- 2026-04-06 الوجية الاجتماعي بالهفوف الحاج سلمان الحمضة ابوابراهيم في ذمة الله تعالى
- 2026-04-06 الحس الإداري.. فن يصنع الفرق
- 2026-04-05 تجمع الأحساء الصحي ينجح في إجراء جراحة روبوتية دقيقة لاستئصال ورم كلوي مع الحفاظ على الكلية
- 2026-04-05 ديوان المظالم يدعو المستفيدين للمشاركة في تطوير خدمة تقديم الطلبات القضائية عبر منصة مُعين الرقمية
- 2026-04-05 بطولة المملكة للأندية للبراعم والناشئين تُختتم في القصيم
- 2026-04-05 * أمانة الشرقية تعزز الابتكار الطلابي بشراكة مجتمعية فاعلة في معرض علوم “أطلس العالمية*”
- 2026-04-05 إتاحة ممارسة نشاط "الترانزيت" دون اشتراط ضمان بنكي ودون إصدار لوحات النقل بالعبور للترانزيت الداخلي
- 2026-04-05 نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس أمناء مؤسسة جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز ويطّلع على تفاصيل ملتقى دراية بنسخته الثالثة
- 2026-04-05 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس جامعة حفر الباطن ويؤكد دعم القيادة للابتكار وتنمية الكفاءات الوطنية