2017/06/01 | 0 | 1984
إطلالة على كتاب : (نفحات الإعجاز / أبو القاسم الخوئي)
وتأتي قصة هذا الكراس الذي كتبه الخوئي وهو في سن مبكرة ، أنه وقع بيده كتاب في سنة 1912م بعنوان (حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز) لمؤلف مسيحي يُدعَى (نصير الدين الظافر) مطبعة بولاق بمصر ، والكتاب كما هو واضح من عنوانه يتضمن هجوماً ملفقاً مليئاً بالادعاءات والطعن لتفنيد إعجاز القرآن ، والنيل من مكانته وقيمته عند المسلمين .
إشارات سابقة لباحثين :
وقد أشار لهذا الكتيب .
١- الشيخ عبد العظيم الزرقاني ، بقوله : " ... لقد اطلعتُ على رسالة خبيثة أسموها (كتاب حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز) فوجدتها قد حملت من الأكاذيب والأراجيف ، ومن اللف والدوران ، أشكالاً وألواناً في الصحيفة الواحدة ... " ( مناهل العرفان ، ج ٣١٣/٢) .
٢- كما رد عليه الشيخ محمد رشيد رضا عند تفسيره لسورة الفاتحة ، تحت عنوان (معارضة نصرانية سخيفة للفاتحة الشريفة)(انظر : تفسير المنار ٦٩/١) .
٣- وأشار المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني - صاحب كتاب (الذريعة) - لبعض الردود التي خرجت ، مثل :
الاحتراز في رد رسالة حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز : آقا محمد إبراهيم بن آقا رضا رئيس التجار الأصفهاني المشهدي . طبع في طهران سنة 1342هـ ( انظر ج ١ص٢٨٤) .
خطوة الرد للإمام الخوئي :
وقد انبرى الخوئي لردع هذا التجرؤ ، الذي ينمّ عن جهل وقلة اطلاع في اللغة والبلاغة ، وقصور فهم في معاني الآيات القرآنية ، وكان رده – على حد تعبيره - تصديا لـ"بعض المغرورين على عدوانهم بالأباطيل التي كثر بها الهياج في هذا العصر "(نفحات الإعجاز ص46) .
فشرع بمقدمةٍ أجمل فيها الحديث حول (عجز بلغاء العرب عن الإتيان بمثل القرآن) ، وألمح فيها لنقطة جوهرية في مسألة الإعجاز ، هي :
أن بلاغة القرآن التي تحدى بها العرب تنطوي على بعدين لا يمكن فصلهما ، هما :
١- المعاني .
٢- والألفاظ .
ولم يكن التحدي بالبلاغة في جانبه اللفظي والأسلوبي فقط ، فالبلاغة لا تطلق على الكلام في لفظه وأسلوبه فقط ؛ قال :
" لكنهم يعرفون [أي العرب] لا كغيرهم أن الذي يفتخر به ويتنافس فيه من ارتفاع قدر الكلام وبلاغته إنما يكون بمقدار مطابقته لمقتضى الحال الذي يتكلم فيه ، وجريانه على الوجوه اللازمة في ذلك ، لا بمجرد تزويق [تحسين] الألفاظ وتحوير العبارات ، وقد وجدوا القرآن الكريم يعطي كل مقام حقه من المطابقة لحقيقته ومناسبتها ... " ، لذا من أراد أن يعارض ، فعليه أن يخوض " في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائيا لا اتباعاً تقليدياً ..."(نفحات الإعجاز ص4-5) .
ويهدف الخوئي من ذلك :
١- أن يبين للقارىء الوهم الذي تأسست عليه ادعاءات المؤلف ، ويكشف بذلك قصور فهمه للبلاغة ، ظناً منه أن إعجاز القرآن كامن في عباراته وألفاظه ، ومن هذا يتضح ضعف المستوى العلمي واللغوي لصاحب الكتاب ، والقابلية الذهنية القاصرة عن فهم مراد آيات التحدي ، مثل قوله تعالى :
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة البقرة 23] .
وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة يونس 38] .
وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة هود 13] .
وقوله : (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)[سورة الطور 34] .
فالمتأمل في هذه الآيات ، سيلاحظ أنها استعملت مفردة(مثله) ، والمماثلة تكون في التركيب الكلي للكلام في المعاني والبيان .
٢- بلورة الإشكالية المنهجية المتكررة مع كل زمن ، فيمن يحاول أن ينال من القرآن عبر ادعاء التناقض فيه ، أو إثبات خلل ما في بلاغته ومعانية ، أو تجاوز جوانب الإعجاز فيه لإنزال مكانته الدينية واللغوية .
٣- فصل عملية الفهم عن عنصر النص القرآني .
فكل ادعاءات المؤلف هي عملية فهم ، وقد تعتري الأذهان عادة شبهات وموانع للوصول لمراد النص ؛ فكيف لو اجتمع فهم قاصر مع قابلية ضعيفة في اللغة ؟!
وقد كان الخوئي كثيرا ما يعلق على فهم المؤلف وذهنيته القاصرة عن أوضح القضايا العقلية واللغوية ، من ذلك :
١- " فإن توهّم (حسن الإيجاز) أن قد جاءوا بمثله [يعني عرب الجاهلية] واختفى علينا فقد أخطأ وجدانه (...) فاعتراف أهل اللسان بإعجاز القرآن حسبما دلّ عليه الوجدان أوضح دليل على إعجازه ، ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز عن إدراك ذلك فلا ينبغي له الخوض فيه ، بل يلزم عليه أن يتّبع أهل اللسان ولا يبقى هالكاً في ورطة الجهل، أعاذنا الله منه ومن الجهل بأنّا جاهلون والله الهادي إلى سواء السبيل " .
٢- " لا لوم على هذا الرجل إذا لم يعرف معنى البلاغة فتوهّم لنفسه أنّها عبارة عن تزويق الألفاظ وإن كان معناها فاسداً قبيحاً في مورده ، ومن تقحّم مثل تقحّمه جدير بأن لا يعرف أنّ البلاغة التي بها يعلو قدر الكلام ويتفاخر إنّما هي مطابقته لمقتضى الحال ... "
٣- " هذا مع أنّ المعارض بمعارضته الرديئة لم يهتد إلاّ باتّباع اُسلوب القرآن وتقليده " .
٤- " وأظنّ أنّ تعصّب (حسن الإيجاز) لا يدعه يفهم ذلك لكي يصدّق به فإنّ داء التعصّب عضال " . (انظر ص6 و11و25و33 من نفحات الإعجاز).
# منهج رد الإمام الخوئي :
كانت خطة رده ونقده عليه في (8 نقاط) ، يمكننا إجمالها في محورين رئيسين ، هما :
١- شبهات في الإعجاز .
٢- شبهات في البلاغة القرآنية
المحور الأول :شبهات في الإعجاز /
تناول الخوئي الشبهات هذه في النقاط ( 1 ، 2 ، 3 ، 6 ، 8 ) ، حيث تناول الإعجاز من النواحي التالية :
1ـ عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن . حيث ادعى المؤلف : (أن القرآن لم يدع عجز البشر والناس عن الإتيان بمثله ؛ إلا على سبيل المبالغة) .
فبين الخوئي بأن هذا الفهم لا يتماشى مع بداهة ما تعرض له القرآن للإعجاز ، حيث أورد الله ذلك التحدي " في مقام الحجة والاستدلال ، وإثبات أنه [أي القرآن] كلام الله ووحي منزل على نبيه المرسل صلوات الله وسلامه عليه وآله ، ومن ثم صار عجز الشعراء والبلغاء – مع كثرتهم في تلك الأعصار - دليلاً قاطعاً على إعجازه "(نفحات ص8) .
وثمة فرق واضح بين لغة القرآن الصريحة في التحدي ، وبين ادعاء الكاتب (المبالغة) .
انظر صريح الآية من قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة اﻹسراء 88] ؛ لترى أن مقصودها بعيد عن معنى (المبالغة) الذي يزعمه الكاتب .
كما أنه تطرق لشبهة وقع فيها في قضية عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن ، حيث قاس القرآن بكتاب إقليدس من ناحية اشتراكه – على حد زعمه – من ناحية أن لم يأت أحد بمثله ممن قبله وممن بعده .
وهو بتلك الدعوى يريد إسقاط مكانة القرآن في معجزته ، في أنه لم يعجز البشر ؛ بل لأن أحدا إلى الآن لم يأت بمثله ، وربما سيأتي أحد ويأتي بمثله ، فرد الخوئي قائلاً :
" مع أن عدم الإتيان لا يستلزم العجز عنه ، لو سلم أن لم يأت أحد بمثله سلمنا ، ولكن الذي يقبح – عند العقل – على الله تعالى إنما هو إظهار المعجز على يد الكاذب ، فلا يمتنع إظهاره على من لم يدع النبوة كذبا ، والقرآن إنما ورد في مقام الإعجاز والبرهان على النبوة ، فبمَ يرتبط هذا المقام بغيره ؟!" (نفحات ص8) .
2ـ إنكار الإعجاز ممن التصق بالإسلام . وقد بين الخوئي بأن دلالة الإعجاز على الوحي هي من الأمور العقلية التي لا يضر فيها جهل أحد ممن انتسب للإسلام أو إنكاره .
خاصة أن القرآن اختص كمعجزة عن سائر المعجزات بظهوره لجميع من يعرف البلاغة في جميع الأديان ولجميع الأزمان ، بينما المعجزات السابقة مختصة بفئة محدودة في ذلك الزمان ؛ " غاية الأمر أنه بالنسبة إلى أهل اللسان بإدراكهم وبلا واسطة ، وبالنسبة إلى غيرهم بإخبارهم القاطع وإذعانهم المعروف " (نفحات الإعجاز 10) .
3ـ اقتصار الإعجاز في أنباء الماضي فقط .
وقد أوضح الخوئي أن هذه الدعوة واهية ، لأنه لو كان الإعجاز فقط في أنباء الماضي ، فإنه لا خصوصية للنبي في ذلك ، لأن أنباء الماضي متاحة لمن يسمع ويحفظ من أقوال المتناقلين والقصاصين في كل زمن .
ولعل ما جعله يقول ذلك حينما رأى القرآن يشترك مع الكتب السماوية الأخرى في نقل القصص ؛ لكن الخوئي بيّن بأن القرآن خالف تلك الكتب ، ومخالفته تعد تصحيحاً وتهذيباً ، لأنها صادرة عن وحي الله الذي لا تناقض ولا اختلاف في كلامه . (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [سورة النساء 82] .
وقد أتى الخوئي بأمثلة من قصص العهدين المحرفة ، وقارنها بما جاء في القرآن .
وعلة المقارنة لإبطال ما سماه بالأغلاط في القرآن فيما نقل من أنباء الماضي . وقد قسمه إلى قسمين :
أ / التناقض .
حيث ادعى أن قوله تعالى : (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [سورة آل عمران 41] ، مناقض لقوله تعالى : (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [سورة مريم 10] .
فرد الخوئي :
" مع غفلته عن أن اليوم يستعمل في اللغة العربية في بياض النهار مرة ومجموع النهار والليل أخرى ، وعلى الأول جاء قوله تعالى في عذاب عاد بالريح الصرصر (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [سورة الحاقة 7] . وعلى الثاني جاء قوله تعالى أيضاً في عذاب عاد (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) [سورة فصلت 15 - 16] .
وقوله تعالى (وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [سورة هود 64 - 65] . وقوله تعالى في أمر زكريا (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [سورة آل عمران 41] . وقوله تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [سورة البقرة 51] .
وقوله تعالى في أمر زكريا (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [سورة مريم 10] .
وشواهده من الشعر والنثر كثيرة " (نفحات ص44) .
كما أنه قد أعطى أمثلة أيضاً في اللغة العبرانية في التوراة ، وفي الإنجيل أورد ما يفحم المدّعي ، بقوله :
" وإن أراد الاعتراض ، فعليه بإنجيله الرائج ، فإنّ إنجيل متّى يذكر في الباب الثاني عشر / عدد 40 أنّ المسيح أخبر أنه يبقى مدفوناً في بطن الأرض ثلاثة أيّام وثلاث ليال ، مع أنّ إنجيل متّى والأناجيل الثلاثة الباقية متفقة على أنّه لم يبق في الأرض إلاّ يسيراً من آخر يوم الجمعة ، وليلة السبت ونهار السبت ، وليلة الأحد إلى ما قبل الفجر ؛ فأين تكون الثلاثة أيّام وثلاث ليال؟! فانظر أخريات الأناجيل في دفن المسيح وقيامه "(نفحات ص45) .
ب / مخالفة العهدين .
حيث توهم كذب القرآن مقارنة بما فيهما ، ليقينه بأنهما هي الكتب المنزلة للأنبياء . ثم بين بإيجاز :
" أن داخلية كتب العهدين تبطل كونهما كتب وحي وإلهام "(نفحات ص45) .
أي أن الناظر المتأمل في هذه الكتب المحرفة وما حوته من قصص وأخبار متناقضة ، وبعضها ينسب الكذب والانحراف للأنبياء كافٍ في أنها محرفة ، ولا يتعمد عليها كميزان لكي نقيس عليها ونحكم بها .
هذا عن شبهات الإعجاز .
المحور الثاني : شبهات في بلاغة القرآن /
وتوزعت في النقاط التالية : ( 4 ، 5 ، 7 ) . وتناول فيها :
معنى البلاغة في إعجاز القرآن ، وشبهاته الواهية في بعض بلاغاته .
ومن خلال ما استعرضه الخوئي من عبارات الكتاب ، تبين بأن تصورات المؤلف ومفاهيمه عن البلاغة لا تتناسب وأهل البلاغة واللسان .
فهو يقول في كتابه :
( يمكن عقلا أن يأتي إنسان بأفصح العبارات وأبلغها وأحسنها نظماً وهي تحكم بأن الله شرير ) .
وأوضح الخوئي أن هذه المقولة تدل على عدم معرفة البلاغة ، فهو توهم أن البلاغة عبارة عن تزويق الألفاظ وإن كان معناها فاسداً قبيحاً في مورده .
ويبدو أن هذا الوهم تسرب له من خلال ما في الكتب المحرفة لديه ، فقد أورد الخوئي نصوصاً من التوراة والإنجيل ، كان فيها المعنى فاسداً وقبيحاً ، عبر إلصاق فعل القبائح للأنبياء وتلفيق ما لا يليق بهم ، وقد نمق وأنق المحرفون هذه القصص لإخفاء معانيها المشوهة ، لكي يتقبلها العقل قدر الإمكان .
لذلك عمد الخوئي لعمل مقارنة بسيطة مع القرآن لتوضيح هذا الأمر . قال :
" فانظر إلى كلام الله في جميع موارده وفنونه المختلفة ، وانظر إلى براعته فيها وبلاغته المعجزة بمطابقته لمقتضى الحال . وإن صدور هذه المقامات [ يعني القصص المحرفة] وأمثالها من كتبة العهدين الرائجين لأدل دليل على كذب أولئك الكتبة " (نفحات ص13) .
بعدها أوضح أن الاستناد في صدق الرسول إلى الله لهو من جهات شتى ، منها :
أ / عجز بلغاء العرب عن معارضة القرآن مع أنهم أهل الفصاحة والبيان ، وهذا كافٍ لأن يكون مصدر المعجزة إلهياً .
ب/ إذا كان في ادعاء النبي ما هو مخالف للعقل كالكذب والدعوة للشرك ، وتناقض أقواله ودعواه ، فالمعجزة تنتفي في هذا الفرض ، فقول الكاتب بأن الله شرير يدل على عدم النبوة وعلى أن المدعي كاذب في دعواه .
وهناك الشواهد الأخرى الكثيرة الدالة على فهمه القاصر وجهله باللغة والبلاغة ، منها :
١- تشبثه ببعض التراكيب العربية التي استعملها القرآن ، مثل : ( وردة كالدهان ) ( صلصال كالفخار) والتي استعملها العرب من قبل . واعتبر ذلك استقاءًا ، ليقلل من بلاغته .
فقال الخوئي ردا على ذلك :
" ولا يخفى أن القرآن نزل باللغة العربية ، هل يمنع عليه استعماله للألفاظ التي استعملها غيره من العرب ؟! وهل قال أحد : أن بلاغة القرآن وإعجازه إنما هو بمثل ألفاظ ( وردة كالدهان) و ( صلصال كالفخار) لكي يقال : إن هذا الإعجاز سبق به عنترة وأمية لو صحت النسبة لهما ؟! "(نفحات ص42) .
وفي السياق نفسه تشبث أيضاً بما ينقله بعض علماء المسلمين من أخبار الآحاد في أن من القرآن ما نزل على لسان بعض الصحابة
فرد الخوئي عليه :
" أن ذلك لو صح لم يضر بكون القرآن وحياً ، لجواز أن تكون مصلحة الوحي والتشريع وحكمتهما قد اقتضت أن ينزل الوحي بعد ذلك القول من الصحابي " (نفحات ص43) .
إضافة إلى تنبيهه إلى أنه لا يصح الاحتجاج بقضية إلا بما هو مسلم بها بين المسلمين ؛ وهذه مما لم يتسالم بها ، فضلاً عن نفي حدوثها من قبل جملة من المحققين .
٢- إبطاله ما توهم أنه دليل على عدم بلاغة القرآن ، وقسمه إلى قسمين :
أ / قسم جعل فيه ادعاءه دليلاً على قوله . وأتى فيه بشواهد ادعى التنافر فيها مثل قوله تعالى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) [سورة الحاقة 1 - 2] .
وادعى الغرابة في لفظة ( الكوثر) ؛ لأن النبي فسر المراد على النحو الكلي ، فاعتبر ذلك غريباً ... وغيرها من الأمثلة . وأوضح الخوئي أن سوق هذه الإدعاءات تدل على قلة اطلاع في لغة العرب .
ب / قسم فيه دلالة على عدم فهمه للكلام . ومنه توهمه في مخالفة القياس في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) [سورة نوح 17] . فقال أن القياس الصحيح هو : إنباتاً .
فرد الخوئي :
بأن المراد في دلالة الآية ليس المصدر ، إنما " المراد منه اسم العين لمساواة أحوال الإنسان لأحوال النبات في نموه وأطواره في البهجة والذبول " (نفحات ص22) .
٣- ومن قلة فهمه أيضاً مجاراته الرديئة لمعارضة القرآن عبر تنميقه اللفظي الأسلوبي ، ظناً منه أن هذه المعارضة مثلية للقرآن ، وقد اكتفى الخوئي بالتعليق البسيط لأنها في حد ذاتها تدل على ضعفها .
٤- بعدها انتقل الخوئي ليعلق حول (التكرار في القصص) التي أشار لها صاحب الكتاب بزعمه أنه مناف للبلاغة فقال موضحا ومبينا : " وإن كان المعترض يتعرض لتكرار القرآن لقصصه ، فهل يخفى على ذي المعرفة محل ذلك من البراعة والبلاغة وبيان القدرة على إيراد القصة حسب مناسباتها بعبارات مختلفة كلها راقية في مقامها من دون تناقض ولا اختلاف جوهري ، لا كما وقع في الأناجيل من التناقض والاختلاف الجوهري الكبير الكثير في قصصها التي تكررت فيها ... "(نفحات ص27-28) .
٥- ومنه ادعاؤه ضعف التأليف والتعقيد في قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ * قَيِّمًا) [سورة الكهف 1 - 2] .
حيث توهم أن ( قيما) حال من الكتاب ، والواو في ( ولم يجعل) للعطف .
فأجاب الخوئي :
مع غفلته عن أنه لا لزوم في هذا التحكم ، بل تكون الواو حالية ، و ( قيماً ) حالاً بعد حال ، أو حالاً من ضمير (له) . ومعنى القيم : كونه قائماً بأمور العباد في المعارف والشريعة والإرشاد والإنذار ، كما يقال : قيّم المرأة وقيّم اليتيم وقيّم القوم .( نفحات ص29) .
فإذا كان له مثل هذا الفهم ؛ فأنى له أن يبلغ آفاق بلاغة القرآن ، وعمق معانية ، وبيان أساليبه ؟ وهل لمن لم يبلغ شأو البلغاء وأهل الفصاحة والخطاب مكان لكي يحكم في الفصاحة ، ويطعن في أقدس كتاب حمل البلاغة كلها ، وأعجز الأولين والآخرين .
خلاصة وعناصر منهجية :
كان الرد – على إيجازه وقلة صفحاته – مطعماً بالمنهج العلمي الجدلي ، وفيه نتلمس بسهولة لغة الحوار المركز والذي يتخذ العقل والدليل طريقاً لإيضاح الحقائق والمفاهيم الكلامية واللغوية ، ولعل أبرز ما نستخلصه من جولتنا هذه :
1ـ الفصل بين النص القرآني وعملية الفهم ، والتي ربما يعتريها من الذاتية والتعصب والجهل والعناد والمفاهيم المسبقة بتأثير من الاتجاه الديني أو المذهبي ، ما يحجبها عن الفهم السليم والوصول للحقائق .
2ـ حضور المنهج العقلي في نقاش مفهوم الإعجاز ، ولأن الإعجاز القرآني هو مستند النبوة الخاتمة ، ولا بد من الاحتجاج بذلك ، صار العقل منوطاً بتلك المعجزة ، بخاصة أن (العقل) هو الذي يحتج به لدى كل إنسان في أي زمان ومكان ، فمعجزة القرآن تفرق عن باقي المعجزات أنها تخترق الأزمان والأماكن ، في حين أن المعجزات الأخرى تتطلب حضوراً وشهوداً مباشراً .
3ـ إعطاء لمحة تاريخية عن (معارضة القرآن محتوى ولغة) مما يمهّد منهجياً وفكرياً للمعارضة المدعاة من قبل الكاتب ، وفي الوقت ذاته يبين خواء ادعاءاته ، وضعف طرحه ، وارتكازه على الإثارات الجوفاء ، الخالية من الدليل والمتانة الفكرية .
4ـ إيضاح مفهوم (الإعجاز البلاغي) ليبين أين تقع مزاعم وادعاءات الكاتب ، وأنه يجهل أوضح القضايا في مسائل البلاغة والمعارضات الأدبية .
5ـ الإيعاز لكتب العلامة البلاغي ، مثل (الهدى إلى دين المصطفى) و (الرحلة المدرسية) يعد عرفاناً لمكانة البلاغي وأستاذيته ، وأمانة علمية في توثيق القضية علمياً وتاريخياً ، وفي الوقت ذاته شهادة لمكانة البلاغي في هذا الإطار .
6ـ الاحتجاج بكتب العهدين تكرر كثيراً في الرد ، وهذا أليق في الجدل مع الكاتب ، لأنه يعتبرها هي الأصح على القرآن ، إضافة إلى أن المقارنة بها تعطي متانة وقوة في الجدل ، خاصة أن الخوئي كان يعرض مضمون هذه الكتب على العقل الصحيح ، ويقارنها مع ما جاء في القرآن الذي يتوافق والعقل ، وهذا مما يختصر الطريق في عملية الإفحام والاحتجاج .
7ـ بشأن المعارضات التي علق عليها الخوئي ، اتضح مستوى الضعف والركاكة في المعارضة المدعاة ، وقد بين حينها أن المعارضين للقرآن لا بد في معارضتهم أن تكون مماثلة في كل المستويات للقرآن ، وعبر الخوئي عن ذلك بقوله : " أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائياً لا اتباعاً تقليدياً " (نفحات ص5) .
أما التلفيقات التي تشبه إيقاعات الآيات وأساليبها ، في أوهى أن يطلق عليها (معارضة) بالمعنى الأدبي واللغوي ، فضلاً عن افتقارها في المعاني والدلالات .
8ـ الحفاظ على لغة الحوار والود مع الأديان الأخرى ، وشاهد ذلك ما كتبه في ختام الرد مخاطباً الكاتب : "وليعلم أصحابنا النصارى أنا لا نبتدىء في هذه الأمور ، وإنما نتصدى لهد لصد بعض المغرورين عن عدوانهم بالأباطيل التي كثر بها الهياج في هذا العصر . ونسأل الله أن يهدي عباده إلى سواء السبيل ، والحمد لله أولا وآخراً " (نفحات ص 46) .
9ـ اقتصر صاحب الكتاب في نظرته على قضية الإعجاز والبلاغة ، وهما قضيتان جوهريتان للقرآن ، ولم يرق تناوله كما سبقه من المعارضين الذين حفظ لنا التاريخ محاولاتهم التي باءت بالخسران ، ولأنه يريد عبر هذه الادعاءات تشويه الإسلام في كتابه المقدس ، ويريد الإثارة لا الطرح العلمي ، لذا تحطم ما بناه وما لفقه في أبسط رد وتناول ، ولم يألُ الخوئي جهداً لرد مزاعمه ، فكشف عن حقيقته وعن مبانيه وخلفياته ، وعن مسمى كتابه (حسن الإيجاز) والذي كان يقصد به أنه ببضع كلمات وعبارات موجزة سينقض أسرار بلاغة القرآن وإعجازه ، وما درى بأن عباراته تلك ما هي إلا لغو وهذيان قبال اللغة العالية والبلاغة السامية ، كما في قوله تعالى حينما حكى عن المعارضين الأوائل : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [سورة فصلت 26] .
وتكثر المحاولات ، و (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [سورة الصف 8] .
10ـ لم يكن ذلك الرد هو المحاولة الأولى للخوئي ، فقد أعاد طرح مسألة الإعجاز والبلاغة مرة أخرى في كتابه (البيان في تفسير القرآن) بنحو مكمل ، بمنهج عقلي ونقلي متين ، ولغة علمية ، وبيان بليغ .
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية